إيران قادرة على إلحاق ضرر حقيقي بالولايات المتحدة
الأربعاء / 7 / رمضان / 1447 هـ - 19:22 - الأربعاء 25 فبراير 2026 19:22
واشنطن 'د.ب.أ': في الوقت الذي يتسابق فيه خبراء السياسة الخارجية الكبار في الولايات المتحدة للتحذير من مخاطر أي هجوم أمريكي على إيران، تسود البيت الأبيض ثقة مفرطة بأن الرئيس دونالد ترامب قادر على إدارة تداعيات الضربة.
وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قال نيت سوانسن مدير إدارة إيران في مجلس الأمن القومي الأمريكي خلال الفترة من 2022 إلى 2025 إن هذه الثقة تعكس نمطا استمر لسنوات طويلة وشكل تفكير ترامب، الذي يتجاهل تحذيرات مؤسسة السياسة الخارجية من أي عمل يخالف الأعراف المستقرة، دون أن يواجه أي عواقب ظاهرة.
ويقول سوانسن أنه كان يعمل بمكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأمريكية عندما خالف ترامب السياسة الأمريكية وقرر نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس عام 2018، حيث توقع خبراء الوزارة أن تؤدي هذه الخطوة إلى احتجاجات واسعة النطاق وأعمال عنف ضد الأفراد الأمريكيين، وشكلت الوازرة فرق عمل ووضعت خطط إخلاء تحسبا لكارثة لم تحدث قط. وتكرر هذا السيناريو في يونيو الماضي، عندما انضم ترامب إلى الضربات الإسرائيلية على البرنامج النووي الإيراني. وحذر المحللون من أن هذا القرار سيؤدي إلى حرب أوسع نطاقا ويعجل بانطلاق البرنامج النووي الإيراني. ومرة أخرى، لم يحدث شيء يذكر.
وعندما أطاحت الإدارة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير الماضي، أصر الخبراء على أن بلاده وحتى المنطقة ستنزلق إلى الفوضى، لكن لم يحدث شيء من هذا القبيل حتى الآن.
ورغم أنه من السهل فهم سبب اعتقاد ترامب بأن التحذيرات من تداعيات هجوم آخر على إيران مبالغ فيها، وأنه يستطيع مهاجمتها مرة أخرى وبقوة أكبر، يرى سوانسن أن هذه المرة مختلفة، مشيرا إلى أنه أمضى 18 عاما في العمل على ملف إيران في مناصب حكومية أمريكية مختلفة، بما في ذلك منصب مدير ملف إيران في إدارة الرئيس جو بايدن، وعضوا في فريق ترامب التفاوضي في ربيع وصيف 2025.
ومن خلال هذه التجربة، يرى أن ترامب يعجز تماما عن إدراك أن ضعف إيران لن يدفعها للاستسلام على طاولة المفاوضات. بل على العكس، فإن هشاشة إيران الحالية تقلص نطاق أي حلول وسطية ذات مغزى. كما أن ترامب لا يدرك أن إيران تواجه ظروفا مختلفة تماما عما كانت عليه في يونيو الماضي، عندما اختارت خفض التصعيد. فالجمهورية الإسلامية تؤمن الآن أن إسرائيل والولايات المتحدة تعتزمان ضرب برنامجها الصاروخي مرارا وتكرارا، وأنه يجب عليها أن تكون أكثر حزما لتجنب هذا النوع من الهجوم المستمر الذي قد يطيح بها تماما. باختصار، تعني الظروف الحالية أن هجوما أمريكيا على إيران قد يؤدي إلى رد فعل دموي غير متوقع، ونزاع أطول وأكثر ضررا لواشنطن.
من الناحية الاستراتيجية، لا يملك ترامب سببا وجيها لمهاجمة إيران. فإذا كانت طهران تشكل تهديدا لمصالح واشنطن في الشرق الأوسط، فإنها لا تشكل خطرا مباشرا على الولايات المتحدة. في المقابل فإنه في أعقاب الاحتجاجات الإيرانية الواسعة النطاق الأخيرة، كان من الممكن أن يؤدي الضغط الاقتصادي والدبلوماسي المستمر إلى إضعاف النظام بشكل أكبر دون المخاطرة بنشوب صراع مفتوح. لكن الرئيس الأمريكي الحالي نادرا ما يكتفي بالانتصارات الهادئة.
