أفكار وآراء

التعاون العالمي في زمن الارتباك الجيوسياسي

برابهات أوباديايا ـ سليم فقير

إذا كان أي قدر من الشك لا يزال متبقيا حول عودة سياسات القوى العظمى، فقد تَـبَدَّد بهجوم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على فنزويلا، وتهديداته بضم جرينلاند، ورفضه تمديد معاهدة نيو ستارت التي تحد من الترسانات النووية في الولايات المتحدة وروسيا. مثل هذه الاضطرابات الجيوسياسية تأتي مدفوعة بـ «الرغبة في السلطة»، كما أشار آدم توز ــ بما في ذلك «السلطة على الموارد، والقوة الشرائية، والقدرة على مقاومة نفوذ الآخرين».

تتجلى تداعيات هذا الاتجاه في بنية التعاون العالمي، التي بُنيت حول مؤسستي بريتون وودز، والتي شكلت القواعد المشتركة وهياكل الحوكمة الرسمية بموجبهما سلوك الدول. في إطار «النظام القائم على القواعد»، الذي تقع الأمم المتحدة في قلبه، جرى تفعيل التعاون من خلال المشاركة المنتظمة، الأمر الذي أفضى إلى مكاسب تراكمية.

كان هذا النظام يُـلزِم الدول في كثير من الأحيان بتقديم تنازلات وقبول تسويات، لكنها كانت في عموم الأمر على استعداد للقيام بذلك مقابل الاستقرار البعيد الأمد والقدرة على التنبؤ.

لكن هذا النهج المؤسسي في التعامل مع التعاون انهار في السنوات الأخيرة، حيث أثبتت المؤسسات عجزها عن الاستجابة بفعالية لاحتياجات الدول المتغيرة. ومن بنية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التي عفا عليها الزمن واتفاقيات ريو المتعثرة إلى استمرار نزاعات طال أمدها، تراكمت الأدلة على محدودية نظام الأمم المتحدة على نحو مضطرد، الأمر الذي أدى إلى تآكل الثقة.

مع ترسخ حالة الجمود، أصبح النظام القائم على القواعد يبدو على نحو متزايد جامدا، وظالما، وغير فعّال. هذا يتطلب إعادة النظر بشكل جذري في كيفية تعامل الدول مع بعضها بعضا لتوفير المنافع العامة العالمية.

أدرك الجنوب العالمي هذه الضرورة منذ أمد بعيد، حيث أشارت أصوات من البلدان النامية، مثل رئيسة وزراء بربادوس ميا أمور موتلي، إلى أن الدول القوية تتصرف كما لو كانت معفاة من القواعد التي تفرضها على الآخرين. الآن، حتى قادة مجموعة السبع يعترفون بهذا الأمر. في خطابه الذي أثار كثيرا من الجدال في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، اعترف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأن النظام القائم على القواعد يعتمد دائما على «خيال لطيف». واعترف بأن الفوائد كانت كافية لدرجة أن دولا مثل دولته تجنبت إلى حد كبير «التنبيه إلى الفجوات بين الخطاب والواقع».

الآن، بات من المستحيل تجاهل هذه الفجوات. والتعاون المؤسسي ــ ونظام الأمم المتحدة على وجه التحديد ــ مصاب بآفة تراجع الثقة والفعالية، فضلا عن انقسامات عميقة حول الأدوار والمسؤوليات التي ينبغي أن تضطلع بها الأطراف الفاعلة، والقيم التي ينبغي أن تستند إليها جهود التعاون، وكيفية تنفيذ هذه الجهود.

لقد دفعت التحديات المرتبطة بالنهج المؤسسي بعض القوى إلى تبني شكل آخر من أشكال التعاون: المشاركة الثنائية، التي عادة ما تكون مدفوعة بمصالح ضيقة. ينتج عن هذا النهج القائم على المصالح شبكة معقدة من العلاقات بين الدول، وعندما تكون هذه العلاقات موجهة بدبلوماسية واضحة الرؤية، فإنها تصبح قادرة على تعزيز الاحتياج المتبادل، فتساعد بالتالي على الحفاظ على توازن مستقر بين القوى.

من الأمثلة الكلاسيكية على هذا النوع من المشاركة السياسة الشرقية الجديدة التي انتهجتها ألمانيا الغربية في التعامل مع أوروبا الشرقية، والتي سعت من خلالها إلى تحسين العلاقات مع ألمانيا الشرقية ودول الكتلة الشرقية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين من خلال تعزيز الحوار والتعاون الاقتصادي.

صاغ إيجون بار هذه السياسة ونفذها فيلي برانت، أولا بصفته وزيرا للخارجية ثم رئيسا للوزراء، وفتحت السياسة الشرقية الجديدة الطريق أمام اتفاقات رسمية أرست قواعد العلاقات الدبلوماسية، ووضحت الحدود، وسهلت التجارة.

