أعمدة

الخمر.. من طقس ديني إلى منظومة الوعي

«في علاقة المَيْسِر بالخمر».. عنوان مبحث وضعه محمد الحاج سالم في كتابه «من المَيْسِر الجاهلي إلى الزكاة الإسلامية» [ط 2014م، ص182-185]، وهو يركّب «الدين الجاهلي» مِن شذرات معتقدات العرب قبل الإسلام، المتفرّقة بين القرآن والمعلقات وشِعر صدر الإسلام والروايات النبوية، ونحوها مِن كتب التاريخ والأدب والتفسير، ليجعل منه ديناً مقروءاً، ومترابطاً في ذهن القارئ. المقال.. يقرأ طقس الخمر في «دين المَيْسِر الجاهلي»، لينتقل منه إلى الرؤية القرآنية.

يقول الحاج سالم: (يبدو مِن القرآن أنَّ للخمر علاقة وطيدة بالمَيْسِر، قد تكون حجبتها عنا الأخبار)، فالمَيْسِر -لديه- هو «الدين الجاهلي»، والخمر طقس مِن طقوسه؛ خاصةً في الحج، يقول أبو ذؤيب خالد بن خويلد الهذلي (ت:26هـ):

سُلافة راحٍ ضمنتها إداوة مُقِيرة رِدفٌ لآخرة الرَّحل

فجاء بها كيما يوافي حجة نديم كرام غير نِكس ولا وَغل

فبات بجَمْعِ ثم تمّ إلى مِنىفأصبح رَأْداً يبتغي المَزج بالسَّحْل

وأنَّ طقس الخمر سببه؛ إما (إيجاد رابط وجداني بين المشاركين وتغيير واقع الإنسان الأليم). وإما (أنَّ الخمر شراب الآلهة. وإما شراب دم الإله الذي صُرِع، يشربه عابدوه لتحل فيهم روحه وقواه). فـ(الخمر.. شراب الآلهة عند الفينيقيين والبابليين)، وفي المسيحية (الخمر.. دم المسيح المسفوح مِن أجل البشرية؛ كما يقول الكتاب المقدس)، وينقل الحاج سالم (ما للخمر مِن قداسة في نفوس عرب الجاهلية) عن بشير النعيمي (أهميتها في إتمام تأدية الشعائر الوثنية في الحج). ويقول الحاج سالم: (فإنَّه إجمالاً يمكن القول إنَّ تعاطي الخمر في طقس المَيْسِر كان مدعاة لإضفاء أجواء قدسية عليه، فهي تجعل شاربيها في حالة نفسية قريبة مِن الانجذاب الروحي، وتساعد على الاقتراب مِن عالم الغيب والآلهة وأرواح الأسلاف مِن خلال السُكر الجماعي؛ الذي تشارك فيه الآلهة أيضاً مِن خلال صبّ الخمر على تماثيلها وأنصابها. وقد يكون هذا البُعد للخمر هو لب ما أشار إليه الحديث النبوي، حين ربط مباشرة بين إدمان الخمر وعبادة الأوثان، فقد روي عن النبي قوله: مَن مات وهو مدمن خمر لقي الله وهو كعابد وثن). ملمحٌ مهمٌ.. ما ذهب إليه الحاج سالم؛ وأتفقُ معه في رؤيته الكلية، واختلف مع بعض مفرداته؛ كاستمرار بعض الطقوس إلى قُبيل البعثة المحمدية.

إذاً؛ شربُ الخمر كان طقساً في «منظومة المَيْسِر»، وعندما جاء الإسلام عمل على تفكيكها، وأحل محلها منظوماته الجديدة. وهو يعيد بناء عناصر المنظومات القديمة -بعد تفكيكها- وفقاً لركنين كبيرين: الإيمان بالله والأخلاق، يفعل ذلك وفقاً لـ«مقتضيات العقل». وغني عن القول بأنَّه عقلٌ يناسب المرحلة التي نزل فيها الوحي، إلا أنَّه لا يتعارض مع مقتضى العقل الكلي، وهذا ما فعله في الخمر.

وخلافاً لما هو سائد في التراث الإسلامي؛ بأنَّ القرآن تدرّج في تحريم الخمر بتنجيم نزول آيات الأحكام. المقال.. يرى أنَّ القرآن تعامل مع الخمر وفقاً لبناء منظوماته الكلية، بآلية إنزال السور متعاقبة بحسب الحاجة في بناء النظام الجديد.

يرد ذكر الخمر؛ صريحاً أو ضمناً، في أربع سور بحسب النزول على التوالي: النحل والبقرة والنساء والمائدة.

