كتب السير
الاحد / 4 / رمضان / 1447 هـ - 19:56 - الاحد 22 فبراير 2026 19:56
د. سالم بن سعيد البوسعيدي / باحث في الثقافة والأدب -
من أنماط التأليف العُماني، «فن السير»، بل هو فن عُماني أصيل، فالسيرة -في المفهوم العربي- فن قديم يتجلى في كتابة الشخص ترجمة له أو لغيره، إلا أن مفهوم «السير» أرحب وأعمق في قاموس التراث العُماني... إنه شكل متفرّد من أشكال التأليف عند العُمانيين... فـ«السِّيرَةُ»: رسالة يَبْحَثُ فيها مؤلّفُها قضيةً نازلةً في المُجْتَمَعِ، تستدعيه أن يقول رأيه فيها: استقلالًا، أو جوابًا لسائل، أو رَدًّا على مُخَالِفٍ أو مُعترض.
فهذا هو المضمون، وهو متعدد فقد تكون القضية النازلة عقدية أو تاريخية أو فكرية أو فلسفية أو أدبية. أما الشكل فمتعدد أيضا، فقد تكون السيرة على شكل رسائل متبادلة بين طرفين، أشبه بالرسائل الأدبية إخوانية كانت أو ديوانية رسمية.
أو على شكل مقال علمي يناقش قضية أو يجيب على إشكال أو يساهم برأي في قضية ما، حدثت أو تحدث في المجتمع، بأسلوب حجاجي فاعل. أو قد تكون على شكل سردي كأسلوب المقامة، لكنها جميعا تشترك في معالجة قضية نازلة بأسلوب سهل ممتنع مختصر، والسير العُمانية أشبه ما تكون بمذكرات دينية أو سياسية أو تاريخية قصيرة لا تزيد على 20 إلى 30 ورقة تعبّر عن وجهة نظر شخصية لموضوع معين، فتجمع بين سمات الرسالة والمقال العلمي والمذكرات القصيرة.
(2)
ولكن متى بدأ هذا الفن، وكيف ظهر؟، لعل هذا النوع من الكتابة الإنشائية انتقل إلى عُمان في القرن الثاني هجري/ الثامن ميلادي... ولعل أول من استخدمه في البداية العلماء العُمانيون في البصرة، ثم انتقل مع ما يعرف بحملة العلم؛ حيث انتشر (خصوصا) بعد قيام الإمامة الأولى في عُمان (132هـ/748م)، ولعل أول سيرة عُمانية هي سيرة سالم بن ذكوان في القرن الهجري الأول، فقد ألف رسالة في التمسك بالدين وضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
يقول وليك نسون مبينا أسباب بروزها: «برزت عندما صعب الاتصال فيما بينهم. ويقول أبو قحطان خالد بن قحطان (من أهل القرن الرابع بعُمان) لتهوين آراء مخالفيه: «لأنهم لم يكونوا يُسَيِّرون سيرا، إنما كانوا يلقون أخبارا وأقوالا إلى غواة الناس» حسب تعبيره، قال: «وإنما كانت السير للمسلمين، يسيرون في الفتنة، ويشرحون للناس دينهم، ويبينون للناس ضلالة من ضل عن آثار المسلمين». لكنه عاد بالإنكار على أحد أهل زمانه، كَتَبَ سيرة وسيرها بين الناس، فانبرى أبو قحطان للرد عليها، لأنّه أحسّ أن حُسن منطقها قد يستهوي ألباب العامة إليها.
(3)
للسير العُمانية نسخ مخطوطة عديدة؛ على تفاوتٍ في مضمونِهَا بين عشرين سيرةً إلى ما دُونَ المائة، وخلافٍ في عناوينها بين «كِتَاب السِّيَر» و«سِيَر المسلمين» و«سير العلماء الإباضية» و«السير الإباضية» و«السير العُمَانِيّة»، وقد طُبِعَ قسمٌ منها تحت عنوان «السير والجوابات». ومن خلال العرض الأولي لسير العُمانيين يتضح أنها على أربعة أنماط:
أولا: تكون متضمنة على فكرة أو رؤية لعالمٍ أو فقيه يعبر من خلالها عن رأيه أو فكرته عن ذلك الموضوع أو الحدث.
ثانيا: تكون مراسلات بين أطراف عدة تحمل في محتواها قضية معينة في موضوع معين للمناقشة.
ثالثا: تكون كتابات أو ردودا أو لتبادل الرأي فيما بين العلماء لتفسير أو تحليل مسألة أو قضية، وهذا النمط ساد في فترة الانقسام ما بين المدرستين الرستاقية والنزوانية.
رابعا: تكون عبارة عن تدوين لأحداث وأخبار في عصر ما، أو أحيانا تتضمن كتابة عن مشاهير الأئمة والعلماء والفقهاء.
وهناك ظاهرة أخرى وهي أنه لا يوجد من بين كتّاب هذه السير على مدى 11 قرنا من يمكن وصفه بشعراء: كابن دريد أو الستالي والكيذاوي. والنتيجة على ذلك أن هذا الفن أقرب ما يمكن إلى فن من الكتابات العقائدية وهي تقودنا إلى احتمال بأن محتواها الأيديولوجي شكّل الجانب العقائدي الإباضي ولكن بظاهرها الفني هي قطع أدبية وتاريخية. ولا شك أنها بذلك قد أثرت في الكتابة التاريخية في المصنفات العُمانية اللاحقة؛ حيث إن أغلب المؤرخين العُمانيين من علماء الدين.
