هل تملك قرارات واشنطن مفاتيح الاستقرار المستدام في غزة؟
إدارة تكنوقراط وممر مائي..
الاثنين / 5 / رمضان / 1447 هـ - 20:18 - الاثنين 23 فبراير 2026 20:18
باهتمام بالغ، تابع سكان قطاع غزة نتائج وقرارات مجلس السلام الذي اختتم اجتماعاته في واشنطن في 19 فبراير 2026، وسط حالة من الترقب المشوب بالأمل. لم يكن الحدث عابرًا في وجدان الغزيين، بل بدا وكأنه مفترق طرق جديد في مسار حرب امتدت لأكثر من عامين، أنهكت البشر والحجر، ودفعت المجتمع إلى حافة الانهيار الإنساني.
على امتداد القطاع، من شماله المثخن بالخراب إلى جنوبه المكتظ بالخيام، تسود في الشارع حالة من التفاؤل الحذر. الناس الذين أنهكتهم المجازر، وخبروا النزوح المتكرر، واصطفوا لساعات طويلة من أجل الماء والخبز، ينظرون إلى أي تحرك سياسي باعتباره فرصة أخيرة لالتقاط أنفاسهم. هم لا ينتظرون بيانات دبلوماسية، بل خطوات ملموسة تعيد إليهم الحد الأدنى من الحياة الطبيعية.
بعد أكثر من عامين على الحرب، تبدو غزة كمدينة خرجت من زلزال طويل. دمار واسع طال البنية التحتية، أحياء بأكملها مسحت من الخريطة، ومستشفيات ومدارس تحولت إلى أطلال. مئات الآلاف من السكان يعيشون في خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، في ظل نقص حاد في المياه والكهرباء والخدمات الصحية. في هذا السياق، جاءت قرارات المجلس لتوقظ أملًا طال انتظاره.
غير أن التفاؤل لا ينفصل عن الحذر. فالتجارب السابقة علمت الغزيين أن الفجوة بين الإعلان والتنفيذ قد تكون واسعة، حتى في ظل وجود جداول زمنية واضحة. ورغم أن مجلس السلام أقر آليات تنفيذ محددة وجدولًا زمنيًا للانتقال إلى المرحلة الثانية، فإن العبرة –في نظر السكان– ليست في النصوص المعلنة، بل في قدرتها على الصمود أمام التعقيدات الميدانية. لذلك ينعقد الأمل اليوم على التزام فعلي بهذه الآليات، يفضي إلى انتقال حقيقي يعالج تداعيات الأزمة الإنسانية، ويمهد لانسحاب إسرائيلي كامل من أراضي القطاع.
ما ينتظره المواطنون ليس مجرد وقف إطلاق نار هش، بل مسارًا سياسيًا متكاملًا يضمن إعادة الإعمار، وعودة الحياة الاقتصادية، واستعادة الشعور بالأمان. فالغزيون يدركون أن إعادة بناء الحجر لا تنفصل عن إعادة بناء السياسة، وأن أي خطة لا تمس جذور الصراع قد تتحول إلى محطة مؤقتة في حرب مفتوحة.
بين هذه التطلعات، يقف مجلس السلام أمام اختبار حقيقي: هل سيكون منصة تنفيذية تقود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، أم أن قراراته ستظل حبيسة الأوراق، عاجزة عن تغيير الواقع الميداني؟
خارطة طريق
في 19 فبراير 2026، أعلن مجلس السلام من واشنطن اختتام سلسلة اجتماعاته بإقرار «خارطة طريق» شاملة لقطاع غزة، تهدف –وفق البيان الختامي– إلى نقل القطاع من مرحلة إدارة الأزمة إلى الاستقرار المستدام. الإعلان جاء بصيغة طموحة، تؤكد الانتقال من المعالجة الطارئة إلى إعادة بناء شاملة.
تضمنت القرارات تدشين خطة «الانتقال المدني»، التي تقضي بتسليم إدارة شؤون الحياة اليومية لهيئة تكنوقراطية مدعومة دوليًا، على أن تتولى هذه الهيئة إدارة الخدمات الأساسية، من صحة وتعليم وبنية تحتية، بعيدًا عن التجاذبات السياسية. كما نصت الخطة على تفعيل جهاز شرطة مدني محلي لضمان الأمن الداخلي، في إطار فصل الإدارة المدنية عن التجاذب العسكري.
وفي موازاة ذلك، أُعلن عن إطلاق «صندوق إعمار غزة المستدام»، الذي سيبدأ فورًا في تمويل مشاريع حيوية في مجالات الطاقة والمياه وإعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي والطرق. كما تعهد المجلس بالعمل على تحرير حركة تدفق مواد البناء عبر المعابر، باعتبارها شرطًا أساسيًا لأي عملية إعمار جدية.
