عمان الثقافي

قراءة في كتاب: دراسة لغوية في لهجة جبال حجر عُمان

 

علي إسماعيل عبدالله -

بما أننا نقتفي الأثر اللغوي حتى نعلم ظواهره وأسبابه وأغراضه وتأثيراته والتغييرات التي تطرأ عليه، فإننا نبحث في الدراسات المهيِّئة للترحال في الركب اللغويّ والمعرفيّ على امتداد آفاق العقل والألسن، التي تُؤسَّس عليها الأفكار والمدارك.

وكتاب: (دراسة لغوية في لهجة جبال حَجْر عُمان - وادي شافان ووادي بني عُمر نموذجًا) للدكتور يوسف بن سليمان المعمري أستاذ مساعد في جامعة الشرقية - سلطنة عمان، أحد هذه الدّراسات التي تتتبّع الظواهر اللغوية في بيئة معيّنة، يتناول فيه المؤلّف التغييرات والتباينات الصّوتية التي تطرأ على فونيمات الألفاظ المتداولة في لهجة جبال حجر عمان، مقارنًا إياها بالعربية الفصيحة. وبالإشارة إلى مصطلح «فونيمات»، فإن «الفونيم» هو أصغر وحدة صوتية تؤثر في المعنى، مثل اختلاف صوتي الجيم والحاء في كلمتي: (جبل) و(حبل)، فكل من الجيم والحاء يعد فونيمًا يؤثر في معنى اللفظ ويغيره، فمعنى (جبل) مختلف عن معنى (حبل). إلا أنّه يمكن للفونيم أن يتمظهر بعدد من المظاهر الصوتية المختلفة لا تؤثر في معنى اللفظ أو تغيره، كأن يقول أحدهم جبل بالجيم الفصيحة، ويقول آخر جبل بالجيم القاهرية، فهنا تغير المظهر الصوتي للفونيم ج لكن المعنى بقي كما هو، وهذا ما يُطلَق عليه «الألوفون». وقد تناوله الدكتور يوسف في كتابه عندما قارن لهجة أهل جبال حجر عمان بالعربية الفصيحة.

ومع صغر حجم الكتاب، إلا أنه مشبع المضمون، غزير المعرفة، يُعرِّف القارئ بثقافة لغوية في منطقة جغرافية محددة في سلطنة عمان هي جبال حجر عمان؛ حيث يكشف ما للجغرافية اللغوية من أثرٍ كبير في التباينات الصوتية للألفاظ المتداولة بين المناطق، حيث تنشأ اللهجات المختلفة باختلاف البيئة الجغرافية والثقافية والاجتماعية... وقد أشار المؤلّف إلى أنّ لهجة بيئةٍ ما هي امتدادٌ للهجات عربيّة قديمة، وأنّ اللهجات العربيّة متأثّرة بعضها ببعض ومتداخلة، وبخاصّةٍ مع الهجرات العربيّة المعروفة من أرض إلى أرض وبين مرحلةٍ زمنيّةٍ وأخرى. وهذا ما يمكّن الكتاب من تشكيل لبنة في الأطلس اللغوي للهجات عمان.

لقد أظهرت عملية رصد الكتاب ومطالعته أن هناك أوجه تشابه بين لهجة جبال حَجر عمان واللهجة اللبنانية البقاعية، ممّا جعلني أطرح تساؤلًا حول سبب هذا التشابه الصّوتي الواضح في كثير من الألفاظ المتداولة، ممّا يفضي إلى احتمالية أن يكون هناك أصل تاريخي لهجي يجمع بين اللهجتين. وإلا فكيف نفسّر هذا التشابه التام بين الكثير من الألفاظ؟ هذا ما يجعلنا نشجع على القيام بدراساتٍ لغوية تاريخية، يمكن من خلالها الغوص في التاريخ اللغوي لمعرفة التحولات الصوتية التي طرأت على اللغة العربية من جهة، وعلى اللهجات من جهة أخرى، متتبعين أوجه التشابه والاختلاف الصوتي بينها.

واللافت أنّ المؤلّف أشار إلى ظواهر لغوية وصوتيّة عديدة في كتابه، كالإمالة والمماثلة الصّوتيّة والإبدال والحذف وسقوط الأصوات من بعض الألفاظ والصفات اللهجية كالكشكشة وغيرها من الظواهر الصّوتيّة التي يُشكّلُ كلٌّ منها نموذجًا لدراسةٍ لغويّةٍ مفردةٍ موسّعةٍ ومفيدة. فأهل اللغة يعلمون فائدة الإشارة إلى هذه الظواهر لدراسة اللغات واللهجات.

كلّ هذه التفاصيل تثير تساؤلات كثيرة حول اللهجات العربيّة، وتحفّزُ الباحثين اللغويين للإجابة عنها ودراسة ما يدور في فضائها.

وفي لقاءٍ مع المؤلف، أشار إلى أنّ الكتاب يمثل صدى الماضي اللغوي، وتبرز أهميّته بأنّه يوثّق الذاكرة اللغوية للأجيال اللاحقة، وبخاصّة في جبال حجر عمان، حيث إنّ نزوح أهل هذه المناطق، ربما يؤثر مع الزمن على لهجتهم فتتغير، فلا بد من توثيق يحفظ التراث اللغوي، ويساعد على فهم الهوية الثقافية العمانية.

ومن وجهة نظره المستقبليّة، يمكن أن يكون كتابه مصدرًا للباحثين في المستقبل، وربما بذرة تأسيسية لمعجم متأصل في اللهجات العمانية، مؤكّدًا على أنّ مثل هذه الدراسات تحتاج جهدًا جبّارًا، من خلال جمع الألفاظ من اللهجات المختلفة، وتدوينها، ومقارنتها بالفصيحة أو ببعضها، إضافةً إلى دراسة الظواهر التي تميزها.

هذا الكتاب، بنظر المؤلف، مرآة عريقة لوالده، حيث أنّه ما زال راسخًا في جبال حجر عمان، وهو يوثق لهجته، ولهجة ثقافة أهل الجبال القديمة؛ حيثُ يرى أنّ بعد هذه الجبال عن الساحل وعن الاختلاط بالوافدين وعن التمدن، ولو بشكل نسبي، جعل لهجة جبال حجر عمان أقل تأثّرًا باللغات الأخرى أو اللهجات الأخرى، مقارنةً بغيرها من لهجات أهل الساحل والمناطق المدنية. ويدعو المؤلّف الباحثين والكتاب إلى توثيق اللهجات العمانية والعربية لكونها تفتقر إلى مثل هذه الدراسات.

في الختام، أدعو اللغويين المختصين والباحثين والطلاب والقرّاء إلى الاطلاع على هذا الكتاب لما فيه من فائدة على الصعيدين العلمي والثقافي، سائلًا الله عزّ وجلّ أن يوفق صديقي الدكتور يوسف ويوفقنا جميعًا لكل خير، فهو وليُّ التوفيق.

1- كتاب: دراسة لغوية في لهجة جبال حجر عمان – وادي شافان ووادي بني عمر نموذجًا – صادر عن الجمعيّة العمانية للكتاب والأدباء بطبعته الأولى سنة 2025، لمؤلّفه الدكتور يوسف بن سليمان المعمري، أستاذ الأدب المساعد في جامعة الشرقية - سلطنة عمان.

علي إسماعيل عبدالله أستاذ اللغويات المساعد بجامعة الشرقية - سلطنة عمان