ماركو روبيو وخطابه المغلف بالسكَّر
الاحد / 4 / رمضان / 1447 هـ - 21:40 - الاحد 22 فبراير 2026 21:40
بمجرد أن نهض وزير خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو لإلقاء كلمته في مؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام، كان من الواضح أن إدارة ترامب تعتزم تغيير خطابها تجاه حلفاء أميركا الأوروبيين القدامى.
في حين استخدم نائب الرئيس جيه دي فانس كلمته العام الماضي لتوبيخ وإهانة القادة الأوروبيين، بدا روبيو حريصا على إطرائهم. بعد أن أشاد بالتاريخ والثقافة الأوروبية ــ مسلطا الضوء على إنجازات مختلفة، من كنيسة سيستين إلى فرقة البيتلز ــ أقر بأن الولايات المتحدة ذاتها هي ابنة أوروبا.
كان لكل هذا وقع لطيف للغاية على آذان الأوروبيين بعد عام أرعب كل المعنيين بالعلاقات عبر الأطلسي. لم تكتف الإدارة التي يمثلها روبيو باتهام أوروبا باستجلاب «الاضمحلال الحضاري»، بل هددت بالاستيلاء على جرينلاند، الإقليم السيادي الذي ينتمي إلى بلد عضو في حلف شمال الأطلسي (الدنمارك). تُرى هل كان روبيو يشير إلى تغيير؟
على العكس تماما. فبعد أن خفت التصفيق، سرعان ما بات من الواضح أن رسالة إدارة ترمب الأساسية لا تزال كما هي. كَشَف خطاب روبيو، من حيث مضمونه ومنظوره للعالم، عن هُوّة عميقة بين إدارة ترامب والأوروبيين في القاعة. من اللافت للنظر أن حرب روسيا العدوانية ضد أوكرانيا لم تُذكر إلا بشكل عابر، دون أي تلميح إلى انتقاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتن. ولكن مع وقوع حوالي 1.2 مليون ضحية، وامتداد خط الجبهة على مسافة 1200 كيلومتر (746 ميلا)، واستهداف أكثر من 400 طائرة مُسَيَّرة هجومية روسية للبنية الأساسية والمراكز المدنية الأوكرانية في الأسبوع السابق، قد يتصور المرء أن العرض المرعب الذي يجري على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) يستحق بعض الذِكر.
الواقع أن التهديد الذي تفرضه روسيا يشكل للأوروبيين مصدر قلق قاهرا، لأنهم يدركون أن الدفاع عن أوكرانيا اليوم شديد الأهمية لأمن أوروبا غدا. ولكن من منظور إدارة ترمب، لا تستحق هذه القضية حتى الذِكر. وعندما نتحدث عن تصورات التهديد الأساسية، فمن غير الممكن أن نتصور أن الـهوّة بين الولايات المتحدة وأوروبا قد تكون في أي وقت أوسع مما هي عليه الآن.
قبل أن يمتدح ثقافة أوروبا وتاريخها، أوجز روبيو الأحداث التي أفضت، من منظور «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» الـمُشَوِّه للواقع، إلى الوضع الحالي. فزعم أن العقود التي تلت نهاية الحرب الباردة كانت قائمة على «وهم خطير» و«رؤية تعسفية للتجارة الحرة غير المقيدة». ووصف «النظام العالمي القائم على القواعد» بأنه «مصطلح مستهلك» يتجاهل دروس خمسة آلاف عام من تاريخ البشرية وكان هو الذي دفع مجتمعات عديدة إلى «استرضاء عبادة المناخ».
ليس سرا أن «النظام القائم على القواعد» هو البعبع الذي يثير رعب أنصار «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى». بكل شعور بالرضا والغبطة، لاحظ إلبريدج كولبي، حفيد ويليام كولبي مدير وكالة المخابرات المركزية في عهد ريتشارد نيكسون، وهو عضو آخر في إدارة ترامب حضر الاجتماع، أنه سمع هذا المصطلح مرة واحدة فقط في اجتماع وزاري عقدته منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) مؤخرا.
من الواضح أننا لن نجد أي أوروبي من خارج الأطراف السياسية الأكثر تطرفا في القارة يشاركه هذا الموقف. نحن نتفهم أن النظام العالمي القائم على القواعد لم يكن قَط مثاليا، وأن كل من يميل إلى سرد إخفاقاته وأوجه القصور التي تعيبه يستطيع أن يفعل ذلك بسهولة. لكننا نعلم أيضا أن إنجازاته بعد الصراع الدموي الأخير بين القوى العظمى كانت أقرب إلى المعجزة.
أثناء فترة دامت عقودا من الزمن من السلام والاستقرار النسبي بعد الحرب العالمية الثانية، تضاعف عدد سكان العالم إلى ثلاثة أمثاله، وتضاعف متوسط العمر المتوقع، وسجل الاقتصاد العالمي نموا بلغ خمسة عشر ضعفا. كانت هذه أطول فترة دون حرب بين القوى العظمى منذ نهاية الإمبراطورية الرومانية. لا أحد يستطيع أن ينكر أن شبكات القواعد والمعايير والاتفاقيات العالمية كانت عاملا رئيسيا في جعل كل هذا في حكم الممكن.
ولا شك في أن النظام القائم على القواعد يتعرض لتهديد خطير. كان غزو روسيا لأوكرانيا انتهاكًا صارخًا لواحدة من أكثر قواعده أساسية: احترام سلامة الأراضي.
على نحو مماثل، تجاهلت الصين الأحكام الدولية المتعلقة بمطالباتها الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، وانتهكت إدارة ترامب القواعد والمعايير بقدر مفرط من الاستهتار. فبالإضافة إلى الاستخفاف بالأمم المتحدة وشن حرب تجارية ضد العالم بأسره، خرقت الإدارة عددا لا حصر له من الاتفاقيات الدولية وسحبت الولايات المتحدة من الهيئات الدولية التي تشرف على كل شيء من الصحة العالمية إلى تغير المناخ.
على النقيض من ذلك، يعتقد الأوروبيون أن ما تبقى من النظام القائم على القواعد يستحق الحفاظ عليه. الواقع إنهم يبذلون جهودا حثيثة لتعزيز كثير من ركائزه الأساسية. هذا هو موضوع اتفاقيات التجارة الحرة الجديدة التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع كتلة ميركوسور في أميركا الجنوبية (الأرجنتين، والبرازيل، وباراجواي، وأوروجواي) والهند. علاوة على ذلك، ينضم الأوروبيون إلى آخرين للحفاظ على التقدم العالمي في مكافحة تغير المناخ والتخفيف من المخاطر الصحية.
أوروبا ليس لها مصلحة في عالم خاضع لأهواء ونزوات الأقوياء، حيث لا معنى للحقوق لأن الضعفاء من الممكن أن يُلقوا دوما للذئاب. لم تصل تصريحات روبيو إلى هذا الحد، لكن تصريحات آخرين في إدارة ترمب تجاوزته. ربما قدم كبير الدبلوماسيين الأمريكيين عرضا أكثر ودية ولطفا مقارنة بذلك الذي كان ليقدمه سيده، لكن الرسالة كانت هي ذاتها. أصبح الانقسام عبر الأطلسي هائلا، ولا يزال في اتساع.
كارل بيلدت رئيس وزراء ووزير خارجية سابق للسويد.
خدمة بروجيكت سنديكيت