جنوب جبال الحقف في محافظة الوسطى
الاحد / 4 / رمضان / 1447 هـ - 19:58 - الاحد 22 فبراير 2026 19:58
د. محمد بن هلال الكندي/ رئيس مركز استشارات علوم الأرض -
تُعد منطقة جنوب جبال الحقف في محافظة الوسطى واحدة من أبرز الأقاليم الجيولوجية في سلطنة عمان، لما تحويه من تنوع طبيعي فريد وتاريخ جيولوجي عميق يمتد إلى مئات الملايين من السنين.
وتتشكل السهول الصحراوية والجبال في محافظة الوسطى من ست سمات رئيسة، ومن أهمها السلسلة الجبلية الواقعة في شرق المحافظة والمعروفة بجبال الحقف، التي تمتد من ولاية محوت شمالا إلى ولاية الدقم جنوبا، وصولا إلى ولاية هيماء غربا، بطول يقارب 200 كيلومتر وعرض يصل إلى نحو 75 كيلومترا.
وتتكون هذه المنطقة من جروف صغيرة وتلال متفرقة يتجاوز ارتفاع بعضها 150 مترا فوق مستوى سطح البحر، كما في الجزء الجنوبي من منطقة الحقف الجبلية، ومن أبرزها قبتا خُفَي وبُوَّه في ولاية الدقم. ورغم أن الارتفاعات ليست شاهقة مقارنة بجبال شمال عمان، إلا أن القيمة العلمية والجيولوجية لهذه المنطقة تفوق بكثير مظهرها التضاريسي البسيط، إذ تحتضن سجلا صخريا نادرا يوثق تحولات مناخية وبيئية كبرى شهدتها الأرض عبر العصور.
ويتميز الجزء الجنوبي من جبال الحقف بوجود مجموعة من الظواهر الجيولوجية البديعة، يقع معظمها اليوم ضمن نطاق محمية الحياة الفطرية بجدة الحراسيس. وتظهر صخور هذه المنطقة بتباين لوني واضح بين الصخور الكربونية والرملية، ما يجعلها من أكثر المناطق تميزا في صور الأقمار الصناعية على مستوى سلطنة عمان. ولا تقتصر أهمية هذا التباين على الناحية الجمالية، بل تمتد إلى بعدها الاقتصادي والعلمي، إذ إن هذه الصخور تماثل في خصائصها مجموعة من صخور المكامن النفطية في وسط عمان وجنوبها، وهو ما جعل المنطقة منذ خمسينيات القرن الماضي محط اهتمام جيولوجيي شركات النفط لدراسة نظائر المكامن السطحية وفهم خصائصها الرسوبية والخزنية.
ومن أندر الظواهر المسجلة في هذه المنطقة وجود خدوش جليدية متحجرة تعود إلى حقبة الحياة القديمة قبل نحو 300 مليون عام. وتشير هذه الخدوش إلى فترة كانت فيها عمان تقع بالقرب من القطب الجنوبي، حين غطت الصفائح الجليدية أجزاء واسعة من أراضيها في مناخ يختلف جذريا عن المناخ الصحراوي الحار السائد اليوم. وتمثل هذه الشواهد الجليدية دليلا قاطعا على حركة الصفائح التكتونية عبر الزمن، وعلى التحولات المناخية الكبرى التي مرت بها القارات.
ولا تقتصر أهمية جنوب جبال الحقف على سجلها الجليدي، بل تحتضن أيضا دلائل على بدايات الحياة المبكرة، إذ توجد في هذه المنطقة قبب بكتيرية تعود إلى حقبة الحياة السحيقة. وتمثل هذه القبب أشكالا رسوبية نتجت عن نشاط كائنات دقيقة بدائية عاشت قبل ظهور النباتات والحيوانات المعقدة. وعلى الرغم من بساطة هذه الكائنات من حيث التركيب، فإنها كانت قادرة على القيام بعملية التمثيل الضوئي وإنتاج الأكسجين، وهو الغاز الذي يشكل أساس الحياة الحالية. وتشير الدراسات إلى أن مثل هذه الكائنات الدقيقة أسهمت في رفع نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي تدريجيا، مما أتاح ظهور كائنات أكثر تعقيدا تعتمد على التنفس الهوائي. ومن هنا تتجلى القيمة العالمية لهذه التكوينات، إذ توثق مرحلة مفصلية في تطور الغلاف الحيوي للأرض.
كما يضم الجزء الجنوبي من جبال الحقف ما يعرف بحديقة الصخور في ولاية الدقم، وهي مجموعة من التشكيلات أو الدرنات الصخرية التي نحتتها عوامل التعرية المائية والريحية عبر آلاف بل ملايين السنين. وقد أبدعت الرياح والمياه في تشكيل هذه الصخور بأشكال هندسية وطبيعية متنوعة، لتكوّن مشهدا فريدا يجمع بين الفن الطبيعي والدلالة العلمية. وتعكس هذه التشكيلات أثر العمليات السطحية المستمرة في إعادة تشكيل ملامح الأرض، وتبرز التفاعل الدائم بين المناخ والصخور عبر الزمن الجيولوجي.
إن جنوب جبال الحقف يقدم نموذجا تعليميا وميدانيا متكاملا لدراسة تطور الأرض، من العصور الجليدية القديمة إلى نشأة الحياة البدائية، ومن تكوين الصخور الرسوبية إلى فهم أنظمة المكامن النفطية. كما يجمع بين القيمة العلمية والبيئية والجمالية في آن واحد، خاصة مع وقوع معظم ظواهره ضمن محمية طبيعية تحافظ على تنوعها الحيوي والجغرافي. وتؤكد هذه المنطقة أن محافظة الوسطى ليست مجرد امتداد صحراوي، بل سجل مفتوح لتاريخ الأرض، ومختبر طبيعي يعكس التحولات الكبرى التي شكلت ملامح كوكبنا عبر مئات الملايين من السنين.