العرب والعالم

القدس والضفة الغربية في "أملاك الاحتلال"

 

بينما تغيّر الجرافات الإسرائيلية معالم الأرض الفلسطينية، ثمة جريمة إسرائيلية أخرى تجري بصمت، وترسم خرائط جديدة لفرض واقع لا رجعة فيه، عبر تصعيد خطير وضم فعلي لأراض محتلة، من شأنه أن يحول الضفة الغربية إلى 'أملاك دولة' والمقصود هنا تحويل مساحات واسعة من الضفة الغربية إلى أراض تابعة لدولة الكيان الاسرائيلي.
وفي محاولة للتهرّب والتنصل من حل الدولتين، الذي نادت به المبادرة العربية، وتبنته الأسرة الدولية، ولتعزيز خطوات الضم وفرض السيادة الإسرائيلية، وتمتين سطوتها على الأرض الفلسطينية، صادقت حكومة الكيان الاسرائيلي على قرار بدء تسوية وتسجيل أراض في الضفة الغربية، للمرة الأولى منذ احتلالها عام 1967.
تسارعت إجراءات التهويد الإسرائيلية في الضفة الغربية، فيما شرعت سلطات الاحتلال في تسجيل أراضي القدس المحتلة في السجل العقاري الإسرائيلي، في استهداف واضح وصارخ للوجود الفلسطيني، وتكريس للسيادة الإسرائيلية على المدينة المقدسة.
هذه الإجراءات المتسارعة، أثارت في الشارع الفلسطيني تساؤلات مشروعة على نحول: لماذا فتح الكيان الإسرائيلي ملف الأراضي الفلسطينية في هذا التوقيت؟ وهل يدرك العرب والمسلمون حجم ما يحاك للقدس؟ وهل تلغي الإجراءات الإسرائيلية الحل السياسي وتفرض نظام الفصل التام (الأبرتهايد) في الضفة الغربية؟.
إستناداً إلى مراقبين، فمصادرة أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية، وإقامة منشآت استيطانية عليها، من شأنه حصر وحصار 3.5 مليون فلسطيني في تجمعات سكانية مكتظة، تشكل أقل من 20 في المائة من مساحة الضفة الغربية، وفقاً لخطة الحسم الإسرائيلية.
إلغاء أوسلو
يقرأ الكاتب والمحلل السياسي محمـد دراغمة، في الخطوات الإسرائيلية المتسارعة، إلغاء وتقليص لصلاحيات السلطة الفلسطينية، وحصرها فقط في الخدمات المدنية، كبطاقة الهوية وجواز السفر، كي تعفي نفسها من المواطنة، منوهاً إلى مخاوف تفعيل قانون 'أملاك الغائبين' وغيره من التشريعات التي من شأنها تغييب حقوق الفلسطينيين.
ويشرح: 'سيعمل جيش الاحتلال على نبش كل متر مربع من الأرض الفلسطينية، ومصادرة أملاك الغائبين، وكذلك الأملاك غير المسجلة والأراضي العامة، بما يشمل المحميات الطبيعية والمواقع الأثرية ومصادر المياه، وفتح الباب أمام التملك الفردي للمستوطنين، وهذا لا تشمله الحلول السياسية، بحسبانه ملك شخصي' منبهاً إلى أن الكثير من الفلسطينيين كانوا يسجلون مساحات أقل في الأزمان الاستعمارية الغابرة، لتجنب الضرائب الجائرة.
ويوالي: 'القرار الإسرائيلي يهدف للاستيلاء على أكبر قدر ممكن من المساحات في الضفة الغربية، وتحويلها إلى الاستيطان، واستهداف الفلسطينيين من خلال حصرهم في تجمعات سكانية لا تتجاوز 18 في المائة من مساحة الضفة الغربية، وإعادة تعريف دور الكيان السياسي للفلسطينيين (السلطة الفلسطينية) وحصره في الشؤون الإدارية، ووأد الحل السياسي القائم على حل الدولتين'.
ويوضح أكثر: 'كل فلسطيني هُجّر عن أرضه في العام 1967، أو غادر الأراضي الفلسطينية بحثاً عن العمل، أو توفي من دون أن يكون له ورثة، ستقوم سلطات الاحتلال بمصادرة أرضه، مع تسجيل (أراضي المشاع) التي كان يتركها الفلسطينيون دون تسجيل تجنباً لدفع الضرائب الباهظة'.
في تل أبيب، يقول وزير الاستيطان والمال بتسلئيل سموتريش، إن الهدف من هذه الإجراءات هو السيطرة الإسرائيلية على 82 في المائة من أراضي الضفة الغربية، ومحاصرة الفلسطينيين في المساحة الضيقة (18% وهذا وفق مراقبين، يلغي إمكانية الحل السياسي، وينهي كل الاتفاقيات بين الفلسطينيين وإسرائيل، والتي قامت على أساسها السلطة الفلسطينية، وفي المقدمة منها اتفاق أوسلو المبرم عام 1993).
هل من مواجهة؟
وبوتيرة فاقت توقعات الكثير من المراقبين، تمضي حكومة الاحتلال في حملة 'التسلل القانوني' لفرض الهيمنة الإسرائيلية وتغيير الوضع القائم في القدس والضفة الغربية، من خلال شرعنة الاستيطان، وضم الأراضي الفلسطينية وتشريع احتلالها، وطالما أن إجراءات الضم والتهويد تجاوزها المجتمع الدولي، المؤمن بحل الدولتين، من دون اتخاذ أي إجراء مؤثر لوقفها، فمن غير الممكن أن تتوقف حكومة نتنياهو المتطرفة، عند هذا الحد، بل ستزداد أطماعها.
وبرأي الباحث السياسي المقدسي ناصر الهدمي، فالقرارات الإسرائيلية هذه ليست جديدة، وما يجري هو استكمال لتنفيذها، مبيناً أن سياسة الاحتلال هذه تمتد لأكثر من 55 عاماً، وتستغل فقدان الكثير من الوثائق و(أوراق الطابو) بفعل مرور الزمن، ورحيل أعداد هائلة من مالكي الأراضي، ما يفتح شهية الاحتلال للاستيلاء على العقارات الفلسطينية وفرض السيطرة عليها.
ويواصل: 'هذا الواقع الاستعماري هو نتاج سياسة الكيان الإسرائيلي منذ العام 1967، عندما أوقفت سلطات الاحتلال تسجيل العقارات في مدينة القدس، وعطلت أعمال ورخص البناء، ما حرم آلاف المقدسيين من إعمار أراضيهم'.
ولعل ما ورد في تقارير منظمة 'عير عميم' الاستيطانية، حيال انتقال تجمعات فلسطينية بالكامل إلى السيطرة الإسرائيلية، يزيد المخاوف لدى المقدسيين من فقدان ملكيتهم لعقاراتهم، ما يسهل مهام الجمعيات الاستيطانية في السيطرة عليها.
في القدس، تعد الحلقة الأخيرة في مسلسل تحويل المدينة إلى 'يهودية' بالكامل، وفي الضفة الغربية تهويد واستيطان ينهش الأرض ويستشري في الجسد الفلسطيني، وليس بمقدور الفلسطينيين سوى التوجه إلى المجتمع الدولي، الذي لا يرون منه سوى الإدانة، وعليه، فثمة قلق فلسطيني من ضم القدس والضفة الغربية، لا سيما وأن الكيان الإسرائيلي يقف خلف القانون الدولي، ويحميه الدعم الأمريكي أمام المنظمات الأممية والدولية.