عمان الثقافي

الإبداع السينمائي والفني تحت سقف التوحش والهمجية

 

سيف الرحبي -

لم تكن الدراما السورية التي ستحتل المشهد العربي لاحقا عن جدارة قد ظهرت بعد؛ حلقات قليلة تعرض في التلفزيون أحيانا، صباح جزائري، نادين خوري، وهناك طبعا غوار الطوشة وحسني البرزان وأقرانهما.

ووسط هذا الجو المعتم يبقى السوريون ينتجون بحيوية صدامية في حياتهم، ويختطفون الإبداع والفن وابتكار أساليب الحياة والفنون من فم الضواري البشرية الهائجة والسباع كما يفعل الجوار اللبناني وسط الحروب والدمار الشامل، والفلسطينيون منذ قرن تحت وطأة الاجتياح والاحتلال؛ فكأنما أرض بلاد الشام منذورة بأقدار مأساوية عاتية متطلعة دائما إلى نجمة بعيدة في الأفق.

وعلى مستوى السينما أخرج في تلك الفترة نبيل المالح (بقايا صور) رواية حنّا مينا، ومثَّل فيها صباح عبيد دورا محدودا، وفيلم حادثة (النصف متر) لسمير ذكرى.

ومن الممثلين الذين كنا نجلس أحيانا معهم على طاولة المقهى صباح عبيد، وتيسير إدريس، وأديب قدورة، وهناك عبدالحكيم قطيفان قبل أن تختطفه المخابرات إلى غياهب السجون، ويمضي أكثر من عقد من الزمان مثل أدباء ومثقفين واجهوا المصير نفسه كمفيد نجم، وفرج البيرقدار اللذين أعرفهما، وعشرات ومئات وآلاف الأسماء شبابا ونساء وأطفالا؛ حيث تكشفت البلاد لاحقا عن كونها ملخصا لسجون وزنزانات موصولة بمقابر جماعية لا حصر لها.

أتذكر عبدالحكيم بعد عقود وعقود من الأسوار، المدن والغبار لحد أنني لا أعرف إن كان هو أم شخصا آخر، وإن كنت أنا أم آخر. صباحا كنا نجلس في صحن الحديقة بجامعة دمشق نتطلع إلى المبنى أمامنا، وكان هناك مخبرٌ على الباب يطلب من الطلبة الداخلين إلى فصولهم هوياتهم الشخصية بنبرة آمرة شرسة. حين قال لي -وقد بدأ يظهر في بعض الحلقات التلفزيونية-: إن والده أو آخر من أقاربه قال له وهو من عشائر الجزيرة السورية يا عبدالحكيم شرفتنا بظهورك في التلفزيون، ومتى تشرفنا أكثر بلباس بدلة الشرطة؟ قالها عبدالحكيم على سبيل الطرافة؛ إذ إن الشرطي له تلك المكانة ذلك الزمان في الوعي العام.

وذات صباحٍ كنت واقفا كالعادة أتصفح الصحف اليومية في الكشك الكبير للصحافة قبل أن أصعد باتجاه الجامعة التي سجلت فيها عاما بقسم الفلسفة إعجابا بأساتذة بارزين مثل نايف بلوز وعادل العوا وبديع الكسم. كنت واقفا أتصفح جريدة (تشرين) حين ركزت على خبر في صفحتها الخلفية ينبئ بوفاة الشاعر والصديق رياض الصالح الحسين، وثمة من يقول: (أوف رياض مات) تبين أنه جهاد سعد، وكان آنذاك أستاذا في المعهد العالي للفنون المسرحية الذي أعتقد أن مقره منطقة (دُمر). وهذه من ميزات سوريا حيث النخبة من أهل السينما والدراما والمسرح يعيشون مع الكُتّاب والشعراء والمفكرين في وسط واحد وحياة يومية واحدة.

كانت فترة غابية متوحشة لا يعرف المثقف السوري أو الفنان أو الشاعر أو من هم خارج هذه الصفات الرجل العادي مثلا متى يغادر حياته، ويقذف به في ذلك المجهول الجهنمي. الكل متوجس متوتر مجروح في ضوء حياة معلقة على سقفِ غيب السلطة وأجهزتها القامعة. ولاحقا شاهدت في باريس الفيلمين الطليعيين (نجوم النهار) لأسامة محمد، و(أحلام مدينة) لمحمد ملص. والطليعية هنا بمعنى تلك التي تقادم عليها الزمان، أما الآن فلا أعرف إن بقي لها من معنى في مثل هذا التهريج الكوني والثقافة الجماهيرية المسطحة.

