الاقتصادية

الرئيس التنفيذي لبورصة مسقط: نسعى لتعميق سوق أدوات الدين وتطوير سوق الشركات الواعدة مع الحفاظ على سيولة منتظمة

 

حوار-مي الغداني 


في لحظة فارقة لسوق المال العُماني، اخترق المؤشر الرئيسي لـ بورصة مسقط حاجز 7000 نقطة، مسجلًا أعلى مستوياته منذ أكثر من عقد، في إشارة تتجاوز الأرقام إلى تحوّل أعمق في بنية السوق وكفاءة تشغيله. الصعود لم يكن مجرد موجة سعرية مدفوعة بزخم مؤقت، وإنما انعكاسًا لسيولة مؤسسية متنامية، وتوسّع في قاعدة المستثمرين، وتطور ملحوظ في البنية التنظيمية والتشغيلية.
ومع تداولات تجاوزت 1.7 مليار ريال عُماني منذ بداية العام، ونمو في القيمة السوقية بنسبة 13%، تتجه الأنظار إلى سؤال الاستدامة: هل دخلت البورصة مرحلة جديدة من العمق والاستقرار؟ وما موقعها في خريطة الأسواق الإقليمية، خصوصًا مع اقتراب استيفاء معايير الترقية إلى سوق ناشئة وفق مؤشرات عالمية مثل MSCI وFTSE Russell؟
في هذا الحوار، يضع الرئيس التنفيذي لبورصة مسقط هيثم بن سالم السالمي الأرقام في سياقها المؤسسي، ويكشف عن مسارات الإدراجات المرتقبة، ودور السيولة المؤسسية، وجهود جذب الاستثمار الأجنبي، إلى جانب رؤية البورصة لدعم مستهدفات 'رؤية عُمان 2040'.
مع كسر المؤشر الرئيسي لبورصة مسقط حاجز 7000 نقطة وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عشر سنوات ما العوامل الرئيسة وراء هذا الأداء؟ وهل الارتفاع مستدام؟
تجاوز مستوى 7000 نقطة يقرأ ضمن مسار مؤسسي بدأ منذ تحول البورصة إلى شركة قبل خمس سنوات، وفق نموذج تشغيلي يربط الأداء بالاستدامة المالية وجودة الخدمات المقدمة للشركات المدرجة والمستثمرين. هذا التحول أعاد ترتيب الأولويات باتجاه تعميق السيولة، وتطوير الأدوات، ورفع كفاءة التسعير، وتوسيع قاعدة المستثمرين.
الأرقام تعزز هذه القراءة؛ فقد ارتفع المؤشر بنسبة 24.5% منذ بداية العام ليصل إلى 7,306.6 نقطة بنهاية جلسة 17 فبراير، وارتفعت القيمة السوقية 13% مقارنة بنهاية العام الماضي، فيما تجاوزت قيمة التداولات 1.7 مليار ريال عُماني. هذا التزامن بين الأداء السعري وتوسع التقييمات ونشاط التداول يعكس دخول سيولة فعلية واتساع قاعدة المشاركة، خصوصًا في الأسهم القيادية.
أما الاستدامة، فترتبط باستمرار السيولة المنتظمة، واتساع نطاق الأسهم النشطة، ونمو المشاركة المؤسسية طويلة الأجل، وتحسن الإفصاح والانضباط المعلوماتي. هذه مؤشرات تشغيلية قابلة للقياس، وهي ما نعتمد عليه لتقييم المسار خلال المدى المتوسط والطويل.
ما تأثير ارتفاع مشتريات الصناديق والمؤسسات المحلية على السيولة؟ وهل هناك جهود لزيادة مشاركة المستثمرين الأجانب؟
ارتفاع مشتريات الصناديق والمؤسسات انعكست على 'جودة السيولة' إذ عززت عمق سجل الأوامر، وحسّنت عملية اكتشاف السعر العادل، ورفعت قدرة السوق على امتصاص أحجام كبيرة دون تحركات سعرية حادة،هذا النوع من الطلب أكثر استقرارًا ويدعم استمرارية التداول.
يتضح أثر ذلك من خلال فتح نحو 120 ألف حساب جديد خلال موجة الاكتتابات الأخيرة، ما يعكس توسع القاعدة الاستثمارية، خاصة في ظل عوائد توزيعات أرباح تتراوح بين 8-9%، وهو عنصر مهم للمحافظ طويلة الأجل.
