روضة الصائم

فتاوى :يجيب عنها فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان

 

في قوله تعالى: «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً»، ما هي العوامل التي تتسبب في حصول هذه القسوة؟ وكيف يمكن أن يُستثمر شهر رمضان في علاج القلوب من هذه القسوة أيضًا؟

أولًا لننظر في هذا السياق الذي ورد فيه قوله تبارك وتعالى في خطاب بني إسرائيل: «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً»، هذا في سياق إعراضهم عن التفكر فيما نصبه الله تبارك وتعالى لهم من آيات، فنخلص إلى أن في صدارة ما يورث قسوة القلوب والعياذ بالله الإعراض عن التفكر في آيات الله تعالى.

وأيضًا فيما قصه لنا القرآن الكريم من أخبار بني إسرائيل نجد أن أوضح سبب أورثهم قسوة القلوب نقضهم للعهود والمواثيق التي أخذها الله تبارك وتعالى عليهم، ومن أجل ذلك فإن نقض عهود الإيمان والتدين والعبودية لله تبارك وتعالى بترك ما أمر الله عز وجل به أو إتيان ما نهى عنه هي من أظهر الأسباب المفضية إلى قسوة القلوب والعياذ بالله.

إذًا الآن عندنا سببان الأول، هو الإعراض عن التفكر في آيات الله تبارك وتعالى وما نصبه جل وعلا من آيات وعلامات على وحدانيته وعلى ربوبيته واستحقاقه جل وعلا وحده لا شريك له للعبادة، وما نصبه من آيات وعلامات على قدرته جل وعلا على ما أعده لعباده في الآخرة.

ثم السبب الثاني، هو نقض العهود والمواثيق، وهذا يشمل كما قلت ارتكاب ما حرم الله عز وجل، إتيان المحرمات، ويشمل ترك ما أمر الله عز وجل به من الواجبات، ولا يقتصر هذا على بني إسرائيل، نعم، فهذا مما يتصل بالإيمان والعقائد، فلا يختلف من أمة رسول إلى غيرها.

وسبب آخر أيضًا نجده في كتاب الله تبارك وتعالى وهو الإعراض عن ذكر الله عز وجل، فالله تعالى يقول: «أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ»، فالإعراض عن ذكر الله تبارك وتعالى يورث قسوة في القلوب، ولذلك نجد أن الله تبارك وتعالى يصف عباده المؤمنين بأنهم يذكرون الله، قال: «وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ»، وقال: «الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»، فإذا من أعظم أسباب قسوة القلوب الإعراض عن ذكر الله تبارك وتعالى، إذ المطلوب من المؤمن أن يحيي قلبه بذكر الله عز وجل بأنواع الذكر.

ومن أجل ذلك أيضًا نجد في القرآن الكريم أن الصلاة نفسها إنما تقام لأجل ذكر الله عز وجل: «وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي»، فسبيل ترقيق قلوب المؤمن وتعليق هذا القلب بالله تبارك وتعالى واليوم الآخر، وإضفاء معاني الإيمان والخشوع والتبتل لله عز وجل والخضوع له وقبول هداياته إنما يكون بالإكثار من ذكر الله تبارك وتعالى.

تقدم في السبب الثاني أن إتيان المحرمات سبب لقسوة القلوب، وهذا أيضًا نجده في القرآن الكريم في أكثر من موضع منه، منها قوله عز وجل: كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، فهذا الران الذي يغشى القلوب حينما تخالف أمر الله عز وجل وتنتهك حرماته فإنه ينكت في هذا القلب نكتة سوداء حتى يعلو الران هذه القلوب التي أوغلت في إتيان المعاصي وارتكاب المحظورات.

وفيما يتعلق بذكر الله عز وجل كما تقدم فإن القرآن الكريم هو من أعظم وسائل ذكر الله تبارك وتعالى، ولهذا فإن الجزء الأخير من سؤاله: إذا أمعنا نحن النظر في أثر رمضان في اجتناب ما يورث قسوة القلوب، فإن كل المعاني، كل الأسباب المتقدمة لقسوة القلوب منفية بأداء الصيام إيمانًا واحتسابًا على الوجه الذي يرضي الله تبارك وتعالى، فإن الصيام ميثاق بين العبد وربه، لأنه عبودية خالصة لله جل وعلا، فإذا أدى العبد هذا الميثاق بأمانة وإخلاص وبحسن نية وامتثال لأمر الله تبارك وتعالى في صيامه فإن ذلك سبب موصل إلى إحياء هذه القلوب ونفي القسوة عنها.

ورمضان شهر القرآن، فحينما يأتي المسلم كتاب ربه جل وعلا تاليًا قارئًا مذاكرًا متدبرًا فإن ذلك يزيل عنه وحشة القلب وقسوته، ويصله بالله تبارك وتعالى، ويعظم في نفسه مولاه جل وعلا، ويدرك بما يقرؤه في كتاب الله عز وجل حقيقة هذه الحياة الدنيا والمنقلب الذي يؤول إليه.

وإذا تبتل ودعا ربه فإن دعاءه يحيي له قلبه ويعيد إليه بهاءه ويجعله موصولًا بالله تبارك وتعالى ومتعلقًا بمعالي الأمور، وإذا وصل غيره بصلة رحم أو بصدقة أو بجود أو بتفطير صائم فإن ذلك أيضًا مما يورثه التذلل والتواضع وحسن الخلق، وهي كلها من المعاني التي تزيل الموانع التي يمكن أن تحول بين المسلم وبين رقة القلب وصفائه من أمراض القلوب من الكبر والحسد والتباغض والعداوات، فإنه إذا تواضع لعباد الله عز وجل وبسط لهم خلقه وبسط لهم يده مما أنعم الله عز وجل عليه فإن في ذلك دربة بالغة يظهر أثرها على قلبه.

