ثقافة

القافر.. صراعات إنسانية تتقاطع وتتشابك مع خطوط العمل وشخصياته

 

'العُمانية': يعرض تلفزيون سلطنة عُمان، ضمن دورته البرامجية لشهر رمضان المبارك 1447 هـ /2026م، المسلسل العُماني الدرامي 'القافر'، الذي يجمع كوكبة من النجوم العُمانيين البارزين، وهو مقتبس من رواية 'تغريبة القافر' للكاتب العُماني زهران القاسمي، الفائزة بجائزة البوكر العربية 2023.


الراصد للعمل الدرامي الحالي تقوده الذاكرة إلى فكرة الرواية وحقيقتها المائية؛ فهي تكشف واقعاً يجسد الحياة اليومية لإحدى القرى العُمانية، وتروي قصة أحد السكان من مقتفي أثر الماء. ومن خلال مشاهد المسلسل المتصاعدة، تتبلور وظيفة 'القافر' المتمثلة في البحث عن الماء في جوف الأرض؛ فوظيفته ليست عابرة، بل هي ارتباط بالماء منذ ولادته، بدءاً من والدته التي ماتت غرقاً في إحدى آبار القرية، والتي كانت تعاني أيضاً من صداع مزمن كان علاجها فيه هو الماء، مروراً بوالده الذي طُمر تحت أحد الأفلاج جراء انهيار سقف عليه. كما يوجد العمل سياقاً واضحاً لذاكرة الأفلاج وارتباط ذلك بالحياة القروية في عُمان قدِيماً، وما يأتي حولها من أساطير وحكايات متعددة.


المسلسل من إخراج المخرج السوري تامر مروان إسحاق، ويساعده في الإخراج مخلص الصالح، بالإضافة إلى حسين البرم وأسامة مرعي، أما المخرجون المنفذون فهم نهلة دروبي وعلي عبدو.


يشارك في العمل، إلى جانب عدد من الممثلين والممثلات، بعض الوجوه الجديدة التي تظهر على شاشة التلفاز لأول مرة. وتتولى الفنانة سميرة الوهيبي التي تعود بعد غياب دور (كاذية)، عمة عبدالله جميل (والد سالم القافر)، الذي يقوم بدوره الفنان محمد بن خميس المعمري، بينما يتولى دور القافر في مرحلة الطفولة الطفل فراس الرواحي، وفي مرحلة الشباب الفنان محمد بن صالح السيابي. في حين يتولى دور شيخ القرية (حامد) الفنان عبدالسلام التميمي، وفي دور ابن شقيق الشيخ (زهير) الفنان زكريا الزدجالي، الذي يجسد عبر هذا الدور محور الشر في سياق القصة، التي تعكس إلى جانب الخط الرئيس صراعات إنسانية تتقاطع وتتشابك مع خطوط العمل وشخصياته.


أما الفنانة نورة الفارسي فتقوم بدور والدة القافر، التي فارقت الحياة في الحلقة الأولى 'غريقة' في بئر القرية وهي حبلى بالقافر، كما تتولى إحدى نساء القرية تربيته وهي 'آسيا' التي تجسد دورها الفنانة مريم المعمري، كما يؤدي دور معلم القرية الفنان خالد المعني.
إضافات معززة
في هذا السياق، قال مخرج العمل تامر مروان إسحاق: 'من رؤية إخراجية، وبعد الاطلاع على الرواية، تم الوصول مع الكاتب إلى اتفاق بأن تضاف بعض الخطوط على العمل الدرامي وبعض الشخصيات والأفكار، كي نصل إلى 30 حلقة. وقد سعينا لأن تكون هذه الإضافات معززة لحقيقة الرواية بحيث لا تفقدها جوهرها؛ فهي رائعة ومتميزة، ولا ننس فكرتها المغايرة وحضورها الأدبي محلياً وعربياً وما وصلت إليه من تحقيق لمكانة أدبية متفردة'.


