رأي عُمان

المعلم وصناعة وعي الأجيال

 

يذكرنا الاحتفال السنوي بيوم المعلم بحاجة هذا العالم الماسة إلى وظيفة صانع «التنوير»، أو الشخص الذي يملك القدرة على إدارة «البوصلة» فما أحوج العالم إلى من يدير هذه الوفرة الكبيرة في المعلومات بمسؤولية. والمعلم أحد القلة الذين يملكون القدرة على القيام بالدورين سواء من حيث توفر الأدوات أو من حيث توفر المجال والتمكين. فهو قادر على أن يصنع لدى الطالب قدرة على التمييز، وعلى بناء حكم مسؤول، وعلى مقاومة الإغراء السهل، وسيل المعلومات السطحية والمضللة.

في كل عصر كانت المدرسة تُنتج نوعا من الناس وفق احتياجات تلك المرحلة. وفي العصر الذي نعيشه ووفقا لمعطياته فإن الحاجة ماسة إلى إنتاج أكثر تعقيدا، إنسان يستطيع أن يقرأ العالم وهو يتغير أمام عينيه، ويستطيع أن يختبر ما يسمعه، وأن يراجع نفسه، وأن يتعامل مع اختلاف الآخرين دون أن يحول الاختلاف إلى خصومة، يستطيع أن يواجه ما يبدو للوهلة الأولى أنها حقيقة فيما هو مستوى متقدما من التضليل والتزوير العميق. وهنا يظهر المعلم «المعلم الصانع» الذي يستطيع أن يهندس المجال العام؛ لأن ما يفعله داخل الصف لا يتوقف عند الطالب، بل يتسرب إلى المجتمع كله في صورة لغة النقاش، وأخلاق الحوار، وحساسية الناس تجاه الحقيقة.

المجتمع الذي نراه أمامنا في أي مكان هو في أحد أهم جوانبه نتاج المدرسة، نتاج جهد المعلم في لغته الأخلاقية والسياسية على أقل تقدير.. هو أحد أبرز المعنيين بصناعة الوعي وصناعة قيم المجتمع. وهو المعني الأول بقدرة المجتمع على التفكير الحر ورفض خطاب الكراهية والعنصرية. وهو أحد أبرز المعنيين بتكريس الهُوية الوطنية وقيم المواطنة، والشعور بالمسؤولية.

الدور الذي يقوم به المعلم دور مصيري، يوازي دور الإعلام في بناء قيم المجتمع وترسيخ هويته. ولذلك لا يمكن أن نعامل هذه «الوظيفة» بالطريقة التي نعامل بها غيرها من الوظائف الإدارية الأمر يتعلق هنا بدور «رسالي».

يطالب المجتمع المعلم بأن يقود أجيالا كاملة في لحظة تحولات كبرى ثم نربطه بأنظمة تقييم ضيقة تحول المدرسة إلى سباق أرقام. نطلب منه تعليم التفكير النقدي، ثم نعاقبه إذا لم تُنتج حصته نتائج قابلة للقياس الفوري. نطالبه بالابتكار، ثم نغرقه في بيروقراطية تستنزف وقته وتُفرغ المهنة من بهجتها. لا يمكن أن نتوقع من معلم مُرهق أن يحمل رسالة تنويرية كبرى، ولا من مهنة محاطة بالكثير من التحديات أن تُخرّج مجتمعا عالي الوعي. والأمر نفسه بالنسبة للإعلام.

المجتمع في حاجة ماسة إلى دور المعلم التنويري الذي يتجاوز شرح المعلومات لكن هذا يحتاج إلى تدريب مستمر يليق بسرعة التحولات، واستقلال مهني يمنحه حق المشاركة في صياغة المناهج، وحمايته من الاستنزاف، وإلى اعتراف رمزي ومادي بأن مهنته ليست هامشية. دخلت الأدوات الرقمية إلى الحصص المدرسية، وكذلك تساهم أدوات الذكاء الاصطناعي في الكثير من مراحل العملية التعليمية، لكن لا تستطيع أي تقنية تعليم الطالب معنى الشك المنهجي، أو فضيلة التواضع أمام الحقيقة، أو شجاعة القول: «لا أعرف بعد». تنقل هذه الصفات بالقدوة وبالموقف التربوي أكثر مما تُنقل بالشرح.

يستحق المعلم الشكر في هذا اليوم، لكن الذي يستحقه أكثر أن يعلم الجميع أن مستقبل أي مجتمع يصاغ في الصف الدراسي وفي الموقف التعليمي، وعلى السبورة وأمام المعلم الذي يحمل مشاعل التنوير ويعطي المعرفة معناها الحقيقي. وحين يكون المعلم تنويريا، يصبح المجتمع أكثر قدرة على حماية نفسه، وأكثر قدرة على إدارة اختلافاته، وأقرب إلى أن يصنع مصيره بوعي لا برد فعل.