لذلك، قدم مطلبا رئيسيا وأكثر إثارة للجدل، وهو إما أن توافق الحكومة الإيرانية على اتفاق شامل تتخلى بموجبه عن جميع برامج تخصيب اليورانيوم وبرنامجها الصاروخي، أو أن تواجه حربا أمريكية.
في الوقت نفسه فإن قادة إيران باتوا أكثر عزوفا عن منح ترامب نصرا رمزيا كبيرا، بالتجاوب مع مطالبه القصوى سواء عبر التفاوض أو حتى في حال تعرض إيران لضربة عسكرية أمريكية محدودة كما يأمل ترامب.
وقد لاحظ جون ليمبرت، الدبلوماسي الأمريكي السابق الذي كان رهينة في إيران عام 1979، بسخرية في كتابه 'التفاوض مع إيران' أن 'إيران لا تستسلم للضغوط، بل للضغوط الشديدة فقط'. لذلك لن تستسلم إيران لمطالب كبيرة لمجرد حملة قصف أمريكية محدودة، وبناء على ذلك، لن توافق إيران على ترتيبات، في رأيه، تقوض وجودها بشكل جوهري، خاصة دون ضمانات مصاحبة. إن الإصرار على تفكيك إيران لبرنامجها الصاروخي، على سبيل المثال، أمر غير وارد على الأرجح. لكن ترامب يعجز عن إدراك أنه مهما بلغ ضعف إيران أو حجم القوة التي تنشرها الولايات المتحدة، فإن المرشد الأعلى علي خامنئي لن يتفاوض طواعية على إنهاء الجمهورية الإسلامية. بل يفضل الموت شهيدا على ذلك.
والحقيقة أن إيران تدرك أنها لا تستطيع كسب حرب شاملة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل. نظريا، إذا شن ترامب هجوما، فسيكون من الأفضل لطهران السعي إلى خفض التصعيد سريعا، كما فعلت مع إسرائيل في أبريل وأكتوبر 2024، ومع البلدين معا في يونيو 2025.
لكن إيران تواجه اليوم وضعا مختلفا تماما عما كانت عليه آنذاك. فاليوم، تنظر كل من إسرائيل والولايات المتحدة إلى إيران على أنها قوة ضعيفة. وقد تم تحييد الميليشيات الوكيلة التي استخدمتها إيران لردع إسرائيل، إلى حد كبير. وبرنامجها النووي في حالة يرثى لها، ودفاعاتها الجوية في حالة هشة.
وفي ديسمبر توجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى منتجع مارالاجو وحصل على إذن ترامب لضرب برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، في الزمان والمكان اللذين يختارهما نتنياهو. هذا التطور يهدد وجود الجمهورية الإسلامية ذاتها، فالبرنامج هو الوسيلة الوحيدة المتبقية لإيران لتهديد إسرائيل، كما أن إيران تصنع هذه الصواريخ محليا في الغالب، لذلك سيتعين على إسرائيل أن تضربها كل ستة أشهر تقريبا لحرمانها من إعادة بناء ترسانتها الصاروخية.
وقد تكون إيران ضعيفة، لكنها لا تزال تملك وسائل لإلحاق ضرر حقيقي بالولايات المتحدة، ولديها حافز لمحاولة ذلك هذه المرة أكبر بكثير مما كان عليه الحال سابقا. إذا أراد ترامب الحفاظ على الاستراتيجية التي أثبتت نجاحها، فسيكون بحاجة إلى إنهاء حاسم ومنخفض التكلفة لهذه الأزمة. لكن قوى نافذة، داخلية وخارجية، دفعته إلى تجاهل العديد من الخيارات المتاحة أمامه.
ويحث صقور اليمين، مثل السيناتور ليندسي جراهام، ترامب على عدم 'التحدث مثل ريجان والتصرف مثل أوباما'، وهو تشبيه يكرهه ترامب ويخشاه. قد يبدو من غير المعقول أن يقوم ترامب، الذي وعد مؤيديه بإنهاء الحروب التي لا تنتهي، بتصفية قادة إيران أو إرسال قوات برية لتغيير النظام وبناء الدولة. ومع ذلك، فقد وصل إلى هذه المرحلة. وقد تضغط عليه دوائر الصقور للمضي قدما في هذا المسار بغض النظر عن التكلفة.