وأضاف: 'الرواية مبهرة بالنسبة لي كمخرج وجاذبة، ولا أخفي دهشتي بفكرة القرية العُمانية وما تضمه من تقاطعات بصرية غنية بالتفاصيل. لقد حاولت التوفيق بين العمل الدرامي والحكاية والشخصيات والأجواء العامة، واكتشفت أن حياة القرية العُمانية مرتبطة بوقائع وأحداث وثيقة تمتد لسنوات موغلة في التاريخ.'


وأوضح: 'الأعمال التراثية ملهمة بالنسبة لي، وتقودني إلى اكتشاف كثير مما قدمه الإنسان في الماضي ليكون أكثر توافقاً مع أرضه، وهذا ما وجدته في (القافر) عبر تسلسل أحداث العمل. وما أود الإشارة إليه هو الانسجام التام مع فريق العمل؛ فهناك تناغم كبير مع الفكرة التي تظهر بصرياً على شاشة تلفزيون سلطنة عُمان.'


اشتغال سردي أخذ مكانته
وعن مشاركته في العمل الدرامي، يقول الفنان عبدالسلام التميمي: 'رُشحت لمسلسل القافر المأخوذ عن رواية (تغريبة القافر) للكاتب زهران القاسمي والحائزة على جائزة البوكر، والتي كان لها صدى واسع على المستوى المحلي والإقليمي. وعندما نشير إلى واقع الرواية، فإننا نتوقف عند نقطة مهمة، وهي أن الوسط الثقافي في سلطنة عُمان قد عرف ماهيتها وتفاعل مع فكرتها؛ فهي ليست مجرد عمل روائي عابر، وإنما اشتغال سردي أخذ مكانته لدى القارئ والمتابع.'


وأضاف: 'شخصيتي في العمل الدرامي هي شخصية الشيخ حامد، التي تمثل الخط الاجتماعي وحضوره القوي في القرية، وهي شخصية يجد فيها عالمه الخاص الذي لا ينبغي لأحد تجاوزه أو أخذ مكانته فيه. فكاتب الرواية جعل لهذه الشخصية مساحة للرجوع، بالرغم من واقع حقيقتها الاجتماعية المكتشفة في محيط القرية؛ فمن بين إيجابياته مثلاً أنه لا يملك أسلوب العقاب، كون الجميع هم من أبناء قريته'.


وجوه شابة متمكنة
وتشير الفنانة سميرة الوهيبي، التي تقوم بدور (كاذية)، إلى مشاركتها قائلة: 'تأتي مشاركتي في العمل بعد انقطاع استمر لأكثر من 18 سنة؛ فالنص الذي يعرض على شاشة تلفزيون سلطنة عُمان هو عبارة عن سياق تراثي ثقافي يجسد القرية العُمانية بكل تفاصيلها القديمة. وأنا سعيدة جداً بشخصية كاذية التي أخذتني إلى الحارة الطينية؛ فأحببتها كونها تعيش بين الناس وتقوم برعاية الطفل القافر اليتيم، وسخرت حياتها من أجله.'


وأضافت: 'ما لفت انتباهي هو ترابط شخصيات النص؛ فعلى سبيل المثال، ثمة مشهد في العمل الدرامي يعكس خلافاتهم الوقتية، ثم نراهم لاحقاً في موقف آخر أخوي اجتماعي يناقض الموقف الأول، كالتجمع على تناول الطعام أو في حوارات حول قضية من قضايا القرية'.
وأوضحت: 'لقد استطاع المخرج تامر إسحاق إنجاز العمل في فترة قياسية، كونه يدير فريق عملٍ احترافي، ولا ننسى أن نشير إلى ما أثبته الممثلون الشباب من الجيل الجديد من جدارة في العمل الدرامي، كونهم يقدمون أدوارهم بصورة متميزة، وهذا أمر يبشر بوجود أسماء فنية متميزة مستقبلاً.'