أولاً: «سورة النحل».. وعندي؛ هي سورة مدنية، خلافاً لمَا هو سائد لدى الرواة، والذي تبعهم عليه المفسرون، فقد تحدثت عن أحداث مدنية، ولا يقال بأنَّها مكية بمجملها، وبعض آياتها مدنية، فقد بيّنت في أكثر مِن موضع بأنَّ القرآن كان ينزل سورةً سورةً، وليس آياتٍ متفرقات. ولعلها مِن أوائل السور نزولاً في المدنية بعد الهجرة مِن مكة، يقول الله: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [النحل:41-42]، ويقول: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [النحل:110].

إنَّ «سورة النحل» جاءت لتفكك «منظومة الشرك»، مِن خلال التحذير مِن الشرك ووعيد المشركين بالعذاب، والتذكير بنِعَم الله في هذا الكون، ومنه؛ تذكيرهم بثمرات النخيل والأعناب، يقول الله: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [النحل:67]، ويأتي هذا التذكير لكي يعقل الناس النِعَم الدالة على وحدانية الله. لم تعد مجرد عادة اجتماعية أو حاجة بيولوجية سائرة في حياة الناس، دون الالتفات إلى طبيعتها، وإنَّما عليهم أنْ يتفكروا فيها، وهذه أولى مراحل تفكيك الخمر مِن منظومتها الطقسية القديمة، بإعمال العقل فيها، سواءً بكونها مِن نِعَم الله أم أنَّها تختلف عن الرزق الحسن.

ثانياً: «سورة البقرة».. أطول سور القرآن، استمر نزولها وقتاً مديداً، لأنَّها جاءت لبناء المجتمع المؤمن في المدينة، فعالجت قضاياه، لقد كانت «سجلاً مفتوحاً» لبناء المجتمع الجديد. وكانت خلال نزولها تنزل سور أخرى، بيد أنَّها لم تتداخل آياتها مع «سورة البقرة»، فما ينزل منها يبيّنه النبي الأكرم، ويضعه فيها متسلسلاً بحسب نزوله زمنياً، فلم توضع آيات متأخرة نزولاً قبل الآيات المتقدمة في نظمها الموجود الآن بين دفتي المصحف، ولا العكس.

لقد كانت مِن القضايا المثارة في المدينة «قضية الخمر والمَيْسِر» بكونها مِن طقوس «الدين الجاهلي»؛ والذي يَعدُّ الاقتصاد مِن أهم عناصره. فالقرآن.. في إطار تفكيكه الدين القديم يقرّ بأنَّ في الخمر منافع، لكن ضرها «إثمها» أكبر مِن نفعها، وهذا عمل عقلي (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) في الانتقال بالخمر مِن طقس الدين القديم إلى الاجتناب في الدين الجديد، يقول الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [البقرة:219-220].

ثالثاً: «سورة النساء».. مختصة بأحكام النساء، حتى آيات القتال فيها متعلقة بِهِنَّ. يقول الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) [النساء:43]، وبيان تعلق الآية بالنساء؛ أنَّ الرجل عندما يؤوب إلى أهله ليرتاح ويتناول طعامه؛ يحتسي معه الخمر، فمنع القرآن قربان الصلاة في حالة السُكْر، حتى يؤديها في حضور عقلي تام، وهذا بخلاف ما كان في «الدين الجاهلي»؛ حيث كان المتعبدون يسكرون لتأخذهم النشوة، فتغيب عقولهم، لقد انتهى «دين الوَجْد» الذي يغيب فيه الإنسان عن يقظته وشعوره، وجاء «دين التفكّر» الذي أساسه الوعي.

رابعاً: «سورة المائدة».. جاءت لتعالج القضايا المتعلقة بالنصارى. وهي مِن السور التي أعادت فهمي للحالة الدينية للعرب، فكثير مِن القضايا التي تنسب لعبدة الأصنام هي مِن أفعال النصارى، مثل قَسَمهم برب مكة، يقول النعمان بن المنذر (ت:608م):

سعى الأعداء لا يألون شراً عليَّ وربِ مكة والصليب

ومِن هذه القضايا تلبّسهم بمعتقدات «الدين الجاهلي»، وهي: الخمر والمَيْسِر والأنصاب والأزلام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة:90-91]، ففكك القرآن «دين المَيْسِر» باجتناب طقوسه الأربعة؛ لأنَّ كثيراً ما يقع النزاع فيه.

إنَّ أمر الخمر لا يقتصر على تحريمه لنشوة عابرة؛ لا يدري الإنسان ما يأتي فيها وما يذر، وإنَّما هو اجتناب كامل لـ«دين وثني»؛ يشكّل الخمر أحد طقوسه، وإحلال «دين توحيدي»؛ يقوم على حضور الوعي. كما أنَّ كلمة «التحريم» توحي بالتضييق والمنع، والمقام هنا ليس مقام تضييق.. بل هو تحرير للعقل من الوهم الذي يحدثه السكر، فناسبه كلمة «الاجتناب».

خميس العدوي كاتب عُماني مهتم بقضايا الفكر والتاريخ ومؤلف كتاب «السياسة بالدين».