الشاعر
الاثنين / 5 / رمضان / 1447 هـ - 20:10 - الاثنين 23 فبراير 2026 20:10
برزت قيمة الشاعر عند العرب منذ القدم، ونال الأهمية الكبيرة من الشعر الذي يرسله مدافعا عن قبيلته، فكان الشاعر لسانها المدافع عنها بين القبائل، إضافة إلى كونه الحالم الرومانسي، والثائر المتمرد، والمنعزل الحزين، فهو صوت مضطرب في تناوله الشعري. في هذا المقال نقف على صورة الشاعر كما هي عند نماذج من الشعراء العمانيين، في رؤيتهم للشاعر ونصه الشعري، وهي رؤية تقدّم انطباعا متخيّلا لما يسكننا عن هذا الإنسان/ المبدع في رؤية وتماهيه مع الأشياء.
في قصيدته (الشاعر والخرساء والشمس) ضمن مجموعته (كلما ظهر ملاك في القلعة) يقدّم زاهر الغافري إهداء نصه (إلى سركون بولص في حانة -Malmo)، مخاطبا من خلالها الشاعر في انزياحات المكان الذي جمع الشاعر والكلمة والصورة، فيضيق المكان في عين الشاعر، وتضيق الاتجاهات، ويبقى الشاعر خلالها متنقّلا باحثا عن المجهول، هكذا ينفتح النص في أوله، فالمسافة بين خطوة الشاعر والمكان مجهولة ومظلمة، فالحياة والمكان/ الحانة يصطبغان بلون واحد:
الإشارات تتبع الشاعر
إلى عمق الحانة
يمشي كأنه يجوس خريطة العالم
حيث ستقوده خطواته
إلى تلك النقطة،
إلى ذلك المكان
ليكتشف مجددا مظالم الحياة.
يحاول الشاعر إقامة علاقة وطيدة مع المكان، فالحانة تضم حدثا مهما، والمرأة الخرساء توظّف لحظتها في المكان وصولا إلى ذات الشاعر الذي يصف الاثنين معا في مشهد مظلم. إنّ للمكان سطوة وقوة هنا، فالحانة ليست فضاء عابرا في ذاكرة الشاعر، إنه مخيلة ينطلق منها النص، فيتمدد التعبير شاملا المرأة التي بدورها شخصا مهما في التعبير النصي كما هي في المكان، هنا لا يخلو النص من تفاعلات دلالية تنقل النص من الظلام إلى التفاؤل وتعيده مرة أخرى إلى الظلام.
وينقل علي المخمري صورة الشاعر في مجموعته (نفاث)، مستخدما ضمير المتكلم (أنا الشاعر) معبّرا عن صورة تحمل الكثير من دلالات الوحدة (سأبقى وحيدا)، ودلالات العزلة (سأبقى في بحار لم أعهدها وغابات)، ودلالات المعاناة التي يعيشها في هذه الحياة (كصنوبرة تتحدى منشار الحياة الكهربائي).
تتمثل معاناة الشاعر في توليد الدلالات، وابتكار الحروف والمعاني. إنّ صورة الشاعر التي يعبّر عنها المخمري هي معاناة الكاتب مع نفسه أو مع إبداعه، إنها مهمة تتكشف عن معاناة حقيقية لحظة الإبداع والكتابة، فالطريق وعرة، ورغم وعورتها فإن الشاعر يشقها باحثا عن إبداع شعري فيها. يقول المخمري مستعيدا تلك الصورة:
أنا الشاعر
سأستعيد أنفاسي
من رغوة موجةٍ محتضرة
من رميم شجرةٍ نَخَرها الدود
أنا الشاعر
سأبقى وحيدا..
كصنوبرة تتحدى منشار الحياة الكهربائي
أنا الشاعر
رغم كل شيء
سأبقى
في بحار لم أعهدها
وغابات لم أتمرس وحوشها
من أجل حرفٍ بكر صغير
ينطق به بدائي أخرق
مثلي.
ويستحضر إسحاق الخنجري في مجموعته (خديعة قوس قزح) الشاعر الإسباني لوركا في خطاب يملؤه العتاب في صورة عميقة متخيلة يوازن فيها بين الطبيعة وبين الحسرة. ينحت الخنجري من فلسفته المتطلعة إلى الأشياء صورة للشاعر في علاقاته البسيطة بالحياة، فما الذي يرمز له الشاعر بالبحر والعاصفة في علاقتهما بالشاعر؟ وهل القصيدة صورة أخرى للموت الذي يغلّف روح الشعراء كما هو لوركا:
لو أنك توقفت قليلا
عن مراودة البحر
لأدركت ما تخبئه الأيام
من جراح الأقاصي
ولم تغرق في العاصفة
لسوء الحظ كنت واحدا
من الذين أسرفوا في الظمأ
محملا بما لا يحصى
من خطايا العالم
وأسئلة الأرواح الهادرة.
وكما استدعى الخنجري لوركا، فإن زاهر الغافري في مجموعته (في كل أرض بئر تحلم بالحديقة) استدعى المتنبي في نص شعري يُضمر في خطابه محطات مرَّت بذاكرة الشاعر، محطات انبنى عليها تاريخ المتنبي الشعري، فالمتنبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس هو صورة أخرى في ذاكرة الغافري، صورة اقترنت بالأحلام التي عاشها، وبالوعود التي تلقّاها، وبالشعر الذي ظل شاهدا على غربة شاعر بين قومه:
وكيف إذن تسكن تحت الدرج
وتحارب الدنيا
ومن أين لك هذه الأحلام
حين قربت الكون إلى دير العاقول
كأن حياتك تُستضاء حتى يدور،
مرارا. يدور بلا توقف إصبع الخليقة
يا فتى الفتيان
ضفافك مهجورة في هذه الأيام
والريح ثقيلة على الأكتاف
والمواعيد ذهبت إلى أطيافها
الشعرة أيضا بحاجة إلى مفرق.
كل النماذج السابقة في الكتابة عن الشاعر هي نماذج متأزمة في لغتها، تناولت الشاعر كونه إنسانا يعيش لحظات الغربة والاغتراب، مسكونا بالوحدة والألم والحزن، تفجعه الكلمة وتقصيه أيضا؛ لذا فإن هذه النماذج في لغتها كانت مسكونة بالحنين إلى الذاكرة الشعرية والبكاء على أطلال الشاعر.
إلا أن إبراهيم سعيد في مجموعته (أنت الكتاب وأنا القارئ) يصنع للشاعر صورة عظيمة، فهو مُخلّص العالم من آلامه وأوجاعه في دلالة إلى أن الشاعر هو الحياة وهو النور الذي ينير درب الكون، وهي صورة مغايرة لما رسمها الشعراء قبل ذلك. تأتي صورة الشاعر كونه بطلا، مخلّصا البشرية من آلامها، فعدا أنه حامل لواء الشعر وراسم خرائطه الشعرية فهو أيضا القائد الذي يلجأ إليه الناس وقت أزمتهم، ترد الأفعال (تعال أنقذنا، أعطنا) دالة على ذلك، يقول:
يأتي زمان يستنجد فيه العالم بالشاعر:
تعال أنقذنا من الخوف
خلصنا من الظنون والشكوك والوحشة
أعطنا معنى نعيش به.
ينهض الشاعر ويشعل قلبه في كلماته
تتقد شعلة شعرية
تضاء بحار سعيدة
وموانئ بفنارات موسيقية
حقول تتنفس بهجة
وورود تلبس ثياب الحياة
والحياة ترقص كالعرائس الحقيقية.
والموت هو نحن أنفسنا
ونحن الحياة نفسها
ولكننا لم ندرك ذلك إلا في نور تلك الشعلة.
يذهل العالم عن نفسه
يذهل الشاعر عن قصيدته
وتنطلق هي
كفرس أسطورية
حُلّت من عقالها نحو الأبدية.
إضافة إلى ذلك فإن لغة الشعر تقترن برومانسية عذبة في اقترانها بالشاعر، إذ إن إبراهيم سعيد لا ينس الدور الشاعري والجمالي الذي تنبني عليه قصيدة الشعراء، وهي الجمال والعاطفة، وهنا يقترب من مواطن الجمال جاعلا من الشاعر صورة جمالية رومانسية، نختم هذا المقال بما كتبه عن الشاعر قائلا:
علي أن أشكر القمر
منذ جالسته
عرفت روعة الحب
غامرت معه بين أحضان الحبيبات
اللواتي تشع عطورهن قصائد عشق عذبة
تتلألأ كالذهب في أعماق الأنهار واللآلئ في البحار.
علي أن أشكر القمر
جعلني شاعرا.