عمان الثقافي

في ذكرى مولده التسعمائة.. سيرة فكرية إسبانية تستعيد جذور العقلانية الرشدية

 

إبراهيم فرغلي -

تمر هذا العام الذكرى التسعمائة على مولد الفيلسوف والفقيه الأندلسي أبو الوليد ابن رشد (1126- 1189)، في هدوء عربي، كالعادة، بينما لاحظت في المقابل، وخصوصًا في إسبانيا انطلاق عدة فعاليات تناقش أعمال وأفكار «الشارح الأكبر»، ليس من قبيل الرثاء واستعادة المآثر، بقدر ما أقيمت لتؤكد مدى استمرار حضور أثره في الفلسفة المعاصرة، امتدادا لما أحدثه من أثر في «تثوير» الفكر الفلسفي الغربي، وبناء على ما بذله من جهد في تقديم شروحه لفكر الفيلسوف الرائد أرسطو في منتصف القرن الثاني عشر تقريبًا، حين تولى هذه المهمة بعد تكليفه من خليفة الموحدين عبد المؤمن الكومي بوساطة من أستاذه وصديقه ابن طفيل.

ولعل في هذا ما يدفع لقراءة كتاب صادر قبل فترة وجيزة بعنوان «ابن رشد..سيرة فكرية» لخوان أنطونيو باتشيكو، وهو باحث وأكاديمي إسباني متخصص في الفلسفة الإسلامية، وصدر الكتاب بترجمة أحمد عبد اللطيف عن الإسبانية، عن دار نشر ذات السلاسل في الكويت.

بشكل شخصي لم يسبق لي الاطلاع على كتاب متخصص عن ابن رشد لكاتب إسباني، على كثرتها في لغتها الإسبانية، على عكس ما تيسر لي قراءته من كتب مترجمة عن الفرنسية لكتاب معاصرين، ممن يمثلون تيارًا معاصرًا يهتم بإعادة تأمل أفكار الفيلسوف الأندلسي، اقتداء برواد كلاسيكيين من مثل أرنست رينان صاحب المرجع المركزي «ابن رشد والرشدية».

أما مؤلفات المعاصرين التي أقصدها فبينها على سبيل المثال لا الحصر كتاب «ابن رشد المقلق»، و«أنا أتخيل..ابن رشد وفضاء المقدرة» للباحث الفرنسي جان باتيست برونيه، وكتاب «ابن رشد طموحات مثقف مسلم» للباحث الفرنسي دومينيك أورفوا، وهو الكتاب الذي استدعيته طوال قراءة الكتاب الذي أعرض له هنا، لأنه قدم أطروحة لحياة ابن رشد وأفكاره بالإضافة إلى الظروف الثقافية التي نشأ في إسارها، وطبيعة التطورات السياسية التي تسببت في إشاعة أجواء ثقافية خاصة في عصر الموحدين الذين سيطروا على الأندلس في عصره، وأهم أفكاره ودوره الثقافي كشارح وسيط بين أرسطو والثقافتين العربية والغربية، إضافة لدوره الفقهي والسياسي.

خط متصل بين الجد والحفيد

غير أن كتاب الباحث الإسباني موضع قراءتنا؛ يقدم، بالإضافة إلى تعرضه لكثير مما سبق، أطروحة مهمة لمسيرة ابن رشد الفكرية؛ متتبعًا أصول الأفكار الأساسية منذ دونت على يد المعلم الأول أرسطو ثم مرورا بتجارب الفلاسفة العرب والمسلمين الذين تناولوها، خصوصا الفارابي وابن سينا وابن طفيل تمهيدا للكيفية التي تناولها بها ابن رشد وما أضافه لها أو اختلف معه.

كما قدم المؤلف خوان أنطونيو باتشيكو عددًا من المقاربات التي حاول بها الربط بين دور ابن رشد الجد (جد ابن رشد الحفيد) الذي عاصر زمن المرابطين وكان له دور فقهي وقضائي وسياسي بارز، وبين دور الحفيد، وذلك بعد إشارة في تقديمه للكتاب على اقتصار التناول العربي له على دوره كقاض وفقيه، مع ذكر أبرز المؤرخين الذين تناولوه فقيها.

يعقد الباحث الإسباني باتشيكو مقاربة بين ابن رشد الجد وبين الحفيد قائلا:«لقد استطاع أبو الوليد الجد أن يضم في السياق القضائي لزمنه، نصا كان قد نقله بدون تهيئة (يقصد به كتاب البيان والتحصيل لمحمد العتبي القرطبي «توفي 869»)».

يقول: «في شرحه يبدأ الجد باللفت إلى دافع هذه المهمة: الرد على شكوك رفاق مهنته بمدينة جيان وبعض تلامذة إشبيلية فيما يتعلق بمسائل محددة وردت في كتاب العتبي. كما يقول هو نفسه في العرض التمهيدي، فغايته الشرح الموسع والجلي والموجز ما يسهل الفهم وييسر التأمل. هذه النية ربما انتقلت لاحقا، كلمة كلمة تقريبا، إلى حفيده حين اقترح عليه الخليفة الموحدي توضيح بعض الأفكار الواردة في أعمال أرسطو صعبة الفهم». أي أنه يوجد خيطا لمسار فكري يرى أن الجد أسسه في مجال القضاء وأن هذا النهج هو ما تبناه الحفيد في الحكمة والفلسفة.

يتعرض الكتاب بطبيعة الحال إلى الشائع من سيرة ابن رشد: المولد والنشأة، محاولات تتبع أثر الإخوة والأخوات والأبناء، ويشير إلى ابن واحد هو أبو محمد عبدالله الذي ورث عنه القضاء وتكرس للطب. والحقيقة أن أونريك أورفوا في كتابه السالف الإشارة له تمكن من تحديد وجود ابن آخر أكبر هو أبو القاسم أحمد ابن رشد وعمل في القضاء على نهج جده أي أبِ ابن رشد «أبو القاسم أحمد ابن رشد».

جذور الفكر العقلاني الأندلسي

يتتبع الكتاب المنهج الدراسي الذي حصله ابن رشد للتعرف على الأدوات التي يسرت له لاحقا، أن يقدم أفكاره في الفقه ثم الفلسفة والطب، وهو شائع بطبيعة الحال في أغلب المدونات التي تناولت السيرة العلمية لابن رشد، موضحا «كان التقليد هو الاطلاع على المعارف التي تشكل أساس التكوين الفكري للطلبة، سواء كانوا أندلسيين أو شرقيين، ويتوزع بين تخصصات متنوعة. كانت كل جماعة اجتماعية تتمتع بمفهومها الخاص عما يجب أن تكون المعرفة المناسبة لكل مستوى اجتماعي ولكل مهنة مستقبلية».

لكنه يقدم تفصيلا دقيقا لجذور الفكر الفلسفي الأندلسي، مشيرا إلى الجذور الأولى التي تسببت في نشأتها حركة الترجمة في العصر العباسي بعد قيام الخليفة المأمون في بغداد بإنشاء بيت الحكمة وبدء حركة الترجمة التي تسببت في حراك فكري كبير في الثقافة الإسلامية، مع الإشارة إلى نشأة التيارين الرئيسين الذين تسببا في تأسيس ما عرف لاحقا بعلم الكلام وهما المعتزلة ثم التيار الذي انقلب عليها ممثلا في الأشاعرة.

ويقدم باتشيكو ملاحظات عن الفلسفة الأندلسية مشيرًا أن أصول هذا الفكر تعود إلى القرطبي ابن مسرّة (توفي عام 931) الذي حاول التوفيق بين الأفلاطونية الجديدة وبين أفكار العقيدة الإسلامية، ثم يعود للأصول التي نشأت منها الأفلاطونية وهي أفكار أرسطو (384- 322). ثم يتتبع الكيفية التي انشغل بها المتصوفة المسلمون في بحث فكرة العقل مارًا بابن العرّيف الميري وابن السيد البطليوسي وصولًا لابن طفيل، باعتبار أن هؤلاء الثلاثة هم أسلاف ابن رشد المباشرون، وهذا كله يأتي في إطار محاولاته شرح فكرة الاتحاد العقلي أو الفكري كما فهمها المتصوفة ووصفوها بـ«الاتحاد الصوفي»، وكما فهمها العقلانيون العرب.

كما يتناول التطورات السياسية مبينًا الظروف التي تسببت في تولي المرابطين حكم الأندلس، ثم الطبيعة الفكرية للنظام الذي أنهى حكم المرابطين ممثلا في الدولة الموحدية التي جاءت إثر تأسيس الحركة الموحدية على يد ابن تومارت وأتباعه والتي انتمى إليها ابن رشد، ورأى فيها نظاما مثاليا، وذلك قبل انقلاب الخليفة المنصور على هذا التقاليد الفكرية التي أسسها أبوه عبد المؤمن بن علي الكومي (487-558هـ / 1094-1163م) الذي يعد المؤسس الفعلي لدولة الموحدين وأول سلاطينها، والخليفة الذي نقل حركة «ابن تومرت» من إطارها الدعوي إلى إمبراطورية سياسية حكمت الغرب الإسلامي.