على الصعيد الاقتصادي، اعتمد المجلس بروتوكول التشغيل النهائي لـ «الممر المائي الدولي» الذي سيربط القطاع بالأسواق العالمية، في خطوة وُصفت بأنها تاريخية، إلى جانب الشروع في إنشاء منطقة صناعية حدودية كبرى لتوفير آلاف فرص العمل للشباب الفلسطيني، في محاولة لامتصاص البطالة المرتفعة.
واختتم المجلس قراراته بالتأكيد على أن هذه الخطوات تمثل ركيزة لمسار سياسي أوسع، يهدف إلى دمج غزة في الاقتصاد الإقليمي، وتهيئة الأجواء لإجراء انتخابات تشريعية تضمن تمثيلًا سياسيًا مستقرًا للقطاع، ضمن جدول زمني محدد. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تسمح الوقائع الميدانية بتحويل هذه البنود إلى واقع؟
اختبار التنفيذ
سياسيًا، لا يمكن قراءة قرارات المجلس بمعزل عن السياق الأوسع لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 10 أكتوبر 2025، والذي نص على مراحل متتالية، تبدأ بوقف العمليات العسكرية، ثم الانتقال إلى ترتيبات سياسية وأمنية تمهد لإعادة الإعمار. المرحلة الثانية من الاتفاق كانت دائمًا العقدة الأصعب، لأنها تمس قضايا السيادة والإدارة والانسحاب.
هنا يتقاطع المسار الإنساني مع السياسي. فخطة «الانتقال المدني» ليست مجرد ترتيبات إدارية، بل تعبير عن تصور سياسي جديد لإدارة غزة. كما أن «الممر المائي الدولي» والمنطقة الصناعية لا يمكن عزلهما عن الترتيبات الأمنية والرقابة الإسرائيلية على المعابر.
في هذا السياق، يبرز السؤال المركزي: هل يمتلك مجلس السلام أدوات الضغط الكافية لفرض تنفيذ قراراته؟ وهل يمكن أن يقود فعليًا المرحلة الثانية من الاتفاق، أم أن مصير هذه القرارات سيتوقف على التوازنات الإقليمية والدولية، وعلى مدى استعداد إسرائيل للانخراط في مسار سياسي حقيقي؟
هذه الأسئلة كانت محور حديث الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني سفيان صيام، الذي يرى أن نجاح المجلس لا يُقاس ببلاغة بياناته، بل بقدرته على الاستجابة للمتطلبات الفلسطينية، الإنسانية والسياسية على حد سواء.
المعادلة الصعبة
يقول سفيان صيام إن مجلس السلام «شُكّل بناءً على طموحات شخصية لرئيس أقوى دولة في العالم»، في إشارة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مضيفًا أن البعض قد يربط نجاح المجلس بمدى قدرته على فرض سياساته على الأطراف المختلفة. لكنه يستدرك بالقول إن المعيار الحقيقي لنجاح المجلس هو «مدى استجابته للمتطلبات الفلسطينية».
ويؤكد صيام لـ«عُمان» أن القضية الفلسطينية «سياسية بالدرجة الأولى»، وأن أي مدخل إنساني لمعالجة آثار الحرب، مهما كان ضروريًا، لا يمكن أن يحقق الاستقرار ما لم يتكامل مع مسار سياسي يعيد للشعب الفلسطيني حقوقه، وفي مقدمتها حقه في الدولة وتقرير المصير.
ويشير إلى أن إعادة الإعمار مطلب ملح لكل فلسطيني، قائلًا: «أنا شخصيًا خسرت بيتي وأملاكي جميعها، ولا يوجد أي مانع لدينا أن يبدأ الإعمار فورًا». لكنه يلفت إلى أن «التحفظات الإسرائيلية تمثل المعوق الأبرز» أمام أي عملية إعادة بناء حقيقية، ما لم يمارس المجلس ضغطًا جادًا على الجانب الإسرائيلي.
ويضيف أن الحرب «لم تتوقف فعليًا حتى بعد الهدنة الموقعة في 10 أكتوبر 2025»، موضحًا أن وتيرتها ربما تغيرت، لكن «هناك تجاوزات واعتداءات وقصف وعمليات اغتيال وتوغلات»، وهو ما يعني –برأيه– أن وقف إطلاق النار لم يتحول بعد إلى سلام فعلي.
ومن هنا، يطالب صيام الوسطاء ومجلس السلام بأن يمارسوا ضغطًا حقيقيًا لوقف «مسلسل القتل والعدوان»، معتبرًا أن أي خطة سياسية أو اقتصادية ستبقى هشة إذا لم يُثبت أولًا وقف شامل ودائم للعمليات العسكرية.
