أفكار وآراء

الحلف الإبراهيمي ينتقل من الدفاع للهجوم

أكتب بانتظام عن التغير الجيو استراتيجي شديد الخطورة الذي طرأ على شبه الجزيرة العربية والخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي ووادي النيل منذ نهاية العام الماضي. في هذا التغير الذي عبرت عنه أحداث متزامنة في المهرة وحضرموت وفي السودان وصوماليلاند والقرن الأفريقي انكشف المخطط الأمريكي الإسرائيلي عبر آلية الاتفاقات الإبراهيمية والية I2U2 وآلية التنسيق عبر «السنتكوم».

في هذا المخطط تأكد أن التهديد الرئيسي للأمن العربي هو نزعة التوسع الامبريالي الإقليمي لإسرائيل مدعومة بالاتفاقات الإبراهيمية وتحالفات تمتد من شبه القارة الهندية في المحيط الهندي وبحر العرب إلى إثيوبيا في القرن الإفريقي.

تأكد أيضا أن المخاطر الناتجة عن هذا التهديد تمس الأمن الوطني بشكل مباشر وغير مباشر لأغلب الدول العربية الأعضاء في جامعة الدول العربية.

وفيما منح غرور ونزق القوة الإسرائيلي المدعوم أمريكيا والمعتمد على الاختراق الإبراهيمي العربي فرصة تاريخية لصحوة سياسية كبرى وقيام (كتلة حرجة) أمنية عربية تركية مدعومة من باكستان وإيران، فإن الخوف من إغضاب البيت الأبيض والبطء والتردد والاكتفاء بخطوات صغيرة ومتأخرة يوشك أن يطيح بهذه الفرصة.

لا تختلف الحركة الجيوسياسية للدول كثيرًا عن لعبة كرة القدم فعندما تضيع الفرص وتتباطأ ولا تسجل الأهداف في مرمى خصمك تبدأ في تلقي الأهداف في مرماك.

في الأسابيع الأولي وبعد مجموعة من الخطوات التصحيحية لمواجهة الاختراق الإسرائيلي الذي يستهدف السيطرة على الموانئ وشرايين الملاحة في البحر الأحمر والخليج وتهديد مكانة قناة السويس وضع الحلف الإبراهيمي في موضع الدفاع وبات محاصرًا يشعر بالعزلة الإقليمية واضطر لتقديم تنازلات على الأرض وبعض التراجع في التماهي مع الخطاب الإسرائيلي.

لكن توقف الخطوات التصحيحية والحذر من خلق منتدى جديد للأمن الإقليمي يواجه هذا التهديد، والشعور الخاطئ السابق لأوانه بالنصر وبأن الحلف الإبراهيمي تراجع عن مواقعه.. نقل هذا الحلف المعزول تدريجيًا من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم.

بعد فترة من الصمت وإعطاء انطباع بالحياد تكفلت مساهمة ليندسي جراهام السيناتور الجمهوري البارز القريب من الرئيس ترامب في مؤتمر ميونيخ للأمن وجولته الأخيرة للمنطقة برفع القناع عن الانحياز الأمريكي للحلف الإسرائيلي الإبراهيمي.

انتقد جراهام الموقف العربي من أحداث اليمن والسودان وصوماليلاند وسجل انحيازه لموقف التحالف الإبراهيمي ووصل إلى حد القول بأن الدول العربية الموجودة في هذا التحالف هي قيادة التغيير في الشرق الأوسط، وهو تغيير قال إنه لم يحدث منذ ألف عام.

ترافق ذلك مع تحذيرات بأن دول المنطقة التي تراجع موقفها من إسرائيل والتطبيع الإبراهيمي قد تعاقب أمريكا بشدة. وسربت عمدًا لوسائل إعلام معلومات عن احتمال أن يتسبب ذلك في تعطيل اتفاقات أمنية وعسكرية جرى التفاهم عليها مع واشنطن، بل وربما لإعادة النظر في الصيغة الشهيرة للعلاقات وهي «الحماية الأمريكية مقابل النفط العربي».

من السياسة للإعلام جرى أيضا الانتقال من حالة الدفاع إلى الهجوم؛ فبدعم مباشر من ايباك ومجموعات الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية التي يتمتع فيها اللوبي الصهيوني بنفوذ كبير تم شن حملة سياسية وإعلامية مضادة بهدف فك عزلة الإبراهيميين وتحويل دفة الهجوم على من وقفوا ضد مخططات تفتيت الدولة الوطنية في اليمن والسودان والصومال.

جرى تصوير الخلاف إعلاميًا للجمهور الأمريكي والدولي على أنه مؤشر على عودة مشاعر العداء للسامية، فيما تتمسك الدول الإبراهيمية بالتحالف الإقليمي مع إسرائيل ونشر التسامح الديني!.

تم اعتماد فرية أخرى وهي أن الدول التي وقفت ضد المخطط الإبراهيمي الساعي لتفتيت الدولة الوطنية في أكثر من بلد عربي قد تخلت عن خصومتها مع تيار الإسلام السياسي وتنظيم الإخوان المسلمين الدولي، خاصة بعد أحداث الربيع العربي بينما يتمسك الإبراهيمون بموقفهم المعادي لهذه الحركات والإسلام الراديكالي الذي قال السناتور جراهام أنه يريد أن يدمر إسرائيل ويقتل اليهود.

دخلت إسرائيل وحكومتها المتطرفة على خط استعادة زمام المبادرة فبينما أثنى نتنياهو على القيادات العربية الموقعة على الاتفاقيات الإبراهيمية متفاخرًا بأنها نفذت كل ما طلبته إسرائيل منها، فإن محللين عديدين لاحظوا سعيا إسرائيليا حثيثا لمفاقمة الخلاف داخل مجلس التعاون الخليجي وبين الدول الإبراهيمية ودول عربية مركزية مثل مصر. ولم تتوقف السياسة ولا كتيبة التحليل السياسي في الإعلام الإسرائيلي عن تعميق الصدع بين عواصم خليجية وإعلان انتصارها للتحالف مع طرف ضد الآخر.

وأكد هذا الانحياز الإسرائيلي أسوأ الهواجس بل والكوابيس لدى أطراف خليجية وهي تزايد احتمالات قيام إسرائيل وحلفائها بتشكيل تهديدات مباشرة للأمن الوطني والنسيج الاجتماعي التقليدي ووحدة التراب والسيادة الوطنيين.

مع الشعور بالثقة المتزايد لدى إسرائيل وحلفائها بأن الدول العربية وتركيا مترددون في إنشاء كتلة حرجة أو تحالف جيوسياسي مضاد تزداد المؤشرات على أن التحالف قد يحول تعاونه الوثيق في مجال الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات لخطة لاختراق الأمن السيبراني للدول المجاورة بمساعدة التكنولوجيا الإسرائيلية.

كما تزداد المؤشرات التي تطرحها تقارير ودراسات جادة عن أن رغبة إسرائيل في عالم عربي مفكك ومنزوع سلاحه أو مقيد ستمتد لدعم حلفائها العرب لما يتجاوز كثيرا مجرد الاختراق السيبراني، بل قد تدعمها في خطط لإحداث اختراق للمناطق الحدودية وشراء ولاء مجموعات سكانية جهوية وقبلية على غرار ما فعلته من دعم ميلشيات مسلحة أو مجموعات انفصالية أو شراء ولاء مجموعات لإضعاف الحكومة المركزية وخلخلة الاستقرار الإقليمي في اليمن والسودان غيرها.

إذا وضعت مخاطر أن ينتصر النموذج العربي المتماهي مع إسرائيل في هذه المواجهة الجيوسياسية في بحر العرب والخليج والبحر الأحمر بجانب التهديدات الأمريكية/ الإسرائيلية بشن حرب على إيران حشدوا لها ما حشدوا جويًا وبحريًا فإن احتمال انزلاق المنطقة لحالة فوضى شاملة تمتد عقودًا قد لا تكون احتمالًا نظريا،

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري