ثقافة

فيروز وزياد رحباني

ثنائية إبداعية

 

بعد كتابه السابق الذي حقق شهرة عربية ('أم كلثوم في تجربة المعتقلين الفلسطينيين') الصادر عن دار الشامل عام 2024، يتحفنا القاص والمثقف الفلسطيني والمناضل حسن عبد الله بكتاب جديد صادر حديثًا عن اتحاد الكتاب الفلسطينيين بعنوان: 'ثنائية إبداعية: فيروز وزياد رحباني'. يتقن حسن عبد الله كتابة تأملاته في رموز الموسيقى العربية، الذين شكّلوا علامات فارقة وطوروا الهوية الموسيقية العربية. بعد أم كلثوم ومدرسة زياد رحباني، أظن أن الكاتب الشغوف سينتبه إلى تجارب سيد درويش، الذي نقل الموسيقى من التطريب والقصائد الصارمة إلى حياة الناس وقصص الحارات، ومحمد عبد الوهاب الذي أدخل آلات جديدة. كما فعل في كتابه هذا، سارداً حكاية زياد رحباني المتمرد، الذي صار رائدًا للجاز الشرقي حيث دمج مقامات العود بالبيانو والجاز، مبتكرًا موسيقى شبابية ساخرة، هام بها آلاف الشباب في العالم العربي.
بلغة ممتعة، هي لغة القاص الشهير الذي أصدر عدة مجموعات قصصية، يطير بنا حسن في فضاء العلاقة المركبة بين فيروز وابنها، هذا الثنائي الذي أنقذ الموسيقى العربية من التجمد والموت النغمي.
يبحر الكاتب عبد الله في تفكيك العلاقة السحرية العبقرية بين الأم الفنانة والابن الملحن، الابن الذي خطف أمه من مدرسة الآباء التقليدية ونثرها في هيولي التجديد والرشاقة والدمج والحداثة والنضارة. بالتأكيد كانت فيروز سعيدة جدًا بعملية 'الخطف' هذه، فروحها الأصيلة كانت تتوق إلى التغيير والطيران. لبنانيًا، كان الأخوان رحباني قد عكسا لبنان 'الحلم والأسطورة والأفكار الكبرى والتاريخ والأمل'، أما زياد وفيروز فمثّلا انكسار الأمل وتشظي الانتماء والبيروتية الجديدة الصاخبة والموجوعة والحائرة، مما جعل فيروز الصوت الوحيد الذي استطاع أن يجمع اللبنانيين المنقسمين حول 'واقعيتهم' الجديدة، وليس فقط حول 'أساطيرهم' القديمة.
يرى عبد الله أن هذه الثنائية لم تكن مجرد علاقة 'ابن يلحن لأمه'، بل كانت زلزالًا موسيقيًا نقل الأغنية الفيروزية من 'الجمهورية الرحبانية' المثالية (عاصي ومنصور) إلى 'واقعية زياد' الخشنة والذكية. الكتاب يحلل كيف استطاع زياد أن ينقذ صوت فيروز من فكر القرية والناي، ليدخله في حارات المدينة الشعبية مستخدمًا آلات الجاز والبيانو بجرأة لم يعهدها المستمع العربي. يكتب الشاعر مفيد عرقوب في كلمته على الغلاف الخارجي: 'هذا كتاب يحسن الإنصات للعالم الداخلي في تجربتيّ الأخوين رحباني وزياد الابن الذي أحدث تغييرًا نوعيًا في الموسيقى العربية'.
يبرز الكتاب الازدواجية الجميلة في هذه الشراكة؛ فبينما تمثل فيروز 'الهيبة الكلاسيكية' والغموض، يمثل زياد 'التمرد الصاخب' والسخرية السياسية. هذا التنافر، كما يوضح حسن عبد الله، هو ما خلق طاقة إبداعية متجددة جعلت ألبومات مثل 'وحدن' و*'معرفتي فيك'* و*'إيه في أمل'* علامات نجاح لا تُنسى.
يتوسع الكاتب في تأمل صمت فيروز، صوت العمق، فيقول: 'كان صمتها يبشر بالثورة العملية والإنجاز، فالأغنية حين تنطلق تكون بمثابة ترجمة لفعل، وكأنها تقول: لا أتقن التعبير بالكلام والوصف بقدر ما أتقنه إبداعًا'. أما زياد الابن، فكان لديه القدرة على الحديث بإسهاب عن عالم السياسيين والمسرحيات الساخرة، ومواقف الأحزاب الصغيرة والكبيرة، والتحالفات والتاريخ.
لا يكتفي الكاتب بالتحليل الموسيقي، بل يسقط هذه الثنائية على الوجدان العربي، معتبرًا أن استمرار فيروز في التجدد من خلال عبقرية زياد هو انتصار لـ'الحداثة الواعية'. الكتاب يعد بمثابة 'وثيقة حب' وتحليل منهجي لظاهرة استعصت على التقليد، مؤكّدًا أن عبقرية زياد لم تكن لتكتمل لولا 'خامة' فيروز الإلهية، والعكس صحيح. من الصعب علينا تخيل عبقرية زياد دون عبقرية صوت فيروز، فكلاهما شكل ظاهرة عملاقة اجتاحت الذائقات العربية وكسرت نهر الجليد في هوية العرب الموسيقية، ملهمة العديد من الموسيقيين العرب لشجاعة ابتكار هويات موسيقية تعبر عن العالم الحديث المليء بالتناقض والغرابة والقلق الوجودي والأسئلة التي لا إجابات لها، مثل تجارب مارسيل خليفة، ونصر شمة، وشربل روحانا، وطارق الناصر، وتامر أبو غزالة، وغيرهم.
الكتاب مقسم إلى فصول غنية جدًا: في رحاب المدرسة الرحبانية، الوطنية والقومية الرحبانية، القضية الفلسطينية في الأغنية الرحبانية، ثنائية الأم والابن، زياد يقنع الجمهور بأسلوبه الجديد، والكفة الراجحة: الأخوان رحباني - فيروز أم زياد - فيروز، وفي وداع زياد.
يختتم حسن عبد الله كتابه بالتأكيد على أن هذه الثنائية أعادت تعريف 'الجمال' في زمن الانكسارات، لتظل فيروز وزياد 'الرئة' التي يتنفس منها الفن العربي الأصيل.