رسائل تربوية من منهج الطالبين
سوانح تراثية
الاثنين / 5 / رمضان / 1447 هـ - 19:51 - الاثنين 23 فبراير 2026 19:51
كتاب «منهج الطالبين وبلاغ الراغبين» من الكتب المُطَوَّلة في علوم الشريعة، أَلَّفه الفقيه العالِم خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي أحد أعلام عُمان في القرن الحادي عشر الهجري. ويختلف منهج المؤلف عمَّن سبقه ومن عاصره بأنه يستخلص مادة كل باب ويقدمها بأسلوبه، متجردًا عن طريقة النقل الحرفي للمسائل التي اتبعها كثير من الفقهاء العمانيين. كما أنه ابتكر لفظ «القول» مكان «الباب» حتى يميز كتابه عن بقية الكتب، وفي ذلك يقول: «ووسمتُ هذا الكتاب بالأقوال مكان الأبواب، لئلا يشتبه بغيره من الكتب، لأني وجدت كثيرًا من الكتب قد ذهب أولها وآخرها، ولم تُعرَف أنها أي كتاب هي، ولا من أي تصنيف، فجعلتُ علامة لا يشبهها شيء من تصانيف أهل عمان».
في الجزء الأول من الكتاب توقفنا عند فصل من القول الثالث: «في أصناف العلماء ودرجاتهم وترغيبهم وتحذيرهم ومدح العلماء وما ينبغي تعليمه». يبعث المؤلف رسائل تربوية في هذا الفصل الذي عقده لما ينبغي للإنسان «إذا صار الإنسان بِحَدِّ من يعقل» فجعل ما ينبغي له أولًا في مرحلة ما قبل بلوغ الحلم أن يتعلم الطهارة، ثم أساسيات اللغة العربية، إذ ذهب إلى أن على القائم بتربيته «أن يدفعه إلى المعلم ليتعلم في صغره الحروف، ونسقها، ونسق كتابتها، ومعرفة ما ينقط منها، ومعرفة إعراب الكلام من: فتح، وكسر، وضم، وتسكين ومعرفة النون من غير النون من الحروف»، ثم معرفة أيام الأسبوع ونسقها، وهي: سبع: الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، والسبت.
ونرى أن ترتيب المؤلف لأيام الأسبوع من الأحد حتى السبت مطابق لما هو معمول به الآن بعد أن جُعِلت العطلة الأسبوعية يومي الجمعة والسبت. ثم بعدها في الترتيب تَعَلُّم عدد الشهور القمرية وأسمائها.
وقد جعل المؤلف تعلُّم القرآن بعد كل ما سبق في الترتيب، ابتداء بتعلُّم الفاتحة تلاوة وكتابة، ثم تعلُّم القرآن والكتابة إذ يقول: «فإذا حفظ الحمد تلاوة، وكتابة فليتعلم القرآن في الصغر، والكتابة؛ لينشأ على حب التعليم؛ إذا لازمه في الصغر، وآلفه صغيرًا؛ تمكن في قلبه، ولم يسبقه إليه شيء من أشغال الدنيا وهمومها»، واستثنى من لم يتيسر له تعلم القرآن كله أن له أن يتعلم السور التي لا بد له منها ليقرأها في الصلاة.
ثم انتقل المؤلف إلى ما ينبغي تعلُّمه عند مقاربة بلوغ الحلم من العناية الشخصية واللباس، ثم انتقل إلى معرفة ما يلزمه للحياة الزوجية، ثم أتبع ذلك بتعَلُّم ما يلزمه من فقه العبادات، والعقيدة.
وقد أعقب المؤلف تلك المراحل برسائل في شأن تعلُّم العلوم وصدَّرها بقوله: «فإذا عرف هذا واعتقد، فينبغي له أن يأخذ في تعلم فنون العلم، ويأخذ من كل فن من فنون العلم ما يحتاج إليه»، فجاء من بين العلوم: فرائض المواريث، ومعرفة الحساب والضرب، وعلوم اللغة العربية، يقول: «ولابد له من تعليم شيء من النحو لإصلاح المنطق، وفهم تمييز معني الكلام، وألفاظ القرآن الكريم، ومعرفة لغة العرب»، وعن الشعر العربي يقول: «وإن تيسر له فهم الشعر؛ فينبغي له أولًا ألا يتعرى منه؛ لأنه دليل على فهم المعاني، وصحيح اللغة، واستخراج المعاني الجليلة والمناقب العالية».
ثم انتهى إلى علوم أخرى منها علم الطب: «وينبغي له أن يتعلم شيئا من الطب، لما ينوب الإنسان من الملل التي تحدث به، لأن الإنسان محل الحوادث، والدواء مندوب...»، ومنها علم تعبير الأحلام، ثم ختم بقوله: «والعلوم كثيرة الضروب إلا أن من شأننا الاختصار في هذا الكتاب». والحق أن هذا الفصل ومثله فصل آخر من الكتاب في تعليم الصبيان حقيقة بالدراسة في الحقل التربوي وتاريخ التعليم في عمان.