عمان الثقافي

«نساء صغيرات» تذهب إلى القوطيّة

 

سادي ستاين -

ثمة مشهد في النصف الثاني من «نساء صغيرات» يرى فيه البروفيسور باير -الألماني الواعظ أخلاقيا الذي، في انعطافة غريبة من مؤلفة الكتاب لويزا ماي ألكوت، يصبح اهتمام جو مارش العاطفي المربك- مجموعة من القصص القوطية في صحيفة. وكانت مرفقة بـ«رسمة مُسِرة تتكوّن من مجنون، وجثّة، وشرير، وأفعى». فيقذف باير الصحيفة في النار قائلا إن ما فيها «ليس مما ينبغي للأطفال أن يروه، ولا أن يقرؤوه الشباب.. ليس لديّ صبر على الذين يصنعون هذا الأذى».

لذلك فالبروفيسور باير، على الأرجح، لن يوافق على فانتازيا الفئة المتوسطة في السن (للأعمار المدرسية) التي كتبتها مايرا روش، والمقرر صدورها في أغسطس؛ حيث تتحول الأخوات الأربع من آل مارش -وقد أصبحن الآن أطفالا معاصرين يعيشون في سالم (اسم منطقة)- إلى صاحبات حياة مزدوجة: إحداهن مصّاصة دماء، وأخرى مستذئبة، وثالثة كائنا ذا أجنحة خفّاش، ورابعة وحشا بحريا. (بل إن «المزارع باير» يغدو خصم الأخوات/الوحوش بعد اختفاء عدد من دجاجاته).

وإذا كان لم يستسغ النوع الفاضح من القصص التي كانت جو تكتبها لصحيفة «فولكانو» الصفراء، فالأرجح أن باير لن يجد كذلك أي فائدة تُذكر في الرواية المنشورة حديثًا BETH IS DEAD حيث تعيد كاتي بيرنت تخيّل «نساء صغيرات» بوصفها لغز جريمة موجَّها لليافعين. وسيكون ذلك خسارة له.

ومن وجهة ما، يبدو غريبا أن الأمر استغرق كل هذا الوقت كي تنفلت «نساء صغيرات» تماما إلى فضاء إعادة الابتكار على نحو ما حدث مع جين أوستن بعد مئات السنين من رحيلها، مع عناوين طريفة مثل «كبرياء وتحامل وزومبي»، ومع محاكاة تاريخية على شاكلة «الموت يأتي إلى بيمبرلي» (وليس هذا إلا بداية). فبعد كل شيء، رواية ألكوت عن التكوين والنضج اقتُبست مرات لا تُحصى، حتى بلغت -في هذه اللحظة- درجة من التشبّع داخل الثقافة الأمريكية: معظمنا يعرف الوصفة المألوفة لأربع فتيات، وأم صارمة لكنها محبة، وفتى جار، وموت حزين.

كما أن شخصيات الأخوات تتيح تحويلهن إلى أنماط نموذجية بسهولة. وحتى في صيغة خارقة للطبيعة، تحافظ روش على الديناميكية الأساسية لدى ألكوت: ميغ المسؤولة، وجو المغامِرة، وبيث الطيبة، وآيمي العنيدة. وتظل الطبيعة الجوهرية لعلاقتهن هي السقالة التي تقوم عليها المشاغبات المرِحة ذات النزعة العبثية. إنه دليل على متانة عظام نص ألكوت، وعلى الجاذبية المستمرة لحكايتها.

أما «بيث ماتت» فمشروع أكثر «ميتا» بكثير. تعيش الأخوات مارش في كونكورد، ماساتشوستس، في زمننا الحاضر؛ حيث جرى «إلغاء» والدهن -وهو روائي- مؤخرا بسبب كتابته عملا كاسحا من نوع السيرة المتخيّلة/الأوتوفكشن يحمل عنوان «نساء صغيرات»، يتهمه النقاد فيه بأنه استغل حكايات بناته -والأسوأ من ذلك- أنه قتل بيث في الرواية، مع أن بيث ليست، في الواقع، قد ماتت بعد. وقد غادر بعيدا، بزعم حماية الأسرة من التدقيق والفضول العام، تاركا الأم -الممرضة في قسم الطوارئ- لتتولى زمام الأمور.

حين تكون بيث الرقيقة، ذات الحسّ الموسيقي، في الواقع «مقتولة» بعد حفلة ليلة رأس السنة في قصر الفتاة الثرية سالي غاردينر (لا مرض مُنهِك يبدّدها هنا)، تتحول ميغ وجو وآيمي وجارهن -وأحيانًا اهتمامهن العاطفي- لوري إلى مُحقّقين هواة، فتتكشف الأسرار والأكاذيب.

تختار بيرنت أن تُبرز أكثر جوانب شخصيات ألكوت قتامة. نعم، ميغ ذكية ومحبّة، لكنها قد تكون مادية، وتشعر بالخجل من علاقتها بجون بروك الأقل طموحا، الذي يُصور هنا بوصفه أقرب إلى «فاشل». وهي، طالبة في هارفارد، تحمل ضغينة تجاه زملائها الأكثر امتيازا. أما جو، الطالبة في السنة الأخيرة بمدرسة كونكورد الثانوية، ونجمة وسائل تواصل «متعطّشة» للضوء، فيمكن أن تكون انتهازية بلا رحمة في مسارها المهني، تكاد نوبات غضبها أن تفلت من السيطرة. وبالنسبة لآيمي: «لقد احتملت ما يكفي من أحكام الناس الذين قرأوا «نساء صغيرات»، الذين وصفوني بفتاة الحفلات، وبأنني فوضى».

