روضة الصائم

شمال جبال الحقف في محافظة الوسطى

تاريخ عمان الجيولوجي

 

في ضواحي جبال محافظة الوسطى يستطيع المتأمل أن يقرأ فصول نشأة أرض عمان عبر العصور الجيولوجية المختلفة، حيث تتجاور الصخور القديمة مع السهول الصحراوية والهضاب المنبسطة في مشهد يختزن تاريخًا يمتد لمئات الملايين من السنين. وعلى جنبات هذه الهضاب وسفوحها يمكن رؤية أحافير كثيرة لكائنات عاشت في عمان خلال أزمنة سحيقة، لتبقى شاهدة على تعاقب البيئات وتبدل المناخات وتحرك القارات. ورغم ما تتسم به المنطقة اليوم من مناخ صحراوي قاحل وصعوبة في الوصول إلى بعض مواقعها، فإنها كانت ولا تزال محطة دائمة وقِبلة مميزة لأفواج متواصلة من الجيولوجيين الذين أدركوا مبكرًا قيمتها العلمية والجمالية، وعدّوها سجلًا مفتوحًا لتاريخ الأرض في هذه البقعة من الجزيرة العربية.


تبدأ رحلة التاريخ الجيولوجي في شمال جبال الحقف من صخور الجرانيت العائدة إلى حقبة الحياة السحيقة، وهي صخور نارية تمثل قاعدة الصفيحة العربية التي تشكلت نتيجة التحام كتل قارية صغيرة عبر عمليات تكتونية استمرت مئات ملايين السنين. وقد شكلت هذه الصخور الأساس البنيوي الذي تراكمت فوقه لاحقًا ترسيبات رسوبية متنوعة خلال حقبة الحياة القديمة. ويعكس وجود هذه القاعدة القديمة أن المنطقة كانت جزءًا من مراحل مبكرة في تشكل القارة العربية، حين كانت القارات في طور التجمع ضمن كتل عظمى ثم إعادة التباعد والانقسام.


وفوق هذه الصخور النارية ترسبت طبقات سميكة من الصخور الجيرية والرملية في عصور متعاقبة من حقبة الحياة القديمة، مشكّلة بيئات رسوبية تعكس وجود أنهار وسهول فيضية ومناطق منخفضة كانت تستقبل الرواسب المحمولة بالمياه. ومن أبرز ما تحتويه هذه الطبقات وجود أحافير جذوع أشجار صنوبرية يرجع عمرها إلى نحو 250 مليون عام. وتشير الدراسات الرسوبية واتجاهات التطبق إلى أن هذه الأشجار نمت على ضفاف أنهار كانت تجري باتجاه الشمال الغربي، في وقت كانت فيه عمان تقع جنوب خط الاستواء ضمن نطاق مناخي رطب يختلف جذريًا عن مناخها الحالي.


وقد كانت تلك الأنهار تجري بغزارة، حاملة معها جذوع الأشجار التي سقطت على ضفافها، لتُدفن سريعًا تحت طبقات من الرواسب الطينية والرملية، الأمر الذي ساعد على حفظها وتحجرها عبر الزمن. وكثيرًا ما تُشاهد هذه الجذوع مصطفة في اتجاه واحد، نتيجة سقوطها مع مجرى النهر الذي نمت على ضفافه. ويصل طول بعض هذه الجذوع المتحجرة إلى أكثر من 35 مترًا، مما يجعل هذا الموقع واحدًا من أكبر تجمعات الأشجار المتحجرة من هذا العمر الجيولوجي في العالم، وأكبرها على الإطلاق في الجزيرة العربية. وتمثل هذه الأحافير النباتية دليلًا واضحًا على أن المنطقة شهدت في الماضي بيئات نهرية خضراء تعج بالحياة.


ومع الانتقال إلى حقبة الحياة المتوسطة، تغيرت الظروف البيئية بصورة ملحوظة، إذ غمرت البحار أجزاء واسعة من محافظة الوسطى، وتحولت البيئات القارية إلى أحواض بحرية ضحلة ودافئة. وقد نتج عن ذلك ترسب طبقات متعاقبة من الصخور الجيرية، احتوت على تنوع كبير من الكائنات البحرية التي يمكن رؤية أحافيرها في مواقع متعددة من المحافظة. وتعكس هذه الطبقات استقرارًا نسبيًا في مستوى سطح البحر وازدهارًا للحياة البحرية خلال تلك الفترة.


ومن أبرز المواقع الأحفورية في هذه الحقبة موقع أحافير الروديست في تكوين سمحان، وهو تكوين جيري يبلغ عمره نحو 70 مليون عام. وتمتد الطبقة التي تحتوي على هذه المستحثات لمسافة تقارب 25 كيلومترًا في منطقة رملة غنيم بولاية محوت. وتمثل الروديست كائنات بحرية ثنائية الصدفة عاشت في بحار دافئة وضحلة، وكانت تشكل شعابًا ومجتمعات بيئية غنية في أواخر العصر الطباشيري. ويعد هذا الموقع من أجمل وأكمل مواقع تواجد هذا النوع من الأحافير في سلطنة عمان، بل ويصنف ضمن المواقع المميزة عالميًا من حيث وضوح المستحاثات وانتشارها.


إن التتابع الطبقي في شمال جبال الحقف، من صخور القاعدة النارية إلى الترسيبات النهرية ثم البحرية، يقدم صورة متكاملة لتحولات الأرض عبر الزمن الجيولوجي. فهو يوثق انتقال عمان من بيئة قارية رطبة تعبرها الأنهار إلى بيئة بحرية دافئة تعج بالكائنات البحرية. ومن خلال دراسة هذه الصخور وأحافيرها يمكن فهم حركة الصفائح التكتونية، وتغير المواقع الجغرافية، وتقلبات المناخ عبر العصور.


وهكذا فإن شمال جبال الحقف لا يمثل مجرد تضاريس صحراوية في قلب محافظة الوسطى، بل يعد أرشيفًا طبيعيًا مفتوحًا يحفظ في طبقاته قصة الأرض وتحولاتها الكبرى، ويؤكد أن هذه المنطقة تحتضن واحدًا من أهم السجلات الجيولوجية في سلطنة عمان، بما يجمعه من تنوع صخري وأحفوري فريد.