كل تفصيل يطرأ على عالم السينما بِدُورها ومنتدياتها المختلفة أكون متابعا له ومُشاهدا، أما التلفزيون فبالكاد نشاهده إذا كان موجودا في الشقة التي نسكن فسيكون صامتا صمتا جنائزيا مغطى بقطعة قماش. وهناك الأفلام التي يعرضها مهرجان دمشق السينمائي السنوي التي أدخل معظمها كصحفي أحمل بطاقة الترخيص الصحفي التي تصدرها وزارة الإعلام على ضوء رسالة رسمية من جريدة ما. ولأن إصدار البطاقة ليس بهذه السهولة؛ فهناك في ديوان الوزارة من يعمل تسهيلا وتسريعا مثل ممدوح عدوان، والشاعر محمد حذيفي الذي كان مسؤولا عن الرقابة ويسهل للكتاب والصحفيين كل ما هو ممكن إزاء عرقلة البيروقراطية والزبائنية، وتلك صفات تشترك فيها الأوطان العربية لا سوريا فحسب؛ إذ إن السلب يشكل وحدة العرب، وليس العكس وفق ما دبجت وروجت الخطابات الرسمية. رغم كابوس القمع والمخابرات المتسلل والكابس على مجمل خلايا المجتمع والإدارات استطاع السوريون دائما صناعة وخلق هامشهم الثقافي والحياتي كشرط من شروط فعل الحرية المحلوم بها وقودا للإبداع بصُعُد تجلياته والمستقبل الذي سينتزعه السوريون من براثن الظلام الكاسر والدم والموت. وهناك الأفلام التي غالبا ما تكون وثائقية التي تعرضها الفصائل الفلسطينية في المخيمات -وفي مقدمتها مخيم اليرموك الكبير- التي تعنى بنضال الشعب الفلسطيني وقضيته وحياته تحت نيّر الاحتلال، وفي المنافي المختلفة، وفي الفترة نفسها عرض (عائد إلى حيفا) رواية غسان كنفاني، وإخراج العراقي (قاسم حول) الذي التقيته بعد سنين وسنين في (لاهاي) بهولندا، وجاء إليها للإقامة منتقلا من اليونان، وأعتقد أنه ما زال يقيم هناك. انقسمت الآراء حول الفيلم من جمهرة النقاد والمشاهدين: هل استطاع أن يجسد مناخات رواية شهيد الثقافة والنضال غسان كنفاني وشخوصها المقتلَعين بواقعهم القاسي وأحلامهم الشاقة في الحنين والعودة والصمود وسط أرض زلزالية دموية مهتزة على الدوام؟ وهي الرواية الأخيرة في ظني لغسان كنفاني قبل أن يرحل بتفجير صهيوني في بيروت عن عمر مبكر، لكنه أنجز فيه الكثير إبداعا وصحافة (مؤسس جريدة الهدف).

وهناك رواية أخرى لكنفاني حُوِّلَت إلى فيلم سينمائي انطلاقا من ثيمتها التراجيدية الصاعقة حول الرجال الذين يهربهم (أبو الخيزران) عبر الصحراء اللاهبة قاصدين الكويت مختبئين في صندوق الشاحنة لعدم امتلاكهم أوراق هوية شخصية ووطنية تدل عليهم -على جاري عادة البشر- في أرجاء العالم، ويموتون في الصندوق وسط حرارة تلك الشمس الجحيمية وأشباح الصحراء يرفسون في دماء أحلامهم المجهضة من غير أن يحاولوا قرع صندوق الشاحنة (لماذا لم تقرعوا الصندوق؟). مرحلة العجز الفلسطيني أمام هول جائحة الاحتلال والإحباط المتراكم الذي تعقبه الثورة والانطلاق في أفق النضال الممتد غير المتناهي والذي يزداد ضراوة وتصميما كل فجرٍ دامٍ يبزغ على الفلسطيني في وطنه المحتل، وفي أرجاء منافي القارات الخمس. (أكان من اللازم أن ترتطم بالعالم على هذا النحو الفاجع؟) ثمة أمّ تقول لابنها في عائد إلى حيفا هذه العبارة المشحونة بالجراح المتراكم والدلالات تلخص مأساة الفلسطيني في المسار والصيرورة، الآلام والتضحيات.

***

فيلم (Z) أتذكره الآن؛ لأنه كان القاسم المشترك لثلاثة بلدان شاهدته فيها سوريا، بيروت، الجزائر. من الأفلام التي يحتشد جمهور (سينما الكندي) بدمشق بمختلف مشاربه وأهوائه السياسية اليسارية؛ كونه فيلما سياسيا لا يجانب عمق الواقعة السياسية في التعبير عنها فنيا وسينمائيا. تلك الواقعة في اغتيال الزعيم اليساري اليوناني وسط جماهيره من قبل عصابات اليمين وبدعم السلطة عرف المخرج الطليعي (جوستا جافراس) كيف يصنع منها شريطا سينمائيا بالغ التحقق والفرادة بشروط السينما وفضائها الشاسع المتعدد؛ إذ تحول إلى مرجع ومدرسة لمعظم الأفلام على هذا النمط الواقعي السياسي، لكن عبر إنجازٍ فنيٍ رفيعٍ وليس مجرد خطابة وأفكارٍ وتلقينٍ كما درج في السينما الرسمية للاتحاد السوفييتي وفلكه، وكل سينما وفن يمضي على هدي أيديولوجي وعقائدي دوغمائي صارم ومسبق.

