أفكار وآراء

في رمضان: تجربة العالم وتجربة الروح

هل تخلينا عن أملنا بعالم أفضل؟ وهل تصاغرت أمانينا حتى أصبح أكبر أحلامنا أن لا يسقط العالم مزيدًا من السقوط؟ وهل هذا ما تعدنا به النوادي السياسية المغلقة للقرن الحادي والعشرين؟ تلك التي تلاحق سياسييها الفضائح، ويلقي الشرطة القبض على أفراد عائلاتها المالكة.

هكذا لا يبدو أن العقد الثالث من القرن، الذي ابتدأ بالوباء العالمي، كوفيد أو كورونا سمه ما شئت، أكثر هدوءًا من العقود السابقة له؛ أم أن ديدن القرون أن تبدأ مشتعلة؟ إذا استعدنا بدايات القرن العشرين.

فها هي الأزمة الإيرانية ـ الأمريكية تتصاعد الاسبوع الماضي، رغم المفاوضات الجارية بين الطرفين، وما زلنا لا نعلم إن كان رمضان هذا سيمضي بسلام، أم يتحقق استغلال عنصر المفاجأة، ونجد أنفسنا أمام نفس سيناريو اختيار المناسبة الدينية والاجتماعية لتوقيت عمليات التدمير وشن الهجوم، والذي كانت إسرائيل تحرص عليه في حصارها لغزة قبل عمليتها الأخيرة لتدميرها ونسفها؛ فهل يمضي رمضان هذا العام بسلام؟ بل هل يمضي هذا الأسبوع بسلام دون أن تندلع الحرب؟

إذا استعدنا تصريح رئيس الإدارة الأمريكية الأسبوع الماضي الذي يتحدث عن عشرة أيام كمهلة، وكل هذا يكاد ينسينا ما رمضان وما الصوم، ولعل رمضان فرصة مناسبة للتخلص، قدر الإمكان، من هذا الغليان والتوتر في قدر العالم السياسي.

بمناسبة رمضان تزينت الشوارع، والبيوت، وكأن الناس تبحث عن فرصة للفرح تنسيها الهموم، دخل الناس في شهر تغيير العادات والأنماط اليومية لإيقاع الحياة، وبدأت تنشط الملاعب والنوادي والرياضات المختلفة، وانطلقت الدورات الرمضانية، ومثلها الأنشطة الاجتماعية المختلفة، واجتمعت العائلات والأسر على موائد الإفطار، وبدأت المساجد تزخر بالمتعبدين؛ فرمضان والصوم فرصة للتعبير البشري عن التوق للتجربة الروحية مقابل التجربة الجسدية.

وبين بقية الأشهر التي يخضع الإنسان فيها لإيقاعه الجسدي وينظّم يومه وفق تلك الاحتياجات، يأتي الصوم كفرصة للتحرر ولو قليلًا من ربقة الجسدي، بغية التركيز على صحبة الروح، لكننا لا ندري إن كنا نفعل ذلك عن وعي، أم بحكم العادة الاجتماعية القارة فحسب. ولا تخلو أغلب الديانات من تجربة الصوم، وتجربة الصوم في خصوصيتها تجربة فردية، وإن كانت تأخذ الطابع الاجتماعي المشترك، في الصوم الجمعي، وهي الصيغة الأكثر انتشارًا في بلداننا الإسلامية.

وكما يلاحظ جواد علي في كتابه المفصل في تاريخ العرب، فإن الصوم لم يرد كثيرًا بنفس معناه المعروف اليوم في آيات وسور المرحلة المكية، بل ورد بمعنى الامتناع عن الكلام، كما في آية سورة مريم؛ أما المعنى المتداول اليوم للصوم فقد ظهر في آيات وسور المرحلة المدنية، حيث كما نعلم فرض الصوم في السنة الثانية للهجرة حسب المؤرخين. ومنذ ذلك التاريخ إلى عامنا في منتصف المائة الرابعة بعد الألف، أصبح رمضان والصوم تجربة اجتماعية شرقية إسلامية خاصة، لها مظاهرها المختلفة في البلدان الإسلامية، على اختلاف الثقافات والبلدان والنظم في البلدان التي يقطنها المسلمون، ومن الملحوظ في مختلف المجتمعات تقريبًا، هو أن رمضان وشهر الصوم يشهد نزعة اجتماعية بالعكس لإبراز المزيد من الاهتمام الجسدي، ويبدو أنها نزعة غير واعية، كما يبدو لنا على الأرجح.

منذ اقتراب الشهر تنتعش الأسواق وتنشط كافة الأنشطة التجارية، من مراكز التسوق، إلى المقاهي، ومن محلات الأقمشة إلى الخياطين، وعلى كل مائدة في كل بيت، سنجد صنفًا أو صنفين نادرين أعدتهما ربة البيت خصيصًا لرمضان، وتتهادى بيوت الجيران والمعارف الوصفات والأطباق طوال الشهر، وتنشط الملاعب والأندية المختلفة، وأصبح الشهر موسمًا للمسلسلات وصناعة الترفيه نهارًا، وصارت لياليه نوعًا من الاحتفاء أكثر بالجسد والجسم وطعامه وشرابه وصحته ورياضته؛ فهل تكون هذه هي إجابة الروح؟ أم هو ما يدعوه علماء الأعصاب والنفس بتحفيز مراكز اللذة والمكافأة في المخ، فكأن الامتناع عن الطعام والشراب طوال النهار يحفز الدماغ على طلب مكافأته مع غروب الشمس بدءًا من مائدة الافطار، وعلى تجهيز المكافأة الختامية التي يجسدها العيد بكافة مراسيمه وطقوسه.

في عالمنا المعاصر يدخل الصوم بأشكال مختلفة، أغلبها كإجراءات طبية مثل الصوم قبل الفحوصات المختبرية أو الكشف الطبي أو العمليات الجراحية.

كما وانتشرت ظاهرة الصيام المتقطع بمعدل ٢: ٥ التي كان أول من نشرها عالم الأعصاب الأمريكي مارك ماتسون في برنامج وثائقي على البي بي سي عام ٢٠١٢م. وقد أصدر كتابه حول الصيام المتقطع عام ٢٠٢٢م بعنوان ثورة الصيام المتقطع: علم تحسين الصحة وتعزيز الأداء The Intermittent Fasting Revolution: The Science of Optimizing Health and Enhancing Performance. حيث تشيع اليوم بين عدد متزايد من الأفراد ممارسة الصيام المتقطع لأهداف تتعلق بالصحة والقدرات البدنية بما فيها الصحة العقلية، ولهذا الصوم المتقطع بعض القواعد الحاسمة التي يشكل إغفالها أو التهاون بشأنها تهديدًا للصحة وقد يؤدي حتى للوفاة خاصة في حالات الاستمرار الطويل.

وتذكر المراجع التاريخية قصة المعالجة ليندا هزارد الأمريكية التي ادعت قدرة الصوم على علاج جميع الأمراض، حتى أدينت بالقتل الخطأ بعد وفاة أكثر من ١٥ شخصًا من المتعالجين لديها، والتي ظلت مؤمنة بطريقتها في العلاج بالصوم حتى بعد خروجها من السجن، إلى أن ماتت عام ١٩٣٨م بعد أن طبقت على نفسها طريقتها في الصوم.

يتيح الصوم وشهر رمضان فرصة جيدة للمراجعة، فرصة للتحرر من الروتين اليومي ومواعيد الوجبات، فرصة لتخليص الذهن وتخفيف الضغط وسيل المعلومات الذي نغرق فيه ونحن بالكاد نجيد السباحة الرقمية، حتى أصبحنا لا نجد فرصة حتى للتفكير أو تحليل ما نستقبله من معلومات ومواد مختلفة لا حصر لها ولا انقطاع، كأننا في حالة إغراق معلوماتي، وهي حالة يعرفها الإعلام جيدًا ويستغلها منذ عقود؛ لكن الصوم وتغيير الروتين والعادات يأتي كطوق إنقاذ من ذلك كله.

هذه فرصة جيدة للخلو بالنفس، ولا أظن النوم طريقة صحية مناسبة للتعامل مع نهار الصوم، ولا الانشغال المستمر للذهن، بل أظننا بحاجة أكثر إلى الخلو، والفراغ، من الداخل، كما في الطاو، أي لتوسيع المساحة داخلنا للاستيعاب بشكل أفضل، لمراجعة طرقنا وأفعالنا، وللبحث عن طرق أفضل وأساليب أحسن في التعاطي مع عاداتنا وتراثنا، للتأكد من سلامة مبادئنا وحتى يقينياتنا، للتخفف من أنانيتنا الذاتية، والاندماج مع طبيعتنا والطبيعة ككل من حولنا، ومع البشر أجمعهم، متحدين لمحاولة الصعود على كل التهديدات والأخطار المعلنة، وكل التشويش والاضطراب الذي يسعى بعض ساستنا لإغراقنا فيه ليسهل تحكمهم بنا.

نحن مدعوون فرديًا وجمعيًا للتفكير بحاجاتنا الروحية، برحلتنا الروحية بوصفها جزءًا لا يتجزأ من تجربتنا الوجودية، ربما يمكننا الوصول إلى جنة الروح هذه، ليلة القدر كما في المفهوم الإسلامي، عبر قليل من الإصغاء للروح، والانتباه للروح، وعدم حصر الروح في الطقوس الرتيبة، بل لإطلاق قواها والإصغاء إلى ندائها العميق الداخلي، ولعل تجربة الصوم والتوقف عن الطعام والشراب وبقية المؤثرات ليست إلا محاولة بشرية منذ القدم سعيًا لتحسين تجربة الإصغاء والرؤية الداخلية والخارجية لهذا التجسد الروحي.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني