دراما "صحاب الأرض" والمفارقات المدهشة
تحسين يقين
الخميس / 8 / رمضان / 1447 هـ - 20:13 - الخميس 26 فبراير 2026 20:13
مفارقة مثيرة، تقلّ مشاهدة الجمهور العربيّ لنشرات الأخبار التي تنشر أحداث الحرب على غزّة، في حين يزيد إقبال الجمهور نفسه لمشاهدة المسلسل العربي 'صحاب الأرض'، ما يثير أسئلة عميقة عن الفن والحياة الفلسطينية تحت الاحتلال؛ فالمسلسل العربي الذي شكّلت الحرب التي لم تنته بعد موضوعه، يحفّز عمليّة تناوب نادرة، ما بين مشاهدة تأثير الحرب على شعب غزّة من خلال التقارير والصور الصحفية، وبين تأثيرها على شخصيات معينة، وهي إن تمّ تخيّلها، فإنها تقترب فعلا من الشخصيات الحقيقية.
في هذا الوقت، فإننا أمام مفارقة أخرى لا تقلّ دهشة، حين يجرّم الغزاة المحتلون والقتلة عملا فنيا، فيما ما زالوا يقتلون الفلسطينيين واللبنانيين مخترقين ما يسمى باتفاق وقف إطلاق النار.
في ظل الصراع، فإن تفاصل الحياة لا تتأثّر به، بل تكون إحدى تجليّاته؛ ولعلّ الثقافة والفنون، كوسائل تعبير تحضر هنا بشكل خاصّ، كونها الأكثر قربا للانفعال، فهي مجال تعبير في فضاءي المكان والزمان. لذلك فإنها تكون المجال الأكثر للتعبير عن مشاعر الناس وأفكارهم، وهي كونها تعتمد على الوصف، فإنّها الأكثر قدرة على سرد ما كان ويكون، بطرق تختلف عن التوثيق والتأريخ، فللأدب والفن طريق وللتاريخ طريق، وهما طريقان يلتقيان أكثر مما يختلفان.
لقد 'شرعنت' القوانين الدولية حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، بكل الوسائل الممكنة، فإذا تضمن ذلك استخدام الأساليب القتالية، فإنه من باب أولى أن تكون المقاومة الناعمة المتضمنة بقيام الأدب والفن بدوريهما حاضرة. بل إن تاريخ الإنسان في السلم والحرب هو تاريخ الأدب والفن، وهو التاريخ العام أيضا.
وهكذا أصبح طاقم مسلسل 'صحاب الأرض' الذي يشارك فيه عدد كبير من الفنانين: إياد نصار ومنة شلبي وكامل الباشا وعصام السقا وتارا عبود، والذي قام بتأليفه عمار صبري وأخرجه بيتر ميمي، هدفا لهجوم الاحتلال الإعلامي، في سابقة من نوعها، تنسجم مع المثل العربيّ: 'ضربني وبكى وسبقني واشتكى'، وتوكّد مقولة 'إذا لم تستح فاصنع ما تريد'.
وهكذا، فقد غضب إعلام الاحتلال من خلال ما يسمى 'هيئة البث الإسرائيلية' التي أعدت تقريرا كاملا لمناقشة العمل، موجهة التهم الباطلة للدراما المصرية من خلال انتقادها الحادّ، حتى وصلت الوقاحة به إلى الزعم أن مسلسل 'صحاب الأرض' يتناول الحرب في غزة بأسلوب 'يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية'، معتبرًا أن 'الطرح يتبنى وجهة نظر أحادية الجانب'. وقد تمادت القناة 12 الإسرائيلية في نقدها للعمل حتى قبل عرضه بالفضائيات، حين زعمت أن 'صحاب الأرض' هو 'محاولة من القاهرة لتحسين صورتها، وخطوة سياسية محسوبة'، فهل المطلوب إظهار القاتل بطريقة إيجابيّة؟ وانضمت صحيفة 'يديعوت أحرونوت' التي أعربت عن قلقها من محتوى العمل، والتي رأت 'أن خطورة العمل تكمن في كونه متاحًا للمشاهدة في (إسرائيل)، ما قد يؤثر على الرأي العام، وبخاصّة أنه يتناول تفاصيل الصراع ومعاناة أطفال غزّة مع (الجيش الإسرائيلي) بأسلوب سينمائي مؤثر، منبهة من إمكانية أن يحقق العمل عشرات الملايين من المشاهدات مصحوبة بملايين المتعاطفين مع ما حدث في غزّة'.
إذن ذلك هو الاحتلال البغيض في آن معا؛ فهو لا يخجل من مهاجمة عمل دراميّ، عبّر عن جزء من حرب الإبادة، بل ويستمر بغطرسته حين يوجّه الاتهام لمصر وهو يعلم علم اليقين أن مصر ليست بحاجة لا لمسلسل ولا لإعلام، فصورتها معروفة، وهي إنما تقف مع الحقّ الفلسطيني، وهي التي رفضت تهجير شعب فلسطين بالرغم من الضغوطات. أما إنّه احتلال ضعيف وهشّ فلأنه يخشى من مجرّد عمل فنيّ، كأن الشعوب لا تعرف ما حدث من مجازر إلّا من خلال عمل دراميّ لا تستغرق حلقاته جميعها ساعات محدودة، وهي التي تشاهد يوميا أخبار المجزرة والإبادة.
وهكذا، تنقل دولة الاحتلال الحرب من الميدان إلى جبهة الفنون، حيث باتت تخشى أن يعمّق المسلسل ما أجرمت به الحرب على المدنيين المسالمين. أما من يستغرب ردود فعل إعلام الاحتلال، فعليه الاطلاع على ما فعلته آلات الإعلام والاتصال الجماهيريّ في تضليل الرأي العالمي على مدار قرن، حيث برعت المؤسسات الإعلامية الصهيونية في التزوير والمبالغة ما أثّر على الرأي العام خاصة في الغرب المتحالف معها، وهي بسبب ذلك تخشى تعرّض ما أنجزته من تضليل للخطر، في سبيل الاستئثار بتقديم سردية كاذبة مضللة، وقد وصلت بها الوقاحة إلى حرمان الفلسطينيين تحت الاحتلال من عرض سرديتهم، معتبرة أن ذلك يشكّل تحريضا ضد الاحتلال.
'صحاب الأرض' هم أصحاب الأرض الأصليون الذي عاشوا هنا منذ بدء التاريخ، وما زال أحفادهم هنا يعيشون، والذين أصبح مجرد وجودهم خطرا على الاحتلال الذي لا يحتاج إلى مبررات للحرب على الإنسان الفلسطيني وشجره وحجره.
ولعل هذا المسلسل الذي يتابعه عشرات الملايين، يعمّق دور الفنّ العربي بشكل خاص، في المقاومة الواعية لشطب فلسطين أرضا وبشرا، جنبا إلى جنب مع الجهود الأخرى، والتي تحتاجها القضية العربية بشكل عام؛ فجمهور الدراما العربيّ هو نفسه الجمهور الذي سيستعيد دوره في التضامن الفعلي في حماية الشعبين الفلسطيني واللبناني، بل وحماية نفسه في بلادنا العربية المستهدفة من قبل الاحتلال الذي لا يميّز بيننا، وهو صاحب مقولة 'العربيّ الجيّد هو العربيّ الميّت'.
لقد نظر الغزّيّون بشكل خاص للمسلسل نظرة اهتمام نبعت من تقدير تضامن الفنون والثقافة مع مأساتهم، ومن جهة أخرى فإنهم الآن يشاهدون أنفسهم مرة أخرى، ولكنها مشاهدة عن قرب وبعد، حقيقة وخيالا، ليطمئنوا بأنه تمّ تعميم سرديتهم، لتعزز التضامن الإنساني والقومي معًا، وهو ما يخشاه الاحتلال الذي يريد غزّة لقمة سائغة له يفعل بها ما يريد.
'صحاب الأرض' دعوة ذكية وشجاعة لإعادة الاعتبار للتضامن العربي من خلال الفنون جميعها، ما يعيد الأمور إلى نصابها، حيث واكب المبدعون العرب القضية الفلسطينية، فخلدوها في الشعر والأدب والفن التشكيلي والسينما والغناء والموسيقى؛ فعلى مدار قرن مضى لم يتخل المثقفون العرب، ولا الشعوب العربية عن فلسطين، وهم الآن أكثر وعيا وانتماء، حيث سيتلو 'صحاب الأرض' مسلسلات وأفلام ومسرحيات تعيش طويلا، وتكون أدوات وعي وتأثير.