أما على صعيد المستثمر الأجنبي، تعمل البورصة على تعزيز عمق السيولة كشرط مؤسسي لدخوله، و توسيع الوصول الإقليمي عبر منصة 'تبادل'، وتنفيذ جولات ترويجية خارجية، والعمل على استيفاء متطلبات المؤشرات العالمية مثل MSCI وFTSE..
هناك توقعات بإدراج شركات جديدة تابعة للصندوق السيادي 'جهاز الاستثمار العماني' في 2026. هل يمكنك تحديد عدد الشركات المخطط طرحها والمجالات التي تنشط فيها؟ وما الجدول الزمني المتوقع؟
مسار الإدراجات والتخارجات يُدار ضمن استراتيجية جهاز الاستثمار العماني بصفته المالك والمبادر بالطرح، فيما تقتصر مسؤولية بورصة مسقط على ضمان منصة إدراج وتداول منظمة وشفافة وذات كفاءة تشغيلية.
نجاح الطروحات لا يرتبط بالإعلان عن عدد الصفقات بقدر ما يرتبط بجاهزية البورصة لاستيعابها وبناء عمق مستدام بعد الإدراج حيث أظهرت التجارب الأخيرة أن الطروحات العامة توسع قاعدة الملكية وتنشط التداول وتجذب مشاركة أجنبية. كما أن إدراج أدوات دين بإصدارات بلغت 1.3 مليار ريال عُماني العام الماضي يعكس تنوعا في بدائل التمويل ويعزز عمق السوق، وتوازن مصادر التمويل بين الأسهم وأدوات الدين.
هل يمكن أن تشاركنا تفاصيل أكثر عن الخطط الحكومية لإدراج شركات من قطاعات جديدة (مثل الطاقة أو الخدمات أو السياحة أو التكنولوجيا) في البورصة؟ وما مدى احتمالية دخول كيانات من القطاع الخاص؟
توسيع قاعدة القطاعات يرتبط بجاهزية الشركات ومعايير الإدراج والحوكمة والإفصاح. فالبورصة تعمل ضمن بيئة تنظيمية تستهدف رفع الشفافية والانضباط المعلوماتي، وهو ما يخلق تدريجياً بيئة أكثر ملاءمة لاستقبال شركات من أنشطة متنوعة عندما تصبح جاهزة وفق الأطر المعتمدة.
وبالنسبة للقطاع الخاص، الإدراج أصبح خيارًا استراتيجيًا لرفع القيمة السوقية، وتوسيع قاعدة الملكية، وجذب مستثمرين مؤسسيين. تعمل البورصة على عقد جلسات توعوية دورية في مختلف المحافظات لتعزيز فهم الشركات لمزايا الإدراج كمسار نمو مؤسسي، وليس مجرد أداة تمويل.
بالنظر إلى طرحات مثل شركة أسياد للنقل البحري وأوكيو للصناعات الأساسية وغيرها من الاكتتابات السابقة، كيف تقيمون جاذبية البورصة للمستثمرين الأفراد مقارنة بالمؤسسات؟ وهل هناك مبادرات لتشجيع المشاركة الجماهيرية؟
جاذبية البورصة يقوم على توازن واضح؛ المستثمر المؤسسي يدعم العمق والاستقرار ويرفع جودة السيولة، والمستثمر الفردي يوسع قاعدة التداول وينشر الثقافة الاستثمارية. لذلك البورصة تركز على رفع جودة المشاركة عبر تحسين الوصول للمعلومات، وتطوير الخدمات الرقمية، وربط العمليات بالبنوك، وتعزيز المحتوى التحليلي للشركات المدرجة. هذا التوجه يرفع قابلية المستثمر الفردي لتبني سلوك استثماري أكثر استدامة ويقلل الاعتماد على قرارات قصيرة الأجل.
وموجات الاكتتابات الأخيرة أثبتت أن المشاركة الجماهيرية تتوسع عندما تتوافر منتجات واضحة وسردية استثمارية مفهومة.
هناك حديث عن احتمالات ترقية بورصة مسقط من سوق حدودية (فرونتير) إلى سوق ناشئة من قبل مؤسسات التصنيف العالمية مثل MSCI و FTSE. ما هو تقدم هذه العملية؟ وما المتطلبات التي يجب الوفاء بها لتحقيق هذا الهدف؟
مسار الترقية إلى سوق ناشئة يرتبط بمعايير مزودي المؤشرات مثل MSCI وFTSE Russell، والتي تركز على السيولة المستدامة، والقيمة السوقية للشركات المؤهلة، ونسب التداول الحر، وكفاءة المقاصة والتسوية.