الشخصية الذاكرة
ويقول الفنان محمد بن خميس المعمري: 'عندما قرأت نص مسلسل القافر، شعرت بأن شخصية عبدالله التي أقوم بدورها ليست مجرد أب، بل هي ذاكرة تغوص في أعماق الواقع وتمشي على قدمين؛ فالشخصية تحمل في داخلها تاريخ عائلة بأكمله، وصراعاً لا ينقطع مع مجتمع تحكمه السلطة والعادات والخوف.'


وأضاف: 'تجسيدي لشخصية عبدالله -أب القافر سالم- يبرز تجربة إنسانية شديدة الخصوصية؛ رجل فقد زوجته غرقاً في بئر فخسر شريكة حياته، لكنه في الوقت ذاته لم يسمح لنفسه أن ينهار أمام ابنه.


فقد اشتغلت الشخصية على الصمت الداخلي وعلى الخوف الذي يسكن صدر الأب، مروراً بالإحساس بالقهر حين يُسلب حقه ويُجبر على العمل تحت الظلم، بينما يخفي عن ابنه الحقيقة حمايةً له'.
وأشار إلى أن العمل مع المخرج تامر إسحاق كان عاملاً مهماً في اقترابه من الشخصية، كونه يمتلك هدوءًا في التعامل واهتماماً بالتفاصيل الصغيرة، مما أوجد مساحة أداء أكثر صدقاً وأقل تصنّعاً.


وأوضح: 'الرواية لم تكن مجرد حكاية عن الماء أو الفقد، بل كانت مرآة لبيئة كاملة، ولعلاقة الإنسان العُماني بأرضه، بالأفلاج، وبالخوف من الجفاف، وبالسلطة الاجتماعية داخل الحارة. فيها بُعد قيمي وإنساني عميقين يجعلان القارئ يشعر أن الشخصيات تشبهه أو تشبه من يعرفهم.'


صراع مع المعنى
أما الفنان محمد بن خلفان السيابي فيقول: 'شخصيتي في المسلسل تقوم بدور القافر في مرحلة ما بعد الطفولة، وفي اعتقادي أن القافر في جوهره لا يعيش صراعاً مع الجفاف بقدر ما يعيش صراعاً مع المعنى؛ فالماء - كما قرأته في النص المكتوب- ليس مجرد مورد للحياة، بل هو أيضاً للهوية واليقين؛ فسالم ليس رجلاً يبحث عن الماء، بل هو إنسان يحاول أن يبرر وجوده في عالم لا يرى ما يراه.'


وأضاف: 'عندما بدأت أقترب من الشخصية، أدركت أن صراعه ليس درامياً بالمعنى التقليدي بل هو صراع أزلي؛ فهو يعيش حالة اغتراب دقيقة لأنه يسمع نداء الأرض بينما يسمع الآخرون صمتها، وهذا التباين بين الإدراك الفردي والوعي الجمعي أوجد داخله توتراً مستمراً. هل أثق بما أشعر به، أم أستسلم لما يراه الجميع؟ هذا السؤال تحديداً هو ما جعلني أتعامل مع سالم ككائن حساس أكثر من كونه صاحب مهنة؛ رأيته إنساناً يحمل موهبة تشبه الحدس الصوفي، وعلاقة شبه روحية مع الأرض كأن بينهما حواراً غير مسموع.'


وأوضح السيابي: 'على المستوى الشخصي، حاولت استدعاء لحظات في حياتي شعرت فيها أنني أؤمن بشيء لا يراه الآخرون. سالم قوي بإيمانه لكنه معرض للشك كأي إنسان. أما على مستوى الأداء، فقد اخترت أن يكون الصراع داخلياً أكثر مما هو منطوق؛ لقد اشتغلت على السكون لأن السكون في رأيي هو أعلى درجات الامتلاء، وجعلت الجسد يحمل ثقلاً غير مرئي كأن هناك سؤالاً دائماً على الكتفين، والعين لا تنظر إلى السطح بل تتجاوزه كأنها تبحث عن طبقة خفية من الواقع. حتى الصوت تعمدت أن يكون منخفضاً وغير استعراضي؛ لأن سالم لا يحتاج أن يقنع الآخرين بقدر ما يحتاج أن يقنع نفسه، وفي لحظات كثيرة تركت الصمت يتكلم لأن الصمت أحياناً أصدق من الكلمة.'


