روضة الصائم

صخور الأفيولايت في شمال عمان

تاريخ عمان الجيولوجي

 

يرتبط ذكر سلطنة عمان بتضاريسها البديعة وجيولوجيتها الفريدة التي جعلت منها قبلة لعلماء الأرض ومحطة رئيسة لبحوثهم الميدانية. فمن خلال سهولها الواسعة، وجبالها الشاهقة، ووديانها العميقة، وصحاريها الممتدة، تمكّن المختصون من التعرف على تفاصيل دقيقة عن تاريخ الأرض، وتحولاتها المناخية، وحركية صفائحها التكتونية. وقد ارتبط اسم عمان على وجه الخصوص بنوع مميز من الصخور لا يكاد يظهر بتنوعه وانتشاره في أي مكان آخر في العالم، وهي صخور الأفيولايت، التي تمثل واحدة من أعظم الظواهر الجيولوجية المكشوفة على سطح اليابسة.
تمثل صخور الأفيولايت في عمان بقايا صفيحة محيطية قديمة اندفعت فوق هامش الصفيحة العربية قبل نحو 95 مليون عام نتيجة حركات الصفائح التكتونية في أواخر العصر الطباشيري. وفي العادة، توجد القشرة المحيطية في أعماق البحار، ويصعب دراستها بصورة مباشرة، غير أن ما حدث في عمان أتاح انكشاف هذا الجزء من القشرة المحيطية على اليابسة، في ظاهرة نادرة تعرف بعملية الانقذاف. ولهذا تعد أفيولايت عمان من أكمل وأوضح المقاطع الجيولوجية للقشرة المحيطية في العالم، إذ يمكن تتبع تسلسلها من الحمم البازلتية السطحية إلى صخور الجابرو، وصولا إلى صخور الوشاح الغنية بمعادن الزبرجد الزيتوني والبيروكسين.
وقد حملت هذه الصخور معها سجلا كاملا لما يحدث في عالم المحيطات العميقة، ذلك العالم الذي يظل بعيدا عن أعيننا، لكنه يمثل أحد أسرار استمرار الحياة على كوكب الأرض. فالحمم الوسادية التي تظهر في بعض مناطق الأفيولايت تشكلت عندما اندفعت الصهارة من باطن الأرض عبر صدوع وسط المحيط، ثم بردت بسرعة عند ملامستها مياه البحر، مشكلة تراكيب تشبه الوسائد المتراكمة. وتحت هذه الطبقات تظهر القواطع النارية الرأسية التي تمثل قنوات صعود الصهارة، ثم صخور الجابرو التي تبلورت في حجرات الصهارة في الأعماق، وأخيرا صخور الوشاح التي تمثل المادة الأصلية التي تتكون منها القشرة المحيطية.
ولا تقتصر أهمية الأفيولايت على بعدها العلمي، بل تمتد إلى بعدها الاقتصادي والتاريخي. فقد احتوت هذه الصخور على خامات معدنية مهمة مثل الكروم والنحاس والذهب والفضة، وغيرها من المعادن التي أسهمت في بناء حضارات قديمة. وقد اشتهرت عمان منذ الألف الثالث قبل الميلاد بتعدين النحاس وصهره من صخور الأفيولايت، حتى عرفت في الألواح السومرية باسم مجان، أي أرض النحاس. ولا تزال آثار المناجم القديمة، وأفران الصهر، وأكوام خبث النحاس متناثرة في مناطق التعدين، شاهدة على نشاط صناعي مبكر أسهم في ربط عمان بشبكات تجارية امتدت إلى بلاد الرافدين ووادي السند.
كما تحتوي طبقات الأفيولايت على صخور الجابرو، وهو صخر يتميز بصلابته العالية ومقاومته لعمليات التعرية، مما جعله مادة مثالية لأعمال الردم والإنشاءات، مثل الطرق والمطارات والمنشآت الصناعية. ويعكس استخدام هذه الصخور في البنية التحتية الحديثة استمرارية العلاقة بين الجيولوجيا والإنسان، حيث تتحول الصخور القديمة إلى عناصر أساسية في بناء المدن المعاصرة.
ومن الجوانب الفريدة في الطبقات السفلية لصخور الأفيولايت قدرتها الكيميائية على التفاعل مع ثاني أكسيد الكربون المذاب في الماء وتحويله إلى معادن كربونات مستقرة. إذ تحتوي صخور الوشاح على نسبة عالية من معادن المغنيسيوم، مثل الزبرجد الزيتوني، التي تتفاعل مع الماء وثاني أكسيد الكربون لتنتج كربونات بيضاء غير ضارة بالبيئة. ويسهم هذا التفاعل الطبيعي في خفض تركيز ثاني أكسيد الكربون في البيئة المحيطة، ما يمنح هذه الصخور أهمية بيئية في سياق الدراسات الحديثة المتعلقة باحتجاز الكربون ومكافحة التغير المناخي.
وتظهر نتائج هذه التفاعلات في بعض المواقع العمانية على هيئة برك بيضاء أو زرقاء وترسبات كربوناتية مميزة، كما هو الحال في عين صهبان بوادي الجزي، حيث تتراكم معادن الكربونات مكونة مشاهد طبيعية فريدة. وقد تؤدي هذه الترسبات إلى تشكل مصاطب ومدرجات طبيعية تضيف بعدا جماليا إلى المشهد الجيولوجي، فضلا عن قيمتها العلمية.
إن صخور الأفيولايت في عمان ليست مجرد تكوينات صخرية نادرة، بل هي سجل متكامل لتاريخ المحيطات القديمة، وركيزة لحضارة تعدين عريقة، ومنصة علمية لدراسة قضايا بيئية معاصرة؛ فهي تربط بين أعماق الأرض البعيدة وحياة الإنسان على سطحها، وتؤكد أن الجيولوجيا ليست علما جامدا، بل قصة مستمرة تتداخل فيها الطبيعة والتاريخ والاقتصاد والبيئة في نسيج واحد.