بعض الأبناء يقومون بحظر آبائهم في شبكات التواصل أحيانًا، يلغون متابعتهم، ويتصرفون معهم تصرفًا يكدر خاطرهم، فهو يقول: مثل هذه التصرفات هل تعد عقوقًا؟

الظاهر من وصف هذه الحالة أن هذا الأمر لا يحصل على سبيل المرة أو المرتين، وإنما هو مما اعتاده هؤلاء الأولاد، فهو الغالب في أحوالهم أنهم يقومون بمثل هذه التصرفات من حظر لآبائهم ومنع متابعتهم إياهم، وإن كان الحال كذلك فنعم، هذا من العقوق، إذ منزلة الوالدين عظيمة وحقوقهم على الأولاد كبيرة.

ولو درى الأولاد ما يعانيه الآباء والأمهات من حدب وعاطفة ومحبة بالغة وحرص على مصالح أولادهم لما فعلوا مثل هذه القطيعة، نعم، فيجب على الأولاد أن يقدروا آباءهم وأمهاتهم، وأن يوفروا لهم حقوقهم، وأن يكونوا بهم بارين، وبرهم يقتضي أن يطمئنوهم على أنفسهم وعلى أحوالهم وأوضاعهم، فليس من البر أن يحظروا آباءهم، بل هذا غاية في العقوق، وإنما هذا التصرف يكشف على أنهم يأتون ما يسخط آباءهم وأمهاتهم، نعم، وإلا فلا معنى لحظرهم ومنع متابعتهم إلا لأنهم يأتون ما يسخط آباءهم وأمهاتهم أو أنهم يأتون ما يستحيون من اطلاع الآباء والأمهات عليه.

لكن إن كان الحال كذلك، كيف يسمحون للغير من أصحاب وأصدقاء وأجانب قد لا يعرفونهم بمتابعتهم في هذا الذي يستحيون من أن يطلع عليه آباؤهم وأمهاتهم، هذا يكشف أيضًا عن سوء مسلك، وقد يكون علامة على انحراف، فعليهم أن يتوبوا إلى الله تبارك وتعالى، وأن يسلكوا السبيل المرضي لله تبارك وتعالى، الذي فيه أداء الحقوق لآبائهم وأمهاتهم، والذي فيه البر بهم، وأن يستعملوا هذه الوسائل فيما يعود عليهم بالخير والمصلحة، لا فيما يجلب عليهم سخط الله تبارك وتعالى.

وكم أسفت حينما بلغتني قصة عن جدة، مع اختلاف الحال، لكن أحفادها لا يتواصلون معها، لم يقوموا بحظرها، وهي امرأة كبيرة في السن، نعم، لكنها في يوم من الأيام طلبت من ابنتها أن تفتح لها حسابات في منصات التواصل الاجتماعي، فتسألها ابنتها: لما تريدين ذلك، فقالت: حتى أتابع أحفادي فأطمئن عليهم، لأنهم لا يتواصلون معي.

هذا جفاء صحيح وقطيعة، أن يصل الحال بالأمهات والجدة أم، والجد أب، بأنهم يتابعون أولادهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، فهل يمكن أن يقول أحد أو يزعم أحد بأن هذا من البر، وأن هذا من التماسك، وأن هذا من الصلة، لا ريب أن الجواب هو النفي، ولذلك هي كلمة للأولاد أن يعظموا ما عظمه الله عز وجل لهم من حقوق الآباء والأمهات، وأن يسلكوا الصراط السوي، وأن يأتوا من الأفعال والأقوال في وسائل التواصل الاجتماعي ما يفتخرون به، وما يرغبون في أن يطلع عليه الناس، ويجلب لهم رضا الله عز وجل، ويكون فيه خير ومصلحة لأنفسهم ولمجتمعهم ولوطنهم، نعم، أما مثل هذه المسالك فلا ريب أنها مسخطة لله تبارك وتعالى، والله المستعان.

إذا كان الإنسان قد وقف أرضًا لمسجد وأراد أن ينقلها إلى مسجد آخر أو إلى جهة أخرى، هل يصح هذا؟

لا يصح بعد ثبوت الوقف، فإن الواقف نفسه لا يملك أن يتصرف في هذا الوقف بعدما اكتسب شرعيته وصار وقفًا شرعيًا ثابتًا ناجزًا، فإن الواقف نفسه لا يملك تغيير جهة الموقوف عليه، نعم، ولا يستطيع أحد ذلك.

لو تعطلت غبطة هذا الوقف، فما عاد يحقق الغبطة منه والمقصود منه، ولا شك أن المقصود من الوقف هو الصدقة الجارية للواقف، والمنفعة والمصلحة للجهة الموقوف عليها، فإن انعدمت الجهة الموقوف عليها، فحينئذ يمكن أن يُنظر في الوجوه التي يمكن أن يُنقل إليها هذا الوقف، أي أن تُنقل إليها العوائد والغلة فيما تُجعل له.

لنأخذ على سبيل المثال وقف الرحى، كان منتشرًا في عُمان، يعني حجارة الرحى التي تُطحن بها الحبوب، ما عاد الناس اليوم يستعملونها، وهناك أوقاف كثيرة من هذا النوع، فهذه يمكن أن تُنقل إلى جهة أخرى مشابهة، أو أن تُجعل في الفقراء والمساكين، أو في منافع المجتمع إن لم تكن خاصة، أي إن الرحى أصلًا لم يكن ذلك الوقف خاصًا بالفقراء والمساكين، فأما أن تُغير الجهة الموقوف عليها في غير مثل هذه الصورة فلا يصح ذلك، والله تعالى أعلم.