استرشد مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك هنري كيسنجر بمنطق مماثل عندما فتح الباب أمام الصين في عام 1971، والذي مهد الطريق لعقود من الاعتماد الاقتصادي المتبادل. ومن الممكن أن يُقال الشيء ذاته عن انخراط ألمانيا مع الصين وروسيا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وفي حين أن التبعية التي نتجت عن ذلك ــ الاعتماد على التجارة الصينية والغاز الروسي ــ بدأت تبدو منذ ذلك الحين أشبه بنقاط ضعف، فإن عدم جدارة الولايات المتحدة بالثقة كشريك أمني يُظهِر أن المخاطر من الممكن أن تنشأ حتى مع حلفاء مقربين عملوا تقليديا وفقا لقيم مشتركة.

لكن الحفاظ على التفاعل القائم على المصالح يتطلب قدرة كبيرة من جانب الدولة وثقلا دبلوماسيا. وهو فضلا عن ذلك، لا يعكس بالضرورة أي منطق شامل، ومن الممكن أن يؤدي إلى انعدام الأمن واليقين، خاصة إذا تحول إلى سياسات إفقار الجار، التي تتجاهل الحساسيات السياسية، أو الأخلاقية، أو الثقافية، أو التاريخية.

كما أن هذا النهج يجعل الدول الأصغر حجما عُرضة لصفقات غير مواتية مع شركاء أكبر حجما، حيث يملي الجانب الأقوى شروط الارتباط.

ينطوي الأمر على طريقة ثالثة. بموجب نهج «التعددية المصغرة»، تشكل الدول المتماثلة في الفِكر تحالفات قائمة على قضايا بعينها، خارج نظام الأمم المتحدة في كثير من الأحيان. تُبنى هذه التجمعات الصغيرة المتعددة الأطراف حول أفكار، وأهداف، ورؤى عالمية مشتركة، وتُعطي الأولوية للبرجماتية، والمرونة، والكفاءة على حساب التوافق الواسع والشرعية الرسمية. وبالتالي، يصبح بوسع الدول أن تتجنب الجمود الذي يسببه التعاون العريض القاعدة دون أن تضع نفسها تحت رحمة القوى الكبرى.

لكن التعددية المصغرة قد تتحول إلى سلاح ذي حدين. ففي حين يتسنى للتجمعات مثل دول الأسواق الناشئة في مجموعة BRICS+ العمل ككيانات رائدة في حشد الزخم حول القضايا الحاسمة وتحدي الوضع الراهن، فإن تجمعات تعددية صغيرة أخرى قد تعمل على ترسيخ الوضع الراهن من خلال تقييد العضوية للحفاظ على نفوذها (كما هي الحال مع مجموعة السبع). وفي عموم الأمر، من الممكن أن تؤدي إلى انقسامات تعوق التقدم، وإن كانت منتديات مثل مجموعة العشرين من الممكن أن تساعد في التغلب على هذه العقبة من خلال تسهيل المشاركة بين التجمعات.

في وقت حيث ينهار النهج المؤسسي في إدارة النظام الدولي، يبدو نهج التعددية المصغرة واعدا للغاية، على الرغم من نقائصه. فبرغم أن ظهور مزيد من تجمعات التعددية المصغرة سيفضي إلى التفتت في الأمد القريب ويُـعَجِّل بإفراغ نظام الأمم المتحدة من مضمونه، فإنه قد يوفر أيضا وسيلة لابتكار أفكار جديدة وتنفيذ تدخلات قابلة للتطوير تعمل بشكل ملموس على تحسين حياة الناس اليومية. في غياب تدخلات تحقق فوائد ملموسة، سيظل التعاون الدولي سلعة صعبة التسويق في ظل عودة سياسات القوى العظمى.

يشكل تعزيز المعايير المشتركة أهمية بالغة أيضا، لكنه لن ينقذنا بمفرده من الارتباكات التي تُـحْدِثها القوى العظمى والتي نشهدها اليوم. الواقع أن أطر التعاون الجديدة التي تحقق أهدافا حاسمة وإن كانت متنافسة غالبا ــ مثل عدالة الطاقة وأمن الطاقة؛ والمرونة المناخية والتنويع الاقتصادي؛ والكرامة الإنسانية والازدهار ــ قد تكون أفضل رهاناتنا.

برابهات أوباديايا مستشار مجموعة العشرين والشؤون المتعددة الأطراف في مؤسسة المناخ الإفريقية.

سليم فقير مؤسس ومدير تنفيذي لمؤسسة المناخ الإفريقية.

خدمة بروجيكت سنديكيت