ويرى أن قبول الفلسطينيين بالمبادرات المطروحة جاء «على سبيل الاضطرار والحاجة لوقف الدم»، بعد مستوى غير مسبوق من الإبادة طال البشر والحجر، مؤكدًا أن إنهاء الحرب «بأي ثمن» بات أولوية وجودية للمجتمع الفلسطيني.
ويختم بالقول إن المجلس يمكن أن يشكل فرصة إذا قاد إلى «مسار سياسي يعيد القضية الفلسطينية إلى قطار التسوية على قواعد الشرعية الدولية»، ويحقق معادلة «سلاح واحد، سلطة واحدة، دولة واحدة وعاصمتها القدس الشريف». لكنه يعترف بأنه لا يملك إجابة قاطعة بشأن قدرة القوات الدولية أو الآليات المقترحة على كبح «الغرور والعربدة الإسرائيلية»، مستشهدًا بتجارب دولية سابقة لم توفر حماية حقيقية للشعوب.
اختبار الجدية
من جانبه، يرى المحلل السياسي الفلسطيني عاهد فروانة أن قرارات مجلس السلام تحمل عناصر قوة، لكنها تصطدم بتحديات واقعية معقدة. ويقول إن «خارطة الطريق تبدو متكاملة على الورق، غير أن التجربة الفلسطينية علمتنا أن التنفيذ هو الحلقة الأضعف».
ويشير فروانة إلى أن خطة «الانتقال المدني» قد تشكل فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، شريطة أن تحظى بإجماع وطني واسع، وألا تُفهم بوصفها صيغة إقصاء لأي طرف. فبرأيه، الاستقرار الإداري لا يمكن أن يتحقق دون توافق سياسي شامل.
ويضيف لـ«عُمان» أن «صندوق إعمار غزة المستدام» قد يفتح نافذة أمل اقتصادية، لكن تدفق الأموال وحده لا يكفي إذا بقيت المعابر خاضعة لقيود مشددة. ويؤكد أن تحرير حركة مواد البناء هو الاختبار العملي الأول لجدية المجلس.
ويخلص فروانة إلى أن المجلس قادر نظريًا على قيادة المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، «إذا امتلك الإرادة السياسية لمواجهة التعنت الإسرائيلي»، أما إذا اكتفى بإدارة الأزمة دون معالجة جذورها، فإن قراراته قد تتحول إلى إطار شكلي لا يغير ميزان الواقع.
السلام الاقتصادي
أما المحلل السياسي الفلسطيني إياد جودة فيقدم قراءة أكثر حذرًا. فهو يرى أن إدماج غزة في الاقتصاد الإقليمي عبر «الممر المائي الدولي» والمنطقة الصناعية قد يخلق ديناميات جديدة، لكنه يحذر من اختزال القضية في بعدها الاقتصادي.
ويقول جودة لـ«عُمان» إن «السلام الاقتصادي لا يمكن أن يكون بديلًا عن الحل السياسي»، مشددًا على أن أي استقرار مستدام يتطلب إنهاء الاحتلال وترتيبات سيادية واضحة، لا مجرد تحسين شروط المعيشة.
كما يشير إلى أن تحديد جدول زمني لانتخابات تشريعية يمثل خطوة مهمة، لكنه يتساءل عن البيئة السياسية والأمنية التي ستُجرى فيها هذه الانتخابات، في ظل استمرار التوترات والانقسامات.
ويختتم جودة بالقول إن مجلس السلام يقف أمام خيارين: إما أن يتحول إلى منصة ضغط دولية تفرض تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، أو أن يبقى إطارًا استشاريًا تُقيّده حسابات القوى الكبرى، فتتآكل قراراته تدريجيًا أمام تعقيدات الميدان.
مفترق حاسم
بين التفاؤل الشعبي والحذر السياسي، يبدو أن مجلس السلام أمام لحظة اختبار تاريخية. فغزة التي أنهكتها الحرب لا تملك ترف الانتظار طويلًا، ولا قدرة على تحمل جولة جديدة من الوعود غير المنجزة.
نجاح المجلس في قيادة المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار لن يُقاس بعدد الخطط المعلنة، بل بمدى قدرته على تثبيت وقف دائم لإطلاق النار، وفتح المعابر، وإطلاق إعمار فعلي، وتهيئة مسار سياسي يعيد الاعتبار لحقوق الفلسطينيين.
أما إذا تعثرت هذه الخطوات، وبقيت المعوقات الإسرائيلية قائمة دون ضغط فعلي، فإن قرارات 19 فبراير قد تنضم إلى أرشيف المبادرات الدولية التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ. وفي غزة، التي اعتادت أن تُختبر على وقع النار، سيكون الحكم النهائي بيد الواقع لا النصوص.