وأكد: 'أعتقد أن قوة الشخصية تكمن في أنها لا تصرخ لتثبت نفسها، بل في أن تصبر وتنصت، وتنتظر أن يتكلم الماء نيابة عنها. وفي النهاية، أرى أن سالم لا يجد الماء فقط بل يجد شرعية وجوده؛ فكل قطرة ماء تخرج من الأرض هي في الحقيقة اعتراف بأن حدسه لم يكن وهماً وأن صراعه لم يكن عبثاً.'


حاملة الوجع
وفي السياق ذاته، أشارت الفنانة نورة الفارسي: 'تتجسد شخصيتي في العمل في دور مريم أم القافر، باعتبارها حاملة الوجع، غريقة البئر، وهي تجربة جديدة بالنسبة لي. لقد ابتليت هذه الشخصية بـ (الشقيقة) أو الصداع النصفي، وهي تتعرض لأحداث وتقلبات تصل بها إلى الموت'. وأضافت: 'شعرت بانسجام شديد مع الشخصية المقررة لي، وحاولت أن أصل إلى واقع ملموس؛ فدور مريم ليس أمراً عابراً، بل يحمل بُعداً فنياً مهماً، فبالرغم من وفاتها في وقت مبكر من العمل، إلا أن أثرها وُجد ليبقى حتى النهاية.'


عمل مهم
حول هذا العمل، يعلق محمد بن عبدالله العجمي، رئيس الجمعية العُمانية للسينما: 'في المشهد الثقافي العُماني، الذي طالما تميّز بالاتزان الاجتماعي والعمق التاريخي، نادراً ما يُنظر إلى التحولات الثقافية كصدمات حادة، بل كمسارات بطيئة تتشكّل عبر الذاكرة والحكايات والأدب. ومن هنا تكتسب رواية تغريبة القافر أهميتها؛ فهي عمل أدبي رفيع استطاع أن يلتقط هذه التحولات غير المرئية، ويحوّلها إلى سرد إنساني عميق يتجاوز الحكاية إلى التأمل في علاقة الإنسان بالمكان والزمن والذاكرة الجمعية.'


وأضاف: 'نجحت الرواية، بما تحمله من لغة شعرية وبناء رمزي متماسك، في أن تجعل من التفاصيل المحلية جسراً نحو أسئلة إنسانية كبرى تتجاوز حدود المكان؛ فجاءت الأفلاج والقرى والصمت اليومي عناصر سردية نابضة بالحياة، لا مجرد خلفيات جامدة. كما نجح المسلسل في تحويل المكان العُماني إلى بطل بصري مستقل، بعيداً عن الصورة السياحية أو الفولكلورية السطحية، مقدماً القرية العُمانية كفضاء درامي غني يتضمن قصصاً إنسانية عميقة وتحولات داخلية صامتة بالغة التأثير.'


وبيّن: 'إن هذا العمل، أدبياً ودرامياً، لا يمثل مجرد تجربة فنية ناجحة، بل يؤسس لخطاب بصري عُماني ناضج يقوم على التأمل والصدق، ويؤكد أن الدراما يمكن أن تكون امتداداً للأدب لا بديلاً عنه.'