(4)
كان بعض علماء عُمان المتأخرين يصفون المتقدمين بأنهم «سَيَّرُوا السِّيَر» في إلماحةٍ منهم إلى مكانة عالية يحظى بها هذا النمط من الكتابات، فهي مكتوبة أساسا لتخترق الآفاق وتسير مَسِير الشمس في أرجاء المعمورة، لتصل رسالتها إلى القاصي والداني.
ومن هنا كان لا بُدّ لكاتبها من مراعاة أسلوبها، فيُوْليها نظره الثاقب وقلمه السيال لتخرج قطعة أدبية رفيعة، قبل أن تؤدي غايتها العلمية. ولا ريب أن سعة انتشارها مرهونٌ بمكانة كاتبها وحُسن عرضها وإقبال الناس عليها، ولذا فهي ابنة بيئتها من حيث معالجة القضايا النازلة في زمانها ومكانها، ومن حيث اللغة المستخدمة والأسلوب، لكنها عموما تتميز أسلوبيا بعدم الاهتمام باللفظ بل بالمضمون، على تفاوت وفق عصورها في الاهتمام بالبديع والجناس والسجع. كما تجمع بين سمات الرسالة والمقال العلمي والمذكرات القصيرة. وفق تفاوت مرجعه الكاتب نفسه.
وتسير السير المكتوبة على منهج المقال العلمي وفق نمطية المقال، فتبدأ بمقدمة ثم عرض ثم خاتمة. وهي متفاوتة في مقدماتها، ولكنها غالبا تكون مناسبة لموضوعها. أما الموضوع فهو علمي بحت، يسير وفق شروط المقال.
غير أننا نجد بعضها يسلك مسالك الوعظ أو القصة أو المقامة. مرورًا بما يتخللها من عبارات بليغة وسبك رصين، أما الخاتمة فتُودَع فيها غالبا نصائحُ ومواعظ رقيقة المعنى والمبنى.
(5)
هذه السير تعتبر مصدرا أصيلا لدراسة الأدب ودراسة التاريخ ودراسة الأفكار والظروف الاجتماعية والفكرية، ويمكن تشبيهها بأرشيف من المذكرات والمراسلات لأزمنة مختلفة وموضوعات متنوعة. كما أنها إرثٌ حضاري زاخرٌ في علم الاجتماع وفقه السياسة الشرعية. وكان لهذه السير دور مؤثر في زمانها، وخير دليل على ذلك السيرة التي أوردها النور السالمي في تحفة الأعيان، وهي سيرة الملك محمد بن مالك، أو محمد بن أبي غسان؛ إلى من أراد الخروج عليه سنة 546هـ، ينصحهم وينهاهم عن العصيان والشقاق. والسيرة تَفِيضُ قوةً معنوية ولفظية، حتى قيل عنها: كَانَتْ هَذِهِ السِّيرَةُ لِمَنْ كُتِبَتْ إِلَيْهِ مَلْحَمَةٌ-أي مقتلة- فهي أشبه بالنصر بالرعب قبل نشوب الحرب. ومما يدل على أهميتها أيضا اعتناء الحكّام والأئمة بها، ولعل بعضهم كان يكلف غيره بكتابتها على لسانه.
ويمكننا تلخيص معالم أهميتها في عدة نواح منها:
1- السير العُمانية عبرت عن القضايا الفكرية التي وقعت في عُمان في كل فترة زمنية، فهي أدبيات في الفكر تكتب في مواجهة لصعوبة ما
2- هذه السير مصدر مهم للتاريخ العُماني، فهي تسجل الكثير من الأحداث والتواريخ المهمة. فقد ارتبطت كتاباتها بالأحداث والتطورات السياسية في عُمان. فالتقسيم التاريخي لعُمان متقارب لتقسيم فترات كتابة السير.
3- هذه السير تحمل دلالات مهمة للأدب في عُمان، فهي بذاتها قطع أدبية كما أن أسلوبية الكتابة في كل زمان تأثرت بمستوى الأدب واللغة فيه. فمثلا في الفترة الأولى أغلب السير ذات توجيه ديني ووعظي تحتوي آراء الأئمة والعلماء. إلا أنها لم تلبث أن توجهت إلى الأسلوب الحجاجي في الرسائل المتبادلة بين علماء مدرستي الرستاقية والنزوانية حول موضوع ماهية وطبيعة الإمامة. وفي الفترة الثالثة، جاء أغلبها على شكل رسائل ومذكرات وفتاوى عبرت عن وجهات النظر إزاء الأحداث الداخلية في عُمان. وفي الفترة الرابعة، ترى الأمثلة في أساليب الكتابة في المقامة والمنشورات القضائية. وآخرها الدولة اليعربية؛ حيث يكثر الكُتّاب فيها من السجع في كتاباتهم.
وهذه التطورات على المدى، عكست الكثير عن هُوية وثقافة المجتمع العُماني.
والخلاصة أن هذه السير العُمانية ظاهرةٌ ثقافية وفكرية في الكتابة التاريخية وهي بمثابة أرشيف سجل للأحداث الدينية والسياسية والاجتماعية لاثني عشر قرنا.
ولا شك أن لهذه السير مضامين علمية واجتماعية وتاريخية وحضارية في السياسة الشرعية والتراتيب الإدارية والتهذيب الاجتماعي يستحق وقفات متأنية. كما أن القالب الأدبي الذي صيغت به حريٌّ -هو الآخر- بدراسات وأبحاث.