بريد القراء

القلوب القاسية كالحجارة أو أشد!

جاء في قوله تبارك وتعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) صدق الله العظيم.


الحياة مليئة بالوقائع والمشاهد المحزنة التي تنفطر لها القلوب، ومع ذلك يرى بعض العصاة أن القسوة هي 'نتاج صريح' لردة فعل بشرية تجاه موقف معين، أو عبارة عن فعل معاكس أدى إلى تحول الإنسان من كائن بشري إلى حيوان مفترس!
عندما تتعمق القسوة، تذوب الرحمة من القلوب، فيصبح الإنسان غير الإنسان الذي يعرفه الناس، بدليل قاطع نرى كيف يرتكب المجرمون جرائمهم بدم بارد، فالرحمة ليست من طبعهم عندما يلغون كل عواطفهم وأحاسيسهم كبشر، بل لا يعنيهم أنهم يمزقون بسواطيرهم شرايين الرحمة التي فُطرت عليها البشرية، ثم بعد ذلك، يصبحون على ما فعلوه نادمين.


الندم هو الإحساس المفقود وقت وقوع الجرم المشهود، وبعض القتلة لا يشعرون بالندم 'بعكس غيرهم'، لأن الله تعالى صم آذانهم، وأذهب عقولهم، ونزع من قلوبهم كل أنواع الرحمة بالآخرين.
ولكن مع كل ما نسمعه أو نراه من أفعال فردية، لا يمكن بأي حال من الأحوال تبني فكرة القسوة والتعدي على الآخرين على أنها حق مشروع، بدون أن يكون هناك إطار قانوني أو وازع ديني ينص على أن 'لله حرمات' لا يجب الإتيان بها بدون وجه حق.


ومن يتتبع آثار أقدام الجرائم التي ارتكبها البشر على هذه الأرض منذ النشأة الأولى، حرفيًا سيصاب بحالة نفسية معقدة يصعب عليه النفاذ من تياراتها القوية سالماً؛ لأن بعض أشكال القسوة تتجاوز الحدود، ولا يمكن لبشر سليم أن يأتي بها، أو يفكر في إيذاء الآخرين، خاصة الضعفاء منهم، فقط لأنه أقوى منهم.
والسؤال الدائم: كيف تصل القلوب إلى هذه المرحلة من الصلابة والقسوة بحيث لا تتحرك مشاعرهم، أو تهتز شعرة من رؤوسهم أمام أفعال لا يمكن وصفها وكأنهم شياطين وُجدوا بين الناس؟!
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: 'ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما دخلت القسوة في قلبٍ إلا أفسدت إدراكه للحق.. والقلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة.. فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار'.


إذن توصيف ابن القيم يدلنا على أن القسوة التي تدخل إلى القلوب تعمي البصيرة وتوقف العقل عن التفكير، وتجعل الإنسان عاجزًا عن إدراك الحق والعدل في تصرفاته.
في ردهات المحاكم، في كل يوم، تُعرض قضايا لا يمكن للإنسان العاقل تقبلها أو حتى سماع تفاصيلها، قضايا شائكة، وجرائم لا يمكن تصديق مشاهدها أو كيفية ارتكابها بهذه القسوة والغلظة، لكنها حدثت بالفعل!
في بعض الأماكن من العالم، تتجلى مشاهد الألم والبؤس والهوان التي لا تمت إلى الإنسانية بشيء، فقتل هنا، وجرائم أخرى تُرتكب تحت ستار المبررات والخداع، فربما جميعنا يسمع عن 'الجرائم التي تُرتكب ضد الإنسانية'، خاصة وقت الحروب وغيرها، وهي أعمال انتقامية بشعة لا يمكن تصنيفها إلا على أنها خارجة عن المألوف.


لن تتوقف الجرائم بأنواعها، ولن ينقطع نسلها من المعذبين في الأرض، بل ستظل أمورًا تدمع لها العيون ويحزن أمام هولها القلوب. لن نسرد قصصًا أو أحداثًا مؤلمة خرجت عن نطاق المعقول، ولن نسمي الجرائم التي لا إنسانية فيها مطلقًا، لكن كل ما نريد أن نذهب إليه هو السؤال التالي: من أين يأتي الناس بهذه القسوة المبالغ في ارتكابها؟ ثم، كيف ينامون ليلتهم وأيديهم ملوثة بدماء الأبرياء؟
نحن لا نسرد مشاهد فيلم رعب سينمائي قديم، كل أحداثه مليئة ببشاعة الموت أو العذاب الأليم الذي يلاقيه الضحايا قبل أن تخرج أرواحهم، ولا نريد أن نقرأ قصصًا من خيال المؤلفين التي تقدم لنا العالم الموازي للفطرة الإنسانية حيث يتحول القاتل إلى بطل أسطوري، ولا يروق لنا سماع حكايات يصعب علينا تخيل تفاصيلها لبشاعة تفاصيلها.


إننا أمام علامة تعجب كبيرة: فأي قسوة هذه التي يمتلئ بها بعض البشر وتدفعهم إلى ارتكاب المحرمات تجاه الأبرياء!
كما أن انتشار هذه الظاهرة يجعل البعض يبرر أفعالهم عبر الغرائز النفسية أو الدوافع الإجرامية، معتقدين أن السلوك القاسي يدر عليهم ربحًا ماديًا أكبر من أي عمل مشروع. بعض المتورطين يمتلكون مصادر دخل أخرى، لكنهم يختارون التسول أو العنف كوسيلة سهلة، إذ لا تتطلب شهادات أو مهارات خاصة سوى تقمص دور الضعيف المحتاج.


نحن بحاجة ماسة إلى التمييز الدقيق بين الفقراء الحقيقيين الذين يحتاجون إلى عون ومساعدة وبين محترفي القسوة والتعدي على الآخرين، الذين يستغلون الشفقة الاجتماعية دون وجه حق.
كذلك، من المؤسف جدًا أن ظاهرة القسوة أصبحت تُمارس على نطاق واسع من قبل أفراد تطبيقًا لغرائز نفسية بعينها، أو لمآرب قد تكون 'إجرامية'، أو عبارة عن هوس بالقسوة وتغليب روح الاتكالية على القيم الإنسانية.
يرى بعض الناس عدم ممانعتهم من طلب الإحسان من قبل المستضعفين والمحرومين والمحتاجين للعطاء، لكن ذلك لا يجب أن يتحول إلى إحراج دائم للأسر، فهناك عائلات محتاجة ولكنها متعففة، وأيضًا أبواب العطاء لها جمعيات وأطر قانونية تقوم بدورها الصحيح من أجل ضمان العدالة في تقديم الدعم للمستحقين.