فيما يخص MSCI، يتطلب الأمر وجود ثلاث شركات تستوفي الحد الأدنى للقيمة السوقية، وتوجد حاليًا شركتان مؤهلتان، ما يعني الاقتراب من استكمال العنصر العددي. أما FTSE Russell فقد أشار تقرير المراجعة إلى استيفاء ثلاث شركات من أصل خمس شركات مطلوبة. ضمن المعايير الفنية، وهو تطور مهم في المسار.
فحسب بيانات التداول فإنها قد سجلت نموًا تجاوز 1.7 مليار ريال عُماني، مع صعود المؤشر 24.5 % منذ بداية العام وارتفاع القيمة السوقية 13 % مقارنة بنهاية العام الماضي.
وعليه، التقدم في مسار الترقية يرتبط باستمرار التحسن في السيولة المنتظمة والتداول الحر، وتوسع المشاركة المؤسسية، وتطور البنية التشغيلية لما بعد التداول، وهي عناصر تعمل عليها البورصة كمسار مؤسسي متدرج.
ما هي الخطوات التي تتخذها البورصة مع الشركاء مثل هيئة الخدمات المالية لتعزيز المعايير التنظيمية والشفافية بما يتماشى مع معايير مؤشرات الأسواق الناشئة؟
تعمل البورصة بالتنسيق مع الشركاء التنظيميين على تطوير متطلبات الإفصاح، وتنظيم التعامل مع المعلومات الجوهرية، وتعزيز الرقابة على التداول، ورفع جودة وصول المستثمر للمعلومة في توقيتها المناسب.
كما يجري العمل على تطبيق نموذج الطرف المقابل المركزي (CCP) ككيان مقاصة مستقل ومنفصل عن شركة الإيداع، ما يعزز إدارة المخاطر ويرفع مستوى الأمان التشغيلي لمنظومة ما بعد التداول، وهو عنصر مهم للمستثمر المؤسسي.
ما الاستراتيجيات التي تعتمدها بورصة مسقط لتعزيز السيولة في السوق وجذب صناع سوق ؟وهل هناك مبادرات لتقليل الفارق بين الأسعار وزيادة عمليات التداول؟
فعلت البورصة صناع سوق ومزودي سيولة 2 محليين و4 دوليين، وهو ما ينعكس على كفاءة اكتشاف السعر وتقليل التذبذب غير المبرر وتحسين قابلية تنفيذ الأوامر بأحجام أكبر.
كما أن منصة 'تبادل' وسّعت نطاق الوصول الإقليمي وتمكين مشاركة سيولة عابرة للحدود، وتعزيز فكرة صناع السوق عن بعد ضمن بيئة مترابطة، إذ يبلغ عدد المستثمرين المسجلين محليًا 560 ألفًا، بينما ترتبط المنصة بشريحة أوسع تصل إلى 8.3 مليون مستثمر.
هذه المنظومة ترفع جودة التداول، وتدعم استقرار التسعير، وتزيد قابلية السوق لاستقطاب محافظ مؤسسية تبحث عن تنفيذ أكثر كفاءة وتكاليف تداول أكثر انضباطًا.
نسبة رأس المال السوقي للشركات الكبرى تمثل جزءًا كبيرًا من القيمة السوقية للبورصة؛ كيف تؤثر هذه التركيبة على تنويع السوق وعلى مخاطر التركز؟
وجود شركات ذات قيمة سوقية مرتفعة يعد سمة طبيعية في الأسواق التي تمر بمرحلة تعمّق تدريجي. تمثل هذه الشركات ركيزة السيولة الأساسية في البورصة، وتوفر نقاط دخول وخروج واضحة للمؤسسات، وتعزز قابلية البورصة للارتباط بالمؤشرات العالمية. فالشركات القيادية غالبًا ما تتمتع بتغطية تحليلية أعلى، وإفصاح أكثر انتظامًا، ومعدلات دوران أسهم أعلى، ما يساهم في استقرار منحنى التسعير.
في الوقت ذاته إدارة مخاطر التركّز لا تقاس فقط بعدد الشركات ذات الوزن المرتفع، بل بمدى عمق التداول في بقية المكونات ومدى توزيع السيولة عبر قطاعات مختلفة. المؤشر بطبيعته مرجّح بالقيمة السوقية، وبالتالي فإن تحركات الشركات الكبرى تؤثر عليه بصورة مباشرة، إلا أن ما يهم فعليًا هو اتساع قاعدة النشاط الفعلي داخل السوق.
تركز البورصة على رفع نسب التداول الحر، وتحفيز التغطية البحثية، وتعميق التداول في طيف أوسع من الأسهم مما يسهم في توزيع السيولة بتوازن، ويقلل من حساسية المؤشر لتحركات محدودة النطاق.
كما أن تنوع الأدوات الاستثمارية سواء عبر الأسهم أو أدوات الدين يضيف طبقة إضافية من الاستقرار، ويمنح المستثمر خيارات أوسع لإدارة المخاطر داخل السوق ذاته. التوازن بين الشركات القيادية ذات الوزن الكبير وبين اتساع قاعدة التداول هو عملية تطور تدريجي، والبورصة تشهد تحسنًا واضحًا في هذا الاتجاه مع نمو السيولة المنتظمة وارتفاع معدلات الدوران.
كيف ترى دور بورصة مسقط في دعم الاقتصاد العماني وتنويع مصادر التمويل للشركات؟
البورصة تمثل ركيزة تمويل مؤسسية عبر توسيع أدوات التمويل، سواء من خلال الطروحات وزيادات رؤوس الأموال أو عبر السندات والصكوك. مما يعزز انتقال جزء من التمويل نحو رأس المال العام، ويرفع كفاءة تخصيص الموارد، ويوسع قاعدة الملكية، ويدعم الحوكمة والانضباط المعلوماتي للشركات.
إضافة إلى أن الطروحات العامة المرتبطة ببرنامج التخارج الحكومي يسهم في توسيع مشاركة القطاع الخاص في الملكية ورفع معايير الإفصاح والحوكمة، كما أن زيادة النشاط التداولي وتحسن السيولة يدعمان قدرة السوق على أداء دوره كمنصة تعبئة تمويل طويل الأجل، وهو ما يتوافق مع متطلبات التنمية الاقتصادية القائمة على الاستثمار والإنتاجية.
ما مبادرات بورصة مسقط لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، وهل هناك توقعات لزيادة حصص المستثمرين الأجانب في الشركات المدرجة؟
يرتكز جذب الاستثمار الأجنبي إلى تعزيز عمق السيولة، وتطوير إطار الإفصاح والحوكمة، ورفع كفاءة منظومة ما بعد التداول، وسهولة وصول المستثمر الدولي. وقد سجلت بعض الطروحات السابقة نسب مشاركة أجنبية بلغت 50% و40%، ما يعكس اهتماما مؤسسيا واضحا عندما تتوافر معادلة بين العائد والسيولة والشفافية.
وتدعم البورصة هذا التوجه عبر التوسع في منصة 'تبادل'، وتنفيذ جولات ترويجية دولية، والعمل على استيفاء معايير متطلبات MSCI وFTSE Russell، التي ترفع قابلية البورصة للدخول ضمن محافظ عالمية مرتبطة بالمؤشرات. ومع استمرار تحسن السيولة والبنية التشغيلية، يُتوقع نمو تدريجي في حصص المستثمرين الأجانب، خاصة مع تعزيز كفاءة التخارج.
ما الفرص والتحديات التي تواجه البورصة خلال السنوات القادمة، لاسيما فيما يتعلق بالابتكار المالي والأدوات الاستثمارية الجديدة (مثل الصكوك، السندات، سوق الشركات الواعدة...)؟
الفرص تتمثل في تعميق سوق أدوات الدين، وتطوير سوق الشركات الواعدة، وتعزيز السيولة عبر مزيد من صناع السوق، وتوسيع الربط الإقليمي عبر 'تبادل'، والتحول الرقمي.
أما التحديات فتتصل بضرورة الحفاظ على سيولة منتظمة عبر نطاق أوسع من الأسهم، ورفع جاهزية الشركات للإدراج بمعايير مؤسسية متقدمة، وتسريع تطوير البنية التشغيلية لما بعد التداول بما يلبي متطلبات المستثمر المؤسسي العالمي. هذه التحديات تُدار ضمن مسار تطوير تدريجي قائم على نتائج قابلة للقياس وتحديثات تشغيلية متواصلة.