أفكار وآراء

المحكمة العليا الأمريكية تقلب معادلة الرسوم الجمركية

ترجمة: بدر بن خميس الظفري -

كما كان متوقعًا، أبطلت المحكمة العليا السياسة الاقتصادية الرئيسية لإدارة ترامب، وقضت بأن القانون لا يسمح للرئيس بفرض رسوم جمركية بمليارات الدولارات على شركائنا التجاريين حول العالم. في أغسطس الماضي، صرّح الرئيس ترامب بأن قرارًا كهذا «سيدمر الولايات المتحدة الأمريكية حرفيًا». هل كان محقًا؟

الجواب: هذا التراجع سيىءٌ للاقتصاد بلا شك، لكن ليس للأسباب التي قصدها الرئيس ترامب. على المدى البعيد، من المرجح أن يكون هذا القرار أفضل بكثير للاقتصاد مما كنا نتجه إليه.

الرسوم الجمركية وحدها - سواء فرضها أو إلغاؤها - لن تُدمر الولايات المتحدة، وذلك ببساطة لأن الواردات لا تُمثل سوى ما يزيد قليلًا عن 10% من الاقتصاد. أما الخدمات، مثل الرعاية الصحية والتعليم، فتُمثل حوالي 75% من الاقتصاد، والرسوم الجمركية لا تؤثر عليها فعليًا.

لا يعني هذا أن الضرائب المرتفعة على الواردات هي شيء طيب؛ فالتقديرات تشير إلى أن الرسوم الجمركية بالمستويات التي فرضتها هذه الإدارة ستؤدي إلى انكماش الاقتصاد بنحو 0.3 نقطة مئوية في المستقبل. أي ما يعادل خسائر تُقدّر بنحو 90 مليار دولار سنويًا، وهو مبلغ ليس بالهين، ولكنه ليس كافيًا لتدمير البلاد أو إنقاذها.

إنّ التأثير الهائل والمدمر على الاقتصاد ينتج من تغير القوانين وعدم ثباتها بشكل يومي. وحتى في أفضل الظروف، تتخبط هذه الإدارة في التخطيط. هل تذكرون كيف أُعلن عن الرسوم الجمركية بحفاوة بالغة في «يوم التحرير»، ثم جُمّدت، ثم عُدّلت مرارًا وتكرارًا؟ فرضت إدارة ترامب رسومًا جمركية على دول أغضبت الرئيس. فلفترة وجيزة، بلغت الرسوم على الصين 145%. وخفّضت الرسوم على دول رضي عنها ترامب، فقد نجحت رئيسة المكسيك في وساطات عدة لتأجيل للرسوم.

وبحسب إحصائي، تغيّر المعدل الفعلي للرسوم الجمركية أكثر من ستين مرة منذ عودة السيد ترامب إلى البيت الأبيض. وكان ذلك حين كان هناك على الأقل إطار معلن يمكن الرجوع إليه. أما الآن فقد عدنا إلى نقطة البداية، وكأننا في مشهد يذكّر بفيلم أميركي شهير (يوم الجرذ الأرضي)، تدور أحداثه حول يوم يتكرر بلا نهاية، لكن هذه المرة في نسخة متكررة من «يوم التحرير».

قضت المحكمة بأن قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية، الذي استندت إليه الإدارة كأساس لإجراءاتها، لا يمنح الرئيس الصلاحيات الواسعة التي استند إليها الرئيس ترامب. لكن المحكمة لم تستبعد فرض الرسوم الجمركية تمامًا؛ ففي غضون ساعات، أعلن ترامب أنه سيفرض رسومًا جمركية جديدة بوسائل أخرى، بما في ذلك رسوم بنسبة 10% على معظم السلع المستوردة.

قال الرئيس إن هذه الرسوم الجديدة ستستند جزئيًا إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، الذي يسمح بفرض رسوم جمركية تصل إلى 15% لمدة تصل إلى 150 يومًا. وأضاف أن إدارته ستُجري تحقيقًا في الممارسات التجارية باستخدام المادة 301، وأن رسومًا جمركية إضافية قد تُفرض لاحقًا. وتشمل الخيارات الأخرى تطبيق المادة 338 من قانون التعريفات الجمركية لعام 1930، التي تسمح بفرض رسوم جمركية تصل إلى 50% على الدول التي تُلحق ضررًا بالتجارة الأمريكية. أو قد يطلب الرئيس من الكونغرس سنّ حزمة من الرسوم الجمركية، أو إصدار قانون جديد يُوسّع صلاحياته في هذا الشأن. أو أي مزيج من هذه الخيارات.

كل هذه المقاربات تتطلب جهدًا أكبر من حزمة الرسوم الجمركية السابقة، التي فُرضت بقرار من الرئيس ترامب. وستكون جميعها عُرضة للطعن القانوني، الذي سيُحال على الأرجح إلى المحكمة العليا، وعندها قد تبدأ الدورة من جديد.

لكن من المرجح، كما أشار القاضي بريت كافانو في رأيه المخالف، أن قرار المحكمة قد لا يُسهم كثيرًا في الحد من سلطة الرئيس في فرض الرسوم الجمركية.

كيف يُمكن للأفراد تدبير ميزانيات أسرهم في ظل هذا القدر من التخبّط؟ وكيف يُمكن للشركات، في ظل هذا التخبط، وضع استراتيجياتها بشأن تحديد الأسعار، أو تأمين مخزوناتها، أو توسيع أعمالها؟

سيواجه الشركاء التجاريون حول العالم خيارات مُحيرة. ماذا سيحدث للمفاوضات الجارية مع الصين والاتحاد الأوروبي إذا لم يكن أحد يعلم ما إذا كانت الرسوم الجمركية الأمريكية ستُعاد؟ وكيف ستعاد؟ ومتى؟ هل ينبغي لهذه الأطراف أن تفترض - كما أكد وزير الخزانة سكوت بيسنت - أن الرسوم الجمركية المرتفعة «ستبقى» وأن تتفاوض وفقًا لذلك؟ أم تُراهن على أن المحكمة ستستمر في إلغاء جميع استراتيجيات الرسوم الجمركية الجديدة؟

الشيء الوحيد الثابت هنا هو التخبط، على الأقل في الوقت الراهن.

يمتد التخبط إلى الماضي أيضًا، فيما يتعلق بأكثر من 140 مليار دولار من الرسوم الجمركية التي حصلت بالفعل. قبل صدور قرار يوم الجمعة، بدا من المحتمل أن تُصدر الحكومة تعويضات محدودة للمدعين في الدعاوى القضائية دون غيرهم. ربما تسمح المحكمة للحكومة بالاحتفاظ بإيرادات الرسوم الجمركية التي جُمعت بالفعل.

أو ربما تُترك هذه «الفوضى» برمتها، على حد تعبير القاضية إيمي كوني باريت، التي صوتت ضد سلطة الرئيس في فرض الرسوم الجمركية، للمحاكم الأدنى درجة لحلها.

يتضح أن القرار لم يتطرق إلى كيفية حل هذه الفوضى، وهو قصور أشار إليه القاضي كافانو في رأيه المخالف. وأي تعويضات، إن وُجدت، ستذهب إلى الشركات التي استوردت البضائع برسوم جمركية أعلى، وليس إلى المستهلكين الذين دفعوا أسعارًا أعلى مقابل السلع الخاضعة للرسوم الجمركية في المتاجر.

قد تُؤدي هذه الأموال إلى مزيد من الاستثمار ونمو الاقتصاد، لكن من المرجح أن تكون هذه الآثار أقل بكثير من الخسائر التي تكبدها المستهلكون بالفعل. وقد التزمت الشركات الكبرى الحياد إلى حد كبير في هذه المعركة القانونية. إن القضