أعمدة

حميد سعيد ... سؤال القصيدة

تبدأ المعرفة بسؤال، لا يبحث عن إجابة، بل عن معنى يقود إلى أسئلة جديدة، وضمن هذا السياق، يرى الشاعر الكبير حميد سعيد أنّ الثقافة الفاعلة هي « ثقافة الأسئلة والنص الثقافي الجدير بالاهتمام هو الذي يصدر الإجابة، وقد تكون هي السبيل إلى قناعات تغلق أبواب المعرفة، أما السؤال فهو الذي يفتحها على مزيد من الوعي»، وبذلك فالسؤال بالنسبة له نافذة معرفية مفتوحة على عوالم تتّسع تدريجيا مثل الدوائر التي يرسمها حجر ملقى في بركة ماء، بمرور الوقت، تغدو أكبر.

وفي كتاب الشاعر عذاب الركابي الموسوم «حميد سعيد.. سؤال الذات سؤال القصيدة» الصادر عن دار الآن ناشرون وموزعون الأردنية 2026م نقرأ المزيد من الأسئلة حول الكتابة، والحياة، والشعر الذي يبقى هو الفنار الذي يكشف طريق الرحلة في متاهات المحيط :

في ليلة موحشة

يطرق هارون الرشيد الباب

من يفتحها؟

وكلّ مَنْ

كان هنا مضى إلى غياب

تمر بغداد به

ينكرها

يكاد لا يعرفها

وتعليقا على هذا النص المستل من ديوان حميد سعيد (نجمة.. بعد حين) يتساءل المؤلف عذاب الركابي «هل دخلت بغداد في الغياب؟ وهل غاب عشاقها الأسطوريون، وطواهم الزمن الخؤون؟»، ولأنّ القصيدة تعيد صياغة العالم، كما يرى، فالشاعر «يقيم بلادا افتراضية تشبه البلاد التي أحبّها ولا تشبهها وقد غدرت في عصافير أحلامه، ولم يبق أمام القصيدة -التعويذة إلا احتراف الحزن الشفيف»

فهل (إيثاكا) التي مثّلت حلم (عوليس) في الأسطورة اليونانية هي معادل لـ(بغداد) الفردوس البعيد للشاعر:

«يسأل عوليس ..إلى أين سأمضي

لا مكان لي

وليس لي من سفن تعيدني إلى فردوسي البعيد»

ولأن السرد ملمح فنّي جمالي يلازم قصيدة حميد سعيد، التي تنتظمها (خيوط سردية) بعبارة بورخس، بدءا من ديوانه (شواطئ لا تعرف الدفء)، وليس انتهاء بـ(من أوراق الموريسكي)، و(أولئك أصحابي) وما بعده، فالسؤال في القصيدة السردية «يلد أسئلة» كما يرى المؤلّف، وهكذا تتناسل الأسئلة في كتابه الذي جاء في (141) صفحة من القطع الكبير، ويتألّف من ثلاثة فصول، خصّص الفصل الأول للدراسات النقدية، والثاني لشهادات لعدد من الشعراء والكتّاب في تجربة الشاعر، وخصّص الفصل الثاني لحوار طويل أجراه معه.

وعن سبب اختيار الركابي للشاعر حميد سعيد يجيب في المقدمة «لأن الشعر لديه حياة والحياة بكل أطيافها وألوانها ليست سوى حبر وفسفور حروف قصيدته التي تشبه الحياة التي يعيشها، ونعيشها معا»، فالقصيدة رياضة جسد ينتزع الحياة، إلى جانب ذلك، فنتاج الشاعر حميد سعيد الفائز بجائزة سلطان العويس فرع الآداب 2025م هو «خلاصة تجربة طويلة ومؤسّس لأسلوب في القصيدة الحداثية العراقية والعربية، حيث القصيدة لديه، جماليا، كاتدرائية مهيبة نص يعتني بدفء الأحاسيس بقواعده وهو يخلقها بنفسه»

ولأن «السؤال يلد السؤال.. والإجابة ظامئة» يستحضر(سيدوري) حفيد كلكامش السومري صاحبة الحانة في الملحمة الخالدة، الذي بحث عن عشبة الخلود، لكنه عاد خائبا، وفي طريق عودته وجد الإجابة لدى (سيدوري) :

كل سنيني

تقف الآن على الساحل ..تسأل عني

ودلافين طيبة كانت تتبعني حيث أكون

تشاركني أسئلتي

تبحث عنّي

الصيادون رفاقي.. سألوا صاحبة الحانة عنّي

ويستحضر في قصيدة (الخوف والقصيدة) أبا العلاء المعري ويجري معه هذا الحوار:

أوقفني الشيخ وقد سمعني أغنّي

على مقام الصبا

وردنا ماء دجلة خير ماء

وزرنا أشرف الشجر النخيلا

سألني.. أأنت من بغداد؟

قلت.. بلى

ويتساءل الركابي: هل يكتب الشاعر الكبير سيرته شعرا؟ يجيب أوكتوفيو باث «إن الشعراء ليس لهم سيرة حياة وأن أعمالهم هي حياتهم التي حكوها كما لو أنها حياة متخيّلة»، ويثني الشاعر حميد سعيد على هذه الإجابة ويذكر أن د.محسن الموسوي طرح عليه هذا السؤال فكان جوابه «إنّ قصائدي التي كتبتها في الأعوام التي أقمت فيها بعيدا عن بغداد ضمّت الكثير من مكوّنات السيرة، فأنا لا أكتب سيرتي الشعرية، ولم أفكر بكتابتها لكنها هي التي انكتبت في سياقات شعرية وردت في هذه القصيدة، أو تلك».

الكتاب، بمجمله، سياحة في تجربة الشاعر حميد سعيد الذي نجد في شعره «روح مريد صوفي وأنفاس راهب وغناء عاشق، وسحر بغداد وعمقها التاريخي وبابل وجنائنها وملامحها ومشاعل احتفالاتها»، كما تقول الشاعرة ساجدة الموسوي في شهادتها وهو محاولة جادّة لمعرفة أسرار الكتابة، والبحث عن جواب لسؤال القصيدة.

عبدالرزّاق الربيعي شاعر وكاتب عماني