أعمال سردية تستحق الالتفات
أما الكاتب عبدالله الشعيبي فقد أشار إلى أهمية تحويل العمل الأدبي إلى مشهدية تلفزيونية أو سينمائية ودعمها إنتاجياً، وأوضح: 'ما تشير إليه هذه التجربة هو وجود الإمكانات لعمل المعالجات التلفزيونية للأعمال الأدبية، وأظن أن الدراما العُمانية تحتاج إلى عقل مختلف ومغاير عن التقليدي لاختيار ما يستطيع جذب المشاهد. فالروايات الأدبية العُمانية كثيرة ومتعددة الأفكار، والعمل على معالجتها تلفزيونيا ممكن وضروري.'


وأضاف: رواية (تغريبة القافر) للكاتب العُماني زهران القاسمي حظيت بالبوكر، وبترجمات متعددة إلى لغات أخرى، وهي مفخرة للمنجز الروائي العُماني، لكونها كذلك فقد تم تحويلها إلى مسلسل تلفزيوني، مستمد من الرواية ذاتها وبالعنوان ذاته، وخرجت خلال رمضان الحالي إلى المشاهد العُماني وغير العماني.


وأوضح: أظن أن الدراما العُمانية تحتاج إلى عقل مختلف ومغاير عن التقليدي لاختيار ما يستطيع جذب المشاهد إلى هذه الدراما، والدفع بالأفكار الجديدة - كما المُعتادة - لتقديم أعمال تعكس الأفكار الجديدة، فنحن بكل أحوالنا نعيش الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، ولا بأس أن يتشاطر الفكران الحضور الدرامي العُماني، ليس رمضانيا، بل على مدار العام.


وأكد أن الروايات الأدبية العمانية كثيرة، متعددة الأفكار والرؤى والطروحات، والعمل على معالجتها تلفزيونيا ممكن وضروري ومهم، ليكون ما نراه على الشاشة عملا جديدا ومستقلا مهما كانت مرجعيته، إذ يفترض أن يتم طرحه بفكر لا يمثل امتدادا لتلك الأعمال الأدبية، بل تأسيسا عليها، من أجل أن يُتاح للخيال والصورة والأفكار أن تتلامس وتخرج بعمل ملفت.


وأشار الشعيبي أنه في سلطنة عُمان كثيرة هي الأعمال القصصية والروائية التي تستحق الالتفات إليها وتحويلها إلى عمل مرئي، من خلال معالجة تلفزيونية، تتخذ من العمل الأدبي مداخل للتعامل مع سياقات العمل التلفزيوني، ليكون ملائما لما سيتم تقديمه بصريًا إلى متلقّي الشاشة التلفزيونية، وربما السينمائية. فالكتابة الأدبية تعمل وبخاصة القصصي والروائي منها، إلى نقل ما تسرده المخيّلة بعوالم بين الواقع والمتخيّل، بلغة واصفة، من خلال قدرتها على تعميق رؤيتها إلى الشخوص والأماكن والأزمنة، وبتأطير زمني أو القفز عليه من خلال فانتازيا صالحة لكل زمان ومكان، ومن خلال هذه التفاصيل تقدم للمتلقي رؤية متخيلة للمقروء، وصيغة بصرية خاصة تساعد على تشكيل مخيلة كل متلقٍّ على حدة.


عمل يرسخ اقتصاد المعرفة
وأشارت الكاتبة فاطمة بنت سعيد الزعابية، المهتمة بأدب الطفل، قائلة: 'إن جمالية تحويل تغريبة القافر من نص روائي إلى خطاب درامي لا تقوم على نقل الحكاية فحسب، بل توجدها كأحد مصادر الصناعات الإبداعية.'


وأضافت: إنني أجد أن نقطة الارتكاز الأبرز والتي تمنح هذا التحويل بعده الإنساني هي حضور الطفل القافر، فظهر كقيمة دلالية تحمل معنى الاستمرارية للدراما العُمانية، حيث لم يختار العاملون على المسلسل حذف أو معالجة هذا الجزء من الرواية ، بل آمنوا بظهور الطفل الذي أبرز قدرة في استيعاب ما يحمله العمل من معان، و قدم دلالة تجاوزت حدود الأداء التمثيلي، إذ جسد قدرة الجيل الجديد على استيعاب المواقف المركبة، والتعامل معها بوعي وانضباط انفعالي، وفي لحظات التوتر والخوف والترقب ظهر قادرًا على قراءة الإشارات، وتحويل القلق إلى تركيز، بما يجعل الطفولة هنا عدسة لفهم المجتمع.