أما بيث، التي عُرضت عليها فرصة للالتحاق بمدرسة بلامفيلد المرموقة للفنون عبر العمة مارش -امرأة نيويوركية «مستقرة مهنيًا» وذات حضور بارد- فهي متواضعة إلى حد التلاشي، لكنها محبطة. تعترف قائلة: «أعرف أنني لا أملك “طاقة البطلة الرئيسية” مثل جو.. أحتاج أن أثبت أنني أكثر من الفتاة التي تموت في نهاية الكتاب».

فتيات آل مارش لدى بيرنت يشربن حتى الثمالة، ويقضين وقتا طويلا مع أجهزتهن، ويُطلقن الشتائم. وفي موضع ما، تنعت بيث آيمي بأنها «... أنانية»، وهو ما قد لا يتذكره عشاق «نساء صغيرات» من النص الأصلي. ومع ذلك، تظل الرواية مقروءة بوصفها رسالة حب إلى ألكوت، ومواجهة مع حقيقة أن هذه الشخصيات -المبنية على أشخاص حقيقيين- رُفعت إلى نوع من «الشهرة الغريبة» التي تفتح الباب لعلاقات شبه شخصية مع جمهور متعطّش.

والكتابان معا محشوان بـ«بيوض عيد الفصح»؛ ففي «وحوش صغيرة»، يظهر آل موفّات ولورنس في لقطات خاطفة؛ وفي «بيث ماتت»، يعمل هنري هومل في «مطعم لوتي»، ويصبح فريد فون فنانا بريطانيا مبتذلا ومفترسا يشغّل موسيقى إلكترونية صاخبة في مرسمه. (حتى إن ميغ تمسك مكواة تجعيد الشعر خلال مكالمة فايس تايم قبل حفلة).

لطالما كانت بيث -سواء كـملاك مجنّح حرفيا أو كشهيدة طفلة- أقل الشخصيات قابلية للاقتراب. في الرواية الأصلية، تبدو قديسة ولطيفة إلى حد المثالية، تُعرِّض نفسها لمرض خطير في لهفتها لفعل الخير، وتقول عبارات مُحرِجة من قبيل: «الطيور الصغيرة في أعشاشها تتفق»، حين تتشاجر أخواتها الأكثر بشرية. لكن مهما بدت غير واقعية، فإن أخت ألكوت الصغرى إليزابيث «ليزي» سيوال ألكوت كانت معروفة حتى في حياتها بلقب «ملاك البيت»، وقد أُصيبت فعلا بمرض أثناء مساعدتها أسرة فقيرة، وتوفيت في الثانية والعشرين من عمرها. فهل يمكن لوم أخت مفجوعة لأنها مثّلتها في صورة مثالية؟

في «نساء صغيرات»، يكون فقد بيث هو ما يزعزع استقرار الأسرة كلها، ويعمل كمحرّك لعدد من القرارات المصيرية الكبرى. ولأجيال من الأطفال، كانت من بين أولى الوفيات التي اختبروها -خصوصا وفاة شخص يافع شاهدناه يكبر- وكانت حزنا تأسيسيا.

وفي «الكون الموازي» لرواية «بيث ماتت»، ثمة «خلية بيث» -جماعة من المعجبين والقرّاء المهووسين بمنحها العدالة- لكن حتى هذا يبدو مُغتربًا بالنسبة للأخوات؛ إذ لا علاقة له ببيث، الشخص الحقيقي. وفي النهاية، تعثر أخوات آل مارش على الإجابات بالعودة إلى النص نفسه. تقول ميغ، بعد أن تقرأ أخيرًا رواية والدها: «لقد وصفها النقاد بأنها شخصية مسطّحة، لكنها على الصفحة أكثر تعقيدًا مما يحب الجميع أن يصدق».

وفي الحياة الواقعية، كانت ألكوت منزعجة بالقدر نفسه من مطالب القرّاء بعد صدور النصف الأول من «نساء صغيرات»، وكتبت أنها لن «تُزوِّج جو من لوري لإرضاء أحد» (مع أنها لم تُبقِها «عانسًا أدبية» كما كان سيعكس ظروفها الشخصية على نحو أدق). ربما لم يكن باير ليحب ذلك، لكن ألكوت بدأت مسيرتها بكتابة روايات إثارة محكمة الحبكة لا تقل إحكامًا عن «وحوش صغيرة» و«بيث ماتت» - جرّب قراءة «همس في العتمة» و«شبح الدير». وكما تقول جو: «أحب الكلمات القوية الجيدة التي تعني شيئًا».

سادي ستاين كاتبة وناقدة ثقافية ومحررة تقيم في نيويورك، وتكتب مراجعات في الأدب والثقافة لنيويورك تايم.

خدمة نيويورك تايمز