بجانب (جوستا جافراس) بغوصه العميق في الشخوص في علاقة عضوية مع الوثيقة والمعلومة في تماهٍ وانسجامٍ يأتي التمثيل المعبر العميق لكل من (ايفمونتان) والتراجيدي (جان لوي ترنتنيان) الذي قام بدور المحقق بصورة تقترب من الإعجاز الفني وهو في معظم أدواره خاصة في الأدوار المركبة للأفلام الكبيرة يبقى علامة في تاريخ السينما الفرنسية والعالمية. ومع هذين الفرنسيين كانت اليونانية المعروفة أيضا (إيرين بباس) التي بجانب كونها ممثلة من طراز الكبار المثقف هي مغنية صوتها المجروح بالألم والحنين لا يمكن للذائقة المرهفة أن تنساه بنبرته النُواحية، وكأنما يمتد بصلة نسب مع إرث بلاد الرافدين القريب والبعيد. والموسيقى لليوناني الكبير (تيودو راكس) صاحب موسيقى فيلم (زوربا) وغيره الكثير الذي أضفى على مناخات الفيلم كثافة رمزية ودلالية بجمالياتها التعبيرية لمكون عضوي من بنيات الفيلم الشاملة.

أتذكر في هذه البرهة التي يقوم فيها جيل شاب في أكثر من بلد آسيوي وعربي وإفريقي بالانتفاض على أنظمة الفساد والاستبداد ونهب ثروات البلاد ومقدراتها جيل (Z) في بلدان يطالب هذا الجيل فيها بإصلاح المنظومة الحاكمة؛ كي لا تقع في شباك العنف المنفلت والحروب الأهلية وغير الأهلية التي ما زالت ماثلة للذاكرة والعيان.

***

في مجلة (السينما) التي يديرها الصديق بندر عبدالحميد نشر سيناريو المخرج الهندي الكبير (سيتا جيتراي) (أغنية الطريق)، وهو بداية تعرفي على السينما الهندية من خارج أفلام مثل: (الفيل صديقي) و(سانجام) أي السينما الهندية المختلفة والمضادة لسينما (بوليوود). وهناك أيضا -وقد عرفته لاحقا- (ميري لايسنج) ومخرجة (سلام بومبي) بجيلها اللاحق والتي تعيش في أمريكا، ولكن أفلامها مركزة حول الواقع الهندي راهنه وتفاصيله اليومية التي لا تقل أسطورية من الأساطير الهندية التي يسردها رواة هذا التاريخ وعجائبه الميثولوجية والخرافية. أما التأملات الفلسفية والمعرفية للوجود البشري ونشأة الكائنات والظواهر والحياة مثل: كتاب (اوبنشاد) وغيره، حتى المرحلة البوذية وما بعدها وتلك من العمق الروحي والوجودي بمكان قصي ومخيف، لكنها معرفة النخبة البعيدة عن العامة الواسعة والغارقة في البؤس والجهل، القذارة والجوع عبر أطوار التاريخ الهندي المختلفة. وبما أن الخليج والجزيرة العربية على تماسٍ وتفاعلٍ مع الهند لقربها الجغرافي وغيره فقد لعبت (بوليوود) -وليس الثقافة الهندية القديمة أو الثقافات الحديثة المتعددة في الهند- إلى جانب الاقتصاد بمفاصله والعمالة لعبت دورا في تشكيل ذائقة، وتكوين الثقافة البصرية والذوقية لدى هذه الجماعات والشعوب، بجوار السينما المصرية جنبا إلى جنب، وبوليوود بإمكاناتها الضخمة تتفوق على السينما المصرية العربية في ترويج بضاعة الترفيه الرخيص الذي يخاطب الغرائز والأهواء البشرية في مناطق حِطتها وانحدارها إلا ما ندر في الإلهاء والتنفيس إزاء واقعٍ مختنقٍ ومعبأ بكل أنواع الأوبئة في غياب العدالة الاجتماعية والفروقات الطبقية التي لا مثيل لها.

(بوليوود) على شاكلة ومنوال (هوليوود) وحتى اسمها ربما اقتداء وتقليدا بالأصل الأمريكي الغالب وفق ابن خلدون (المغلوب دائما يقلد الغالب في كل أطوار التاريخ البشري والشعوب والأمم والحضارات، يكون هو النموذج والمثال الذي فيه من المناطق المضيئة أكثر من مقلديه... أتذكر (أورسون ويلز)، (جيلين فورد)، (آلان باركر)، (بولانسكي)، و(كوبريك) والعشرات غيرهم مخرجين وممثلين... وإلخ.

انطلاقا من قراءتي لسيناريو (سيتا جيتراي) بدأت أفكر في مشاهدة تلك السينما البديلة في أكثر من مدينة ومكان.

سيف الرحبي كاتب وشاعر عماني