القافر بين النص والصورة
الثلاثاء / 6 / رمضان / 1447 هـ - 19:14 - الثلاثاء 24 فبراير 2026 19:14
تكتسب الأعمال الفنية الدرامية، بمختلف أشكالها من مسرح وأوبرا ومسلسلات تلفزيونية وأفلام سينمائية، مكانتها وقيمتها من قوة النص الذي تقوم عليه، ومن الرؤية الإبداعية لكتّابها قبل أي عنصر آخر، فكثير من الأعمال التي خلِّدت في الذاكرة الجمعية لم تنطلق من فراغ، بل استندت إلى روايات وقصص أدبية شكّلت لها قاعدة صلبة وعمقًا فكريًا وإنسانيًا. وعندما تتحول الرواية إلى عمل درامي، فإنها تنتقل من فضاء القراءة الفردية إلى فضاء المشاهدة الجماعية، فتتسع دائرة التأثير ويزداد الحضور والشهرة. هذا التزاوج بين الأدب والدراما لا يمنح العمل انتشارًا فحسب، بل يثريه بكثير من المعنى وكثير من التأويل.
غير أن تحويل النصوص الأدبية الأصيلة، كالقصة والرواية، إلى أعمال درامية يظل سلاحًا ذا حدّين، فقد يمنح العمل بعدا بصريا يوسع انتشاره، ويقرب شخصياته وأحداثه من الجمهور، ويضفي على النص حياة جديدة تتجاوز حدود القراءة الفردية إلى المشاهدة الجماعية، فتتعزز شهرته ويتضاعف تأثيره. وفي المقابل، قد يوقع هذا التحويل العمل في فخ المقارنة مع النص الأصلي، حيث يقاس بميزان الوفاء والدقة، فتظهر الفجوات الناتجة عن الحذف أو الإضافة أو إعادة التأويل. عندها يشعر القارئ بحنين إلى روح النص المقروء، ويتردد بين صورته المتخيلة في العمل الأصلي، وصورته الجديدة التي فرضتها الشاشة.
وفي سياق الحديث عن العلاقة الجدلية بين النص الأدبي وصورته الدرامية، تبرز رواية تغريبة القافر للقاص العماني زهران القاسمي بوصفها نموذجًا حيًا لهذا التحول، بعد أن قدِّمت هذا العام في مسلسل درامي بعنوان القافر من إنتاج تلفزيون سلطنة عمان ويعرض خلال شهر رمضان. ومن الحلقات الخمس الأولى التي تابعتها بدا واضحا مدى الثراء البصري المقدم على الشاشة من خلال القرية العمانية بكافة تفاصيلها ومقوماتها الحضارية والتراثية كالحارات والقلاع التاريخية التي احتضنت التصوير، إلى الأزياء التقليدية الرجالية والنسائية، مرورًا بتجليات الحياة اليومية في المسجد والمجلس والسوق. وهذا ما استطاع مخرج العمل من تجسيده للبيئة العمانية من خلال قصة القافر التي يتكئ عليها هذا العمل الفني.
المسلسل والرواية، لا يقدمان مجرد سيرة فتى يبحث عن الماء، بل تستدعي من صميم الموروث العماني شخصية «القافر»؛ ذلك الذي يقتفي الأثر، ويهتدي إلى مكامن المياه في أرض يشح فيها المورد وتشتد الحاجة. هذه الشخصية، كما صاغها زهران القاسمي أدبيًا ثم أعادت الدراما تجسيدها بصريًا، تتجاوز بعدها الفردي لتصبح مرآة لقرية عمانية كاملة، بكل ما فيها من علاقات اجتماعية متشابكة، وصراعات تنشأ بين افراد تلك الجماعة على كافة الأصعدة.
ولو عدنا إلى سؤالنا الرئيس حول استنساخ الأدب في الدراما، فإن الحكم النهائي يظل مؤجلًا إلى ما بعد اكتمال عرض مسلسل القافر، حيث تتضح عندئذٍ الخطوط الفارقة بين العمل الروائي الخالص في تغريبة القافر وصيغته الدرامية، وما أُضيف إليه من مسارات جانبية أو تعديلات فرضتها لغة الصورة وإيقاع الشاشة. عندها فقط يمكن قراءة التجربة بهدوء، وموازنة إيجابيات هذا الاقتباس وسلبياته، بعيدًا عن الانطباع الأول أو حماسة اللحظة.
إن التزاوج بين النص والدراما لم يعد استثناء، بل أصبح توجها عالميا متصاعدا؛ فالأعمال الدرامية الكبرى كثيرا ما تستند إلى روايات راسخة، كما أن بعض المسلسلات والأفلام الناجحة تجد طريقها لاحقًا إلى صفحات الكتب في صيغة سردية جديدة. إنها حركة تبادلية تثري الطرفين، وتمنح الجمهور فرصة المقارنة بين المكتوب والمشاهد، بين الخيال الفردي والصورة الجماعية.
ويبقى السؤال مفتوحا: هل ينجح الاقتباس في أن يكون إضافة نوعية لا مجرد ظل للنص الأصلي؟ الإجابة لا تكمن في التطابق، بل في القدرة على خلق عمل موازٍ يحترم الروح ويجدد الشكل، ويفتح الباب أمام تجارب عُمانية أخرى تعيد وصل الأدب بالشاشة بثقة ووعي وجمال.
عبدالله الشعيلي رئيس تحرير جريدة «عُمان أوبزيرفر»