نظرية القياس المنطقي

وفي محاولة لتوضيح طبيعة الدور الفكري الذي قام به ابن رشد يوضح باتشيكو: «حين ظهرت العقلانية في الفكر الإسلامي كتيار معرف، وهو تيار المعتزلة، فعلت ذلك تحت ستار لاهوتي، أو على الأقل أخلاقي ولاهوتي متورط في حل المشاكل المتعلقة بالعقيدة: الخطيئة الكبرى وعقابها، مصير المؤمن في المستقبل أو معرفة الخير والشر. وبهذا، فهذه العقلانية المستخدمة بهدف الوصول لصياغة حلول لنظام روحي، يمكن أن تنتهي كخصم حقيقي ومخيف لروحانية سعت إلى تقييمها وإثباتها بحججها. لقد كان التحلل الإيجابي للدين في عقلانية خالصة خطرٌ حذّر منه علماء الدين في القرن التاسع، مثل ابن حنبل، وتحتّم أن تتناول سياسات الخلفاء في بغداد كل قضية وتقدم لها حلولا بحسب ظهورها».

ويستطرد موضحًا أنه في تلك الحقبة، «انتقل تيار المعتزلة العقلاني من لحظة حماية الخليفة، وهو الخليفة المأمون، إلى لحظة تحريمهم وإدانتهم، وهي لحظة الخليفة المتوكل (ت 861) ، وفي هذه الإدانة كان الاتهام الضمني بالهرطقة. ومع ذلك، كان التهديد الأخطر للخليفتين يأتي من شكل من أشكال الزندقة التي أدخلت إلى الإمبراطورية نتيجة اندماج عناصر دخيلة على الإسلام ومؤمنين بديانات قديمة».

ثم يوضح دور ابن رشد في حل هذه المعضلة الفكرية قائلا: «إن ابن رشد هو من رفع مرتبة وتقدير المنطق الأرسطي، قائلا إنه علمٌ أمر به الله لأنه بفضله يمكن إثبات الوجود الإلهي والقدرة الإلهية. وتتجلى القدرة البرهانية للمنطق من خلال القياس، وإحدى أطروحات الأورجانون، أطروحة التحليلات الأولى، تتضمن دراستين حول هذا الإجراء الاستنباطي الذي درسه بحماس فلاسفة الإسلام وعلماؤه وفقهاؤه بدءًا من القرن التاسع».

ويخلص إلى أن محاولة ابن رشد في خلاصته «كانت تسعى لإيجاد تفسير متماسك للمشاكل التي أثارها النص الأرسطي، واستعادة معناه وغايته الصحيحين. وفي وقت لاحق، في الفكر الإسلامي المكرس للدراسات المنطقية، ستكون نظرية القياس المنطقي على وجه التحديد أهم مساهمة للمنطق العربي في نظرية أرسطو».

ابن رشد طبيبا

ويتوقف مؤلف الكتاب عند الدور الكبير الذي مارسه ابن رشد طبيبا، وهو دور شبه مفقود في الثقافة العربية الإسلامية، ولكن أحد أسباب هذا التجاهل ربما يعود لفقدان الأصول العربية لكتب ابن رشد الطبية.

يقول باتشيكو: «من الملفت للنظر مصير أطروحات ابن رشد الطبية، إذ احتفظت اللغة العبرية بنسخ أكثر مما احتفظت به اللغة العربية. كمية الترجمات العبرية لأعمال ابن رشد الطبية جعلت كثيرا من اليهود يعتقدون أن المؤلف يهودي أيضا. ولأن مع العسر يسر؛ فحين جاءت لحظة سقوط في كارثة البلاط بمراكش، وبالتالي أمر السلطان الموحدي بحرق كتب الفيلسوف باتت النسخ العبرية لهذه الكتب هي ما احتفظت وأنقذت ما قاله ابن رشد».

كما يشير إلى مصادر معارفه الطبية بداية من صداقته مع ابن زُهر، بجانب التعليم المباشر من أستاذه في هذه المادة أبو جعفر الترجالي، إضافة لصداقته مع الطبيب الذي ذكره ابن الأبار القضاعي وهو ابن جوريول البلنسي، بالإضافة إلى ما تعلمه من كتب أبقراط وجاليونس، وقد كتب حول أعمالهم سبعة شروحات.

كما يشير إلى انعكاس معرفته الطبية في مؤلفه الشهير «كتاب الكليات في الطب» وله مخطوطات في كل من غرناطة وليننجراد، يأتي في سطوره الأولى قول ابن رشد: «سألني السيد الأجل أودلاج سيمبسي بأمر من أمير المؤمنين ببلاد المغرب أن أضع كتابا في الطب يتضمن جميع موضوعات هذه الصناعة وكان قد أشار عليه بذلك الحكيمان أبوفايت وأوينجاليت فيودر إلى امتثال رأيه العالي ومقصده الشريف فشرعت في جمع الأقاويل المثبتة في كتب الأوائل من الأطباء».

ويستعرض خوان باتشيكو جانبا واسعًا من مؤلفات ومعارف ابن رشد الطبية، ثم يقول: «يمكننا أن نقول عن ابن سينا إنه كان طبيبا بالإضافة لكونه فيلسوفا. كما يمكن أن نقول عن ابن رشد أنه كان طبيبا رغم كونه فيلسوفا. يعتبر «الكليات» نموذجا على جهد هائل لتثبيت إرث فلسفي طبي سابق في فكره توجته «الفيزياء» الأرسطية.

ابن رشد كابن رشد

وفي الفصل المعنون بابن رشد كابن رشد يتناول المؤلف عددا من القضايا الفكرية الرئيسة لدى ابن رشد والتي عبر عنها في مؤلفاته التي خرجت عن إطار الشروح والتعليقات ويخص بالتفصيل والشرح ثلاثة منها وهي «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال»، الذي يشرح فيه ابن رشد ما يجب فعله عندما يكون النص الحرفي متناقضا مع البرهان الفلسفي، وهو التأويل المناسب، و«الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة»، الذي يضمنه ملاحظاته على ما روج له الناس من أنواع النزاعات التي أدت إلى طوائف وفرق متعارضة بشكل متبادل، و«تهافت التهافت» الذي ضمنه تعقيبه المفصل على الإمام الغزالي فيما ذهب إليه من تكفير الفلاسفة في كتابه «تهافت الفلاسفة».

كتاب مهم في أطروحاته، كاشف لجذور العقلانية العربية بشكل مستفيض وبأسلوب استهدف السلاسة بقدر الإمكان رغم صعوبة ما يطرحه، ويبدو لي أن تناول الإسبان به شيء مختلف قليلا، مقارنة من التناول الفرنسي مثلا، رغم أن أثر ابن رشد الأوروبي متماثل في أرجاء أوروبا، غير أن انتماء ابن رشد الأندلسي الإسباني له دور ما في طبيعة تناول المفكرين الإسبان باعتبار فكره هو جزء من إرث ثقافي يخص إسبانيا كما يخص الثقافة العربية.

والكاتب، وهو مستعرب يدرس الفكر الإسلامي وتاريخ المغرب العربي في جامعة إشبيلية، يستشهد برغبة ابن رشد في أن يُدفن في قرطبة التي يهواها، محيلًا على مقولة ذائعة لكاتب إسباني يدعى «خواكين رومبرو موروبي» الذي يقول: (لو جاءني الموت في قرطبة وسكينتها فمن حسن طالعي)، وهي الوصية التي حرص أبناء الإمام ابن رشد على تنفيذها، رغم دفنه لأول مرة في مراكش استجابة لأمر المنصور، لكن بعد وفاة الأخير تم نقل الرفات إلى مقابر عائلة ابن رشد في قرطبة.

جهد لافت أيضا بذله المترجم أحمد عبد اللطيف، خصوصا وأن الكتاب يتناول مسائل عديدة عويصة ومركبة في مفاهيم الفلسفة الإسلامية والغربية. وإن كنت لاحظت بعض الهنات في بعض التواريخ الخاصة بوفاة أو ميلاد الأعلام المذكورة في الكتاب، كما كنت أتمنى أن يضم الكتاب بعض الهوامش للمترجم لشرح بعض ما قد لا يكون مألوفًا لمن لا يعرف الكثير عن تاريخ الأندلس الفكري وأعلامه من القراء.    

إبراهيم فرغلي كاتب وروائي