وأوضحت: أرى أن العمل بهذا الحضور أشبه بـمنهج خفي، يطرق بوابات الصناعات الإبداعية، والاقتصاد المعرفي لبناء إنسان الغد، فالطفل يتعرف إلى قدراته الذاتية داخل سياقات ثقافية حقيقة يكون له دور كبير في تمثيلها، وبالتالي يعيد ترتيب وعيه عن ذاته، ومشاركته وحضوره الثقافي والمجتمعي، وما قدمه العمل في صورة الطفل القافر ما هو إلا نموذج ناجح في رعاية الموهبة وتصديرها للمجتمع في أبهى مكانة.
وأجد أن هذا المعنى يتسق مع محور الإنسان والمجتمع في رؤية عمان 2040 الذي يركز على منظومة فاعلة للإبداع والابتكار تسهم في بناء اقتصاد المعرفة ومجتمعها، فحين يقدم العمل طفلا قادرا على حمل المعنى والرمز، فهو لا يعرض موهبة فردية فحسب، بل يلمح الى مسار تنشئة يمكن تعميمه، وذلك بالاكتشاف المبكر، والتدريب، والبيئات داعمة، والمنصات الاحترافية.


وبذلك يغدو تحويل الرواية الى مسلسل جزء من الصناعات الثقافية والإبداعية التي تعيد توظيف التراث والهوية في منتج وطني يبث عبر القنوات الرسمية، يوسع أثر الثقافة في المجتمع ويعزز الاستثمار في الإنسان بوصفه غاية التنمية وأداة الاقتصاد المعرفي.


الأبطال الأطفال
ويشير الكاتب مهند العاقوص، الأديب السوري المقيم في سلطنة عُمان، إلى أن تناول مرحلة الطفولة يسمح للمتلقي بمعرفة الأساس النفسي الذي يفسر سلوك الشخصية فيما بعد، مؤكداً أن وجود الطفل بفطرته الشعورية أمام الكاميرا يخلق تحدياً جمالياً يرفع من سوية العمل ككل.
وأوضح: فهل نستطيع أن ننسى شخصية الفتى في رواية الشيخ والبحر لإرنست همنغواي؟ ومن منا لم يحب شخصية الطفل في رواية نهاية رجل شجاع لحنا مينا؟، فالأمثلة كثيرة عن تحف روائية ودرامية خالدة كان أبطالها أطفالًا، سواء بقي الطفل طفلًا على مدار الرواية، أو نشأ ليكبر مع تقدم الصفحات.


وأضاف: إن سلطنة عُمان واحدة من أهم دول العالم التي تحافظ على الخصوصية الثقافية، ويظهر ذلك جليًا في تأثر الإنسان العُماني بمفردات المحيط منذ الطفولة، وبالتالي يصبح التناول السردي لمرحلة الطفولة إجراء احترافيًا يجعلنا نمسك بالخيط الروائي من مصدره الأول.


وبيّن العاقوص: هنا يظهر دور المخرج في تقديم صورة احترافية دون المس بتلقائية الطفولة وصدق مشاعرها مما يجذب المتلقي نحو صورة فيها خيال الأحلام وواقعية الحدث التأسيسي. إننا إذ نحتفل ونفتخر بنجاح تغريبة القافر كرواية، نثمن دور وزارة الإعلام في الحث على منح الروايات العُمانية الرائعة حياة أوسع عبر إنتاجها إذاعيًا وتلفزيونيًا، ما يؤسس لحالة ثقافية فريدة وخاصة يشترك فيها النخبة والعامة.