أوكرانيا.. خيانة أمريكا الكبرى والأهم
الاحد / 4 / رمضان / 1447 هـ - 21:40 - الاحد 22 فبراير 2026 21:40
ترجمة: أحمد شافعي -
من وجهة نظر أوروبا، يمثل عدم دفاع الولايات المتحدة عن شعب أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي أكبر الخيانات الأمريكية وأفدحها تبعات من بين سلسلة الخيانات الأمريكية الحديثة.
فالأمر لا يقتصر على الخضوع المثير للغثيان الذي أبدته لفلاديمير بوتين، وهو المدان بجرائم حرب وبالقتل الجماعي. ولا يقتصر الأمر على لوم الضحية والتنمر على كييف كي تقدم تنازلات، بل ولا يقتصر الأمر على مساعي دونالد ترامب إلى تحقيق مكاسب مالية من الحرب واستحلاب شقاء الملايين من أجل قطرة من المجد النوبلي مع تقويضه لحلفاء الناتو ووطئه للحقوق السيادية.
فالأمر الصادم بحق، بل والموجع، هو فساد العقيدة الخالص الذي أبداه بلد طالما اعتبره الأوروبيون صديقا لهم. ومثلما قالت روائية القرن الثامن عشر الإنجليزية صاحبة الروايات القوطية آن رادكليف فإن «قليلا من الظروف يكون أشد إيلاما من اكتشافنا غدر من أوليناهم ثقتنا». وكما قال ترامب في تحذيره المقبض بعد رفض مساعيه بشأن جرينلاند: «سوف تتذكر أوروبا هذا».
فيما تمضي الحرب الشاملة التي بدأها بوتين سنة 2022 إلى عامها الدامي الخامس يوم الثلاثاء، تعاني أوروبا، مثلما تعاني روسيا، من متاعب عميقة. ولكن الولايات المتحدة هي الأخرى تعاني، برغم جعجعة ترامب ودميتيه ماركو روبيو وجيه دي فانس وعدم إدراكهم لذلك بعد؛ فأغلب الأوروبيين الآن يعتبرون شريكهم السابق غير مضمون، بل ويعدونه خصما، وتأثير الولايات المتحدة في العالم وقيادتها له تتلاشيان سريعا، وتلك ميزة عظيمة تتلقاها الصين في سعادة. وفي كل مكان، يبتهج المستبدون، وتبتهج في أوروبا أحزابها اليمينية المتطرفة.
لقد قال ولفجانج إشينجر رئيس مؤتمر ميونخ للسلام هذا الشهر إن «السؤال عن الكيفية التي ستنتهي بها هذه الحرب يمثل بالفعل سؤالا وجوديا بالنسبة لأوروبا؛ فهو الذي سوف يحدد ـ بطرق كثيرة لا بطريقة واحدة ـ مستقبل هذه القارة».
لكن الحرب حاسمة أيضا بالنسبة لترامب ومتعصبيه في حركة ماجا ذوي الأفق الضيق. فبعد غض الطرف عن التجاوزات الروسية (وبعد الانقلاب الفنزويلي غير المشروع)، ارتأى روبيو في ميونخ أن يستهدف العولمة «وعُبَّاد المناخ» والتعددية الثقافية. وحث وزير الخارجية الأمريكية على الرجوع إلى القومية المتطرفة والحمائية والحدود المغلقة والثقافة المسيحية. وأعلن أن «الأمس قد ولّى».
ولكن ماركو الصغير (بحسب ما يطلق عليه ترامب) مرتبك. فالترامبية ليست إلا إعادة خلق للأمس، وليست إلا أوهام «الأيام الجميلة الخوالي».
وما يعرضه بوتين ليس سوى أوهام مماثلة، والحرب جزء من مشروعه الانتقامي الرامي إلى جعل روسيا عظيمة من جديد، وإعادة بناء مجال النفوذ السوفييتي.
وبالمثل، يسعى الرئيس الصيني شي جينبنج إلى قفزته العظمى إلى الوراء، بمراكمة قوى دكتاتورية إلى مدى غير مشهود منذ عهد ماو تسيدونج.
أما أوروبا القزحية منفتحة العقل محبة الحرية، أوروبا الديمقراطية وسيادة القانون، فتمثل توبيخًا حيًا لهؤلاء المسوخ الرجعيين ومقلديهم من غلاة اليمينيين. فهم يمقتونها ويخشونها. وهي، شأن أوكرانيا، تقف في طريقهم.
لم تبدأ خيانة الولايات المتحدة لأوكرانيا، المنذرة بخيانة أوسع نطاقا، مع ترامب. فقد ثبت أن تطمينات بيل كلينتون الأمنية لكييف سنة 1994 في ما بعد الاستقلال عديمة المعنى. وجفل باراك أوباما بعد استيلاء بوتين على القرم سنة 2014. وكان رد فعل جو بايدن ـ الذي كان لا يزال مسكونا بأشباح الحرب الباردة ـ حذرا فائقا وقاتلا على غزو 2022.
ما تغير هو أن خيانات ترامب عمدية، وأنها تحدث الآن؛ إذ يأتي كل فجر يطلع علينا بيوم جديد من العار.
