المنطقة التي تنسى دروس تاريخها
الاثنين / 5 / رمضان / 1447 هـ - 22:19 - الاثنين 23 فبراير 2026 22:19
لا تملك المنطقة من الذاكرة ما يعينها على استدعاء التاريخ لقراءة اللحظة الآنية بمرجعيات رصينة. عند كل عقبة أو تحدٍ نبدأ من العتبات الأولى وكأننا لم نرَ مثل هذا المشهد من قبل. خاض العراق حربا طاحة مع إيران من أجل شط العرب لكن صدام حسين عاد في أغسطس 1990 بعد سنتين من توقف الحرب، وفي خضم أزمة غزو الكويت، إلى إعلان التزامه بالعودة إلى اتفاق الجزائر الموقع في عام 1975 الذي يقسم شط العرب وفق خط المنتصف الملاحي. وغزا عراق صدام حسين الكويت في مشهد أطلقت فيه رصاصة الرحمة على مشروع الوحدة العربية. مزقت الحرب العراق قبل الكويت، وقسمت العرب إلى فريقين ظاهرين وفرق كثيرة مختبئة تحت تصريحاتها ومواقفها غير المعلنة. لكن أحدا لم يقرأ العبر، ولم يدون في دفتر صغير لماذا جرى ما جرى، وكيف يمكن أن يمنع ما جرى أن يجري مرة أخرى. ظن العرب أن التحرير أنهى المشكلة، وأن تدمير العراق لاحقا من شأنه أن يمنع تكرار الأمر في المستقبل.
وجرت مياه كثيرة في النهر وفي شط العرب وأخذت معها أي وعي صنعته اللحظة وقسوتها وبين حين وآخر نعود لإرهاصات الماضي الذي صنع هذه اللحظة العربية المؤلمة وكأننا ننفخ في رمادها على أمل أن يشعل اللحظة لحرق ماضيها وحاضرها. لكنّ المشاكل لا تواجه بهذه الطريقة. والماضي إن لم يكن صفحة نستمد منها العبر ونستدعي ما راكمته من وعي فلا قيمة له. تحتاج المنطقة أن تستدعي تاريخها لترى نفسها في مرآته لا أن تستمد منه الذخائر والمدافع.
وخلافات هذه المنطقة مثل حروبها تحمل في أصلها لحظة كان يمكن احتواؤها.. وما أكثر ما يمكن احتواؤه بين الأخ وأخيه وبين العربي والعربي. فلا يجدع المنتصر في هذه الحروب إلا أنفه كما يقول المثل العربي. والحوار القائم على منطق العقل وقراءة التاريخ يحمي الجميع لاحقا عن خطاب «التنازل» و«الضعف» و«الاصطفاف». لا أحد يدعو إلى رسم الحدود بين الدول كما كانت ترسم بين القبائل في الماضي عبر رسم خط فوق الرمال، ولكن فرص الحوار أكبر بكثير من فرص التهديد، والاحتكام للقانون أهم بكثير من التمترس وراء القوة. ولو تمهل الجميع لعرفوا تماما ماذا فعلت موازين القوة بالمنطقة طوال العقود الأربعة الماضية.
تجاوز الكويتيون في العقدين الأخيرين تفاصيل المأساة التي مروا بها ومرت بها بلادهم وعادوا إلى رسم خطوط المحبة بينهم وبين العراق، وهذه الخطوط لا يجب أن تقطع أو تكدر، فهي خطوط حقيقية مبنية على مرجعيات تاريخية ووشائج اجتماعية ومعادلات استقرار. وكلها تفاصيل تستحق أن يقدم الجميع من أجلها تسويات على منطق القانون. وأهم تنازل تحتاجه المنطقة اليوم هو العودة خطوة والجلوس على طاولة الحوار. وتحكيم العقل، وفتح نقاش يفضي إلى تجاوز كل الخلافات، فلا أحد يبحث عن بقعة صراع جديدة مهما كانت صغيرة. والرابح الأكبر هو من يستطيع منع كرة الثلج من أن تكبر وهي تتدحرج بغض النظر أين يكون مسار وجهتها.
لا يريد العراق ولا الكويت أن تفتح صفحة التاريخ لتخرج منه الثارات، هذه لحظة قراءة التاريخ لتحكيم ما تراكم فيه من عقل وحكمة. ومن يقرأ تاريخ المنطقة بجدية يدرك أن ما يُسمّى «تفاصيل صغيرة» هو غالبا الاسم الأول للحرب.. والذكاء هنا، أن تدار هذه التفاصيل الصغيرة قبل أن تتضخم. وهذا دور المنطقة كلها، دول الخليج بشكل خاص، فهي معنية مجتمعة بإدارة هذه التفاصيل الصغيرة قبل أن تذهب إلى مكان لا يريده أحد، حتى لو مجرد رسائل دبلوماسية.
لا أحد يطلب من الدول أن تتنازل عن حقوقها، المطلوب أن تُدار الحقوق بمنطق الدولة وبمنطق القانون وبمنطق الجوار. وأن يُقدّم الأمن الجماعي على المكاسب اللحظية في الداخل، وأن يُفتح باب الوساطة قبل أن يفرضه الواقع بعد أن تتعقد الكلفة.
عاشت المنطقة ما يكفي من الصراعات وفهمت، هذا ما يفترض، أن الحروب لا تمنح السيادة أبدا بل تعقدها مع الوقت وبعد الكثير من الخسائر والأثمان. وإذا كان التاريخ قد مرّ من هنا بهذا الثقل، فالأقل كلفة أن نستدعيه مرة واحدة كي لا نُستدعى إليه مرة أخرى، لكن بفاتورة أعلى وبجراح أعمق.