الإسكان ومشكلة البيانات
روبي بولاريا شيفرين - روزان هاجرتي
الخميس / 8 / رمضان / 1447 هـ - 20:29 - الخميس 26 فبراير 2026 20:29
وفقا لأحدث تقديرات الأمم المتحدة، يفتقر 2.8 مليار شخص حول العالم إلى سكن لائق، في حين يعيش 318 مليون إنسان بلا مأوى. على الرغم من استثمار مليارات الدولارات في إيجاد حلول، كانت الحكومات والمؤسسات الخيرية عاجزة عن إحداث أي أثر في هذه الأزمة.
كان الافتقار إلى البنية التحتية الأساسية اللازمة لتتبع وفهم التساؤلات الأساسية المتعلقة بالإسكان أحد الأسباب التي لم تحظ بالقدر الكافي من التقدير وراء هذه الحال. تعني الفجوات الكبيرة في البيانات أننا في كثير من الأحيان لا نعرف أي قطع من الأراضي العامة تظل غير مستغلة، وكم عدد الوحدات الشاغرة، وأين تتعثر مقترحات التطوير. وفي غياب تعريفات مشتركة للمصطلحات الأساسية، يصبح من الصعب إجراء مقارنات بين السياقات المختلفة ــ فمصطلح «الإسكان الميسور التكلفة» يعني شيئا في لندن، وشيئا آخر في لاجوس، وشيئا مختلفا بالكامل في لوس أنجلوس. الأسوأ من ذلك، أن البيانات الموجودة نادرا ما تكون متاحة لصُنّاع السياسات والباحثين.
في معظم المدن، لا توجد سلطة واحدة مسؤولة عن تتبع أي الكيانات العامة تمتلك أي قطعة من الأرض. تمتلك كل من هيئات النقل العام، والمناطق التعليمية، وإدارات التخطيط شذرات من معلومات لا يتسنى الترابط بين بعضها بعضا أبدا. وتتفاوت قوانين تقسيم المناطق بدرجة كبيرة، ليس فقط بين البلدان ولكن أيضا بين البلديات الـمتجاورة.
يُـنتِج هذا التجزؤ سياسات رديئة. ففي غياب تصور كامل للموارد المتاحة والعوامل التي تؤثر على المعروض من المساكن، يعجز صناع السياسات عن تحديد التدخلات الفعّالة على نحو جدير بالثقة. نتيجة لهذا، قد تستثمر مدينة ما بكثافة في البناء المدعوم بينما تحتوي على أراضٍ مملوكة للقطاع العام يمكن تطويرها بتكلفة أقل. وتضع الحكومات أهداف إسكان طموحة، لكنها غير قادرة على تتبع التقدم أو إزالة العقبات، وهذا يعزلها فعليا من أي مساءلة حقيقية. والنتيجة هي مجموعة متنوعة من البرامج الفردية وقلة الوضوح بشأن ما إذا كان أي منها يلبي الاحتياجات الأساسية فيما يتصل بالوصول إلى السكن والقدرة على تحمل تكاليفه.
يأمل كثيرون أن يتمكن الذكاء الاصطناعي في النهاية من حل مشكلة الإسكان. الآن، تستطيع نماذج التعلم الآلي التوفيق بين قواعد البيانات المتباينة، واكتشاف الأراضي غير المستغلة بالكامل من خلال صور الأقمار الصناعية، ومحاكاة كيفية تأثير التغيرات الطارئة على السياسات على المعروض من المساكن. لكن هذه الأدوات تتطلب مدخلات منظمة وموحدة. لذا، فإن تحقيق إمكانات هذه التكنولوجيا يعتمد على العمل غير المثير للاهتمام المتمثل في هندسة البيانات. وهذا يجعل تشييد هذه البنية الأساسية أكثر إلحاحا.
على سبيل المثال، وجد مشروع تجريبي نظمه معهد أوربان ومختبر Legal Constructs Lab في جامعة كورنيل لأتمتة (أتمتة تعني التشغيل الآلي) منهجيات الأطلس الوطني للتقسيم، أن نماذج التعلم الآلي لا يمكنها تفسير وثائق التقسيم بشكل يمكن التعويل عليه، بسبب عدم اتساق التنسيق، والفروق القانونية الدقيقة، والاستثناءات المحلية. وقد عانت مدن في مختلف أنحاء العالم مما يسميه الممارسون «وادي موت لوحة المؤشرات»: أدوات تَصَوّر باهظة الثمن تفشل لأن البنية التحتية التي تقوم عليها البيانات الأساسية تعجز عن دعمها.
والتباين مع البنية الأساسية العلمية الناجحة هنا مفيد. ساعد مشروع الجينوم البشري في تغيير الطريقة التي يشخص بها العلماء الأمراض ويعالجونها، جزئيا من خلال تأسيس مبادئ برمودا، التي تُـلزِم المختبرات المشاركِة بنشر تسلسلات الحمض النووي في غضون 24 ساعة. أشعل هذا شرارة موجة من التعاون التي عملت في وقت لاحق على تمكيننا من تحقيق اختراقات مثل اكتشاف CRISPR (التكرارات العنقودية المتناظرة القصيرة المنتظمة التباعد) أو كريسبر، وبرنامج الذكاء الاصطناعي AlphaFold (ألفافولد). وبعد أن تبادل الباحثون جينومات SARS-CoV-2 في أوائل عام 2020، بات من الممكن تطوير اللقاحات بسرعة غير مسبوقة.
اجتمع مؤخرا مجموعة من الخبراء في مجالات سياسة الإسكان، والبنية الأساسية التي تقوم عليها البيانات، والحوكمة كجزء من مبادرة 17 غرفة لمناقشة هذه المشكلة. وانتهوا إلى الاتفاق على أن الإسكان يحتاج إلى آلية مماثلة: «مشروع جينوم المساكن» لتوحيد وتبادل بيانات الإسكان ونماذج الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم.
تتطلب هذه الآلية، أولا، وضع تصنيفات مشتركة لقطع الأراضي، وأنماط المناطق، وتعريفات الشواغر، ومراحل التطوير، مصممة للتشغيل البيني بدلا من الارتباط بِـمُـوَرِّد واحد. ثانيا، ينبغي للمدن مشاركة نماذجها ومجموعات بياناتها في كل مكان، ليتسنى بذلك المقارنة الحقيقية مع كل ما ينجح في مختلف السياقات. ثالثا، يجب أن تكون المعايير والأدوات مصحوبة بدليل لبناء القدرات المؤسسية، بما في ذلك حوكمة البيانات، والتنسيق بين الوكالات، والقدرات التحليلية اللازمة لترجمة البيانات إلى قرارات.
من المؤكد أن بيانات الإسكان تمثل تحديات لم يواجهها عِلم الجينوم. يتبع الحمض النووي قواعد بيولوجية عامة؛ في المقابل، يختلف الإسكان وفقا للبيئات التنظيمية والسياسية. في حين أن بعض التباين ضروري لعكس الظروف المحلية، من الممكن، بل يجب توحيد قدر أعظم كثيرا من البيانات، الأمر الذي يتطلب التعاون، وليس الأوامر الـمُلزِمة من أعلى إلى أسفل. ساعد برنامج Built for Zero أكثر من 150 مجتمعا على إحراز تقدم ملموس في مجال التشرد من خلال بروتوكولات البيانات المشتركة والعمل المنسق، وهذا يدل على إمكانية تشييد بنية أساسية جماعية لمعالجة المشكلات المعقدة.
يواجه مُحِبو الخير الذين يسعون إلى تعزيز قوة المجتمعات، وصُنّاع السياسات الذين يسعون إلى تحقيق أهداف الإسكان، وخبراء التكنولوجيا الذين يطورون نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بكل قطاع، ذات العائق: غياب أساس البيانات. الواقع أن تشييد هذه البنية الأساسية ليس مثيرا مثل تمويل تطبيق أو الإعلان عن مبادرة جديدة. ولكن في غيابها يصبح من المستحيل تخصيص الموارد بشكل فعّال والتعلم من التجربة. وكأننا نحاول تطبيق الطب الدقيق باستخدام مخططات التشريح من العصور الوسطى.
كان مشروع الجينوم البشري تعهدا عالميا دام ثلاثة عشر عاما وأسفر عن إنشاء صناعة تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات. ومن شأن استثمار مماثل في البنية الأساسية لبيانات الإسكان أن يتيح لنا أخيرا معرفة ما هو فعّال وناجح، وتمويل ما هو قابل للتطوير، وإطلاق العنان لحلول لا يمكننا تصورها بعد.