روضة الصائم

نصوص تاريخية في جامع أبي قحطان

سوانح تراثية

 

جامع أبي قحطان من الجوامع العمانية التسعة في الفقه، ومؤلفه أبو قحطان خالد بن قحطان الهجاري من أهل القرن الثالث الهجري، أخذ العلم عن بشير وعبدالله ابني محمد بن محبوب، وأدرك أباهما أبا عبدالله محمد بن محبوب بن الرُّحَيل (ت:260هـ) وسأله ونقل عنه بعض الأقوال والمسائل. والمؤسف أن الكتاب لم يصل إلينا كاملًا؛ إذ بقيت مخطوطات نادرة لبعض أجزاء منها نسخة بدار المخطوطات العمانية، رُسِمت بخط عتيق يرجَّح أنها تعود إلى القرن السابع الهجري، وقد نشرتُ من قبل مقالة بمجلة الذاكرة عن مخطوطات الكتاب ووصفها.
نتعرض هنا لشيء من الإشارات التاريخية في قطعة الكتاب المحفوظة بدار المخطوطات وهي لجزء منه فقط، ونعني بالإشارات التاريخية ما يستفاد في باب التاريخ من النص الفقهي، وهي كثيرة في الكتاب منها نوازل فقهية فيها ذكر أعلام وبلدان وأحداث وقضايا اجتماعية وسياسية، وفي الكتاب أيضًا ألفاظ حضارية كثيرة، وكل ذلك تكمن قيمته في قِدَم النص إذ الكتاب من بين أقدم الكتب العمانية التي أُلِّفت في العصر الإسلامي. في نص من الكتاب نقرأ: « قال أبو عبدالله: بلغني أن موسى بن أبي جابر حكم في امرأة من أهل سيفم تزوجها رجل على صداق رجلين فارسيين، وكان أهل سيفم يفرضون في صدقات نسائهم لكل واحدة أربعين نخلة، فحكم موسى بن علي -رحمه الله- لهذه المرأة بثمانين نخلة لكل رجل فارسي أربعين نخلة مثل سنّة أهل بلادها، فعاب ذلك الأشياخ وقالوا: ليس لها إلا قيمة رجلين من الفرس يوم يستحلها، ولا تأخذ كما يشترط أهل بلدها، فقال أبو عبدالله: «وذلك قولي كما قال الأشياخ»، وفي النص حكاية لأبي عبدالله محمد بن محبوب (ت:260هـ) عن موسى بن أبي جابر الإزكوي، وسيفم بلدة معروفة تتبع الآن ولاية بهلا. وفي نص حول إحدى الوظائف الإدارية في القرن الثالث الهجري: «وقد كان في زمن عبدالملك بن حميد والمهنا بن جيفر يولى [لعلها: يولّون] على الدواب واليًا يتولى الإنصاف بينهم، يصيرون الناس في ذلك ويعطى من عند الإمام في كل شهر خمسة دراهم». وثمة حكاية طريفة في نص آخر عن عثور رجل من أهل بهلا على كنز: «قال عبدالله بن خازم رجل من بهلا: أنهم كانوا أخرجوا سماداً من دار خراب بينه وبين ورثة معه فوجدوا فيها دنانير كثيرة».
ومن أخبار العلماء الأوائل نقل أبو قحطان قصة محمد بن محبوب حين كان يدخل الإسلام على يديه بعض أهل الهند في عمان، وهذه القصة حكاها أبو المؤثر الذي قال إنه كان حاضرًا، وذلك في نص أوله: «قال أبو المؤثر: إن محمد بن محبوب كان يدخل الهند المشركين الإسلام وأنا حاضر» ثم بعد أن يلقنهم الشهادتين وبعض التعاليم يبدل أسماءهم، وفي ذلك يقول أبو المؤثر: «وكان مما سمي منهم: هندي ومنيب وصالح وسلمان». ومما جاء في نصوص الكتاب كذلك في قبول الهدية وردّها: قبول الإمام الصلت بن مالك (ت:275هـ) الهدايا على عهد بقايا الأشياخ حين خرج إلى بهلا في أمر رجل اسمه خثعم، ثم أمر الإمام ببعث أثمان الهدايا إلى أهلها، أي أنه ردَّ ثمنها بعد أن قبل عينها، وفي المقابل نقل عن موسى بن علي أنه كان بنزوى «ويعتل فلا يقبل من أحد شيئا». وفي آخر النسخة نص في قيمة الدراهم مقابل الدينار ورخصها وغلاها وكسورها والفرق بين المكسَّرة والصحاح منها. ومن الأخبار السياسية فيها: «وقيل إن موسى بن أبي جابر أراد محمد بن المعلا للإمامة فَكَرِهَ محمد بن المعلا أن يقطع الشرا». والذي تعرضنا له هنا إنما هو أمثلة من جزء من الكتاب فحسب.