في العام الماضي، بلغ ضحايا أوكرانيا المدنيون أعلى مستوى سنوي منذ أن بدأت الحرب مع توسع بوتين في الحرب التي وعد ترامب بأن ينهيها في غضون أربع وعشرين ساعة. وتلقصت إمدادات الأسلحة الأمريكية حتى أوشكت أن تبلغ الصفر. وعملية السلام السخيفة التي أعلنها ترامب، ويشرف عليها أحد المقربين إليه من رجال الأعمال وصهره المصطنع، تتساهل مع بوتين وتعرض عن أوروبا.
سرعان ما كلل العار خطة ترامب للسلام المؤلفة من ثمان وعشرين نقطة وتبين أنها محض خارطة طريق غير متوازنة لتحقيق النصر الروسي. ومع ذلك فإنه لا يزال يصر على أن تتنازل كييف عن أرض تحت سيادتها، مشكلا بذلك سابقة كارثية، ويمتنع عن تقديم أي ضمانات أمنية. ولا يزال يسعى إلى تحقيق مكاسب سريعة من موارد أوكرانية المعدنية ومن صفقات ما بعد الحرب مع روسيا. ولا يزال كدأبه يتنمر على رئيس أوكرانيا المثير للإعجاب فولوديمير زيلينسكي. ولا يزال يستهين بحلفائه الأوروبيين مع تودده إلى بوتين والاستبداديين من أمثل فتكتور أوربان في المجر وخافيير ميلي في الأرجنتين وبنيامين نتنياهو في إسرائيل.
وفي عالم الخيانة الوقحة، لا مثيل لترامب في العصر الحديث. غير أن الإيمان يتزايد بأن هذه الخيانة لا يمكن أن تستمر ولن تستمر. فإلى متى سيستمر متعمدو السذاجة من أمثال رئيس الناتو مارك روته في التباهي بالعلاقات العابرة للأطلنطي في حين أن ترامب يذيبها كل يوم في الأحماض والإهانات؟ وكيف يجرؤ روبيو على أن يحاضر الأوروبيين بشأن الحضارة المسيحية وهو وغيره من همج العالم الجديد يغضون الطرف عن أعمال إسرائيل الوحشية في غزة؟ وهم الآن يخططون لمهاجمة إيران، مرة أخرى، وربما كوبا هي الأخرى. فبأي حق؟
لن يكون من أمر طغيان ترامب وخياناته، بأثرهما القاتل داخليا وخارجيا، إلا أن يتفاقما ما طال أمد التسامح معهما. وبرغم شتى العراقيل والمصاعب الواضحة، بات حتما على الأوروبيين والأغلبية المعارضة لترامب في انتخابات التجديد النصفي أن يشرعوا في رفع أصواتهم، وأن تصدق أفعالهم أقوالهم. وأي بداية خير من أوكرانيا، وهي الجبهة الفعلية والرمزية للمعركة بين الديمقراطية الليبرالية ومحور ترامب-بوتين؟
إليكم ما ينبغي القيام به: انشروا قوات من «تحالف الراغبين» الأوروبي لتأمين كييف والدفاع عنها هي وبقية المدن عير المحتملة، ولا يمكن السماح لروسيا باستعمال حق النقض. وعليكم بتفعيل منطقة حظر للطيران مثلما قلت من قبل مرارًا. وعليكم بزيادة الصواريخ الدفاعية والطائرات المسيرة. وعليكم أن تكبحوا أسطول روسيا السري. وعليكم بتكثيف «الإجراءات النشطة» السرية، ومنها العمليات السيبرانية والتخريبية، لمجابهة الحرب الهجينية التي يطلقها الكرملين. عليكم بمصادرة الأصول، وطرد الجواسيس، وفضح الأكاذيب، وتغيير السردية. لا بد أن تطالب أوروبا بوقف فوري لإطلاق النار، يعقبه انسحاب روسي مرحلي، وعليكم أن تتولوا دورا قياديا في أي محادثات نهائية للتسوية.
وإن لم تفعلوا هذا، فلماذا؟ لننظر إلى البدائل: حرب بلا نهاية، وقتل بلا نهاية، أو سلام بموجب الشروط الترامبية البوتينية غير قابل للدوام وغير محقق للعدل. إن أوروبا الآن في حالة تأهب: فلا يمكن الوثوق في الولايات المتحدة. والتحدي وجودي بالفعل. وكل ما تمثله أوروبا وتعتز به على المحك. فكيفما تكون الوسيلة، من أجل أوكرانيا المنهكة، وشعبها الأعزل، ومستقبل السلام والأمن، على الأوروبيين (ومنهم بريطانيا) أن يتوصلوا أخيرا إلى الوحدة والشجاعة والقدرة على شن هجوم عسكري واقتصادي ودبلوماسي وأخلاقي.
لا بد أن تنقل أوروبا المعركة إلى باب بوتين مباشرة. وأن تقول لترامب اذهب إلى الجحيم.
سيمون تيسدال من كتاب مقالات الرأي في الشؤون الخارجية في ذي جارديان.