أعمدة

تحول نوعي في إدارة الملف الاقتصادي

كثيرا ما يتحدث الاقتصاديون عن أهمية إيجاد جهة مرجعية تُدير ملف الاقتصاد العماني؛ في الوقت تحقق فيه العديد من الملفات الأخرى نجاحا جيدا خاصة الملف السياسي الذي أبعد سلطنة عُمان عن العديد من التوترات الإقليمية، وأصبح الجميع يشيد بالدور العُماني في المنطقة، والنهج الذي اتبعته بتغليب المصلحة العامة، وجعل الحوار هو أساس حل كل الخلافات العالقة. 

وعلى الرغم مما شهدته السنوات الماضية من جهود اقتصادية ملموسة في مجالات تقليص الدَّين العام، واستقطاب الاستثمارات، وتنفيذ عدد من المشروعات النوعية فإن هناك عددا من القضايا الاقتصادية لم تجد لها حلا جذريا كقضايا الباحثين عن عمل، والمسرحين، وعدم استقرار بيئة الأعمال، وتداخل الاختصاصات بين عدد من الجهات الحكومية، والتحديات التي يواجهها المستثمرون للحصول على تراخيص ممارسة الأعمال أو الحصول على العمالة المطلوبة وغيرها من التحديات الأخرى التي تؤدي إلى تأخير تشغيل المشروع وما ينتج عن ذلك من خسائر قد تجعل المستثمر -في النهاية- يتخلى عن مشروعه. 

ولعل إنشاء مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية وفقا للمرسوم السلطاني رقم (7/ 2026) من شأنه إيجاد الحلول للعديد من التحديات الاقتصادية، ويمكننا القول إن المكتب -وفقا للاختصاصات التي حددها المرسوم- يعتبر الجهة التي يُصنع فيها القرار الاقتصادي الاستراتيجي، كما يعد جهة مرجعية تحقق التكامل في السياسات المالية والاقتصادية، بما يؤدي إلى مزيد من الترابط بين مختلف القطاعات الاقتصادية ويُسهم في تعزيز بيئة الاستثمار ورفع تنافسية الاقتصاد العُماني. 

وتأتي هذه القناعة من خلال الاختصاصات التي حددها المرسوم لمكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية والتي من بينها: «الإشراف العام على السياسات والاستراتيجيات العامة للتنمية الاقتصادية، ورصد نمو الاقتصاد الوطني، ومتابعة أداء برامج التنويع الاقتصادي والخطط والبرامج الاقتصادية الوطنية الأخرى والتحديات التي تواجهها، والعمل على معالجة تلك التحديات بالتنسيق مع الجهات المعنية، والإشراف على تنفيذ المقترحات والخطط اللازمة لتحسين مؤشرات الأداء الاقتصادية، والعمل على رفع تنافسية سلطنة عُمان في المؤشرات التنموية العالمية، والإشراف العام على تنفيذ أهداف الرؤية المستقبلية - «عُمان 2040»، ونتائجها، ومعالجة التحديات التي تواجه الجهات المعنية بتحقيقها» والعديد من الاختصاصات الأخرى. ويكتسب الملف الاقتصادي أهمية أكبر بتعيين صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائبا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية؛ إذ إن هذا التعيين يؤكد أهمية الملف الاقتصادي الذي أصبح منوطا بأعلى هرم في القيادة، وفي الوقت نفسه يقوم المكتب بإعداد «تقارير دورية حول التحديات التي تواجه النمو الاقتصادي، واقتراح الحلول المناسبة ورفعها إلى جلالة السلطان»، وهو ما يوجه رسائل واضحة إلى المستثمرين وأصحاب الأعمال بوجود إدارة اقتصادية قادرة على حل التحديات وتلتقي بشكل مستمر مع رجال الأعمال والمستثمرين في اجتماعات دورية تستهدف «تعزيز التعاون المشترك والاطلاع على التحديات التي تواجه القطاعات الاقتصادية ومناقشة سبل توفير المناخ الملائم لنمو القطاع الخاص»، وهو ما يؤكد أن الاقتصاد أصبح يحتل أولوية كبرى من خلال إدارة اقتصادية تركز بشكل أكبر على إيجاد الحلول وتسريع تنفيذها، وتستشرف في الوقت نفسه آفاق المستقبل وترسم «التصورات المحتملة لذلك بهدف اتخاذ قرارات برؤى استراتيجية استباقية تساعد على مواجهة التحديات». 

كل هذا يشير إلى أننا في مرحلة جديدة لبناء الاقتصاد العماني؛ تكتسب أهميتها من إنشاء مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية وتعيين صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائبا لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وهو ما يعني إعادة تموضع الاقتصاد في قلب القيادة العليا للدولة بما يعكس مرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية، والتمكين، والتخطيط الاستراتيجي، وهو ما يتطلب أن تعي الجهات الحكومية والخاصة أهمية هذا التحول الاستراتيجي الجديد في ملف الاقتصاد العماني والدور المطلوب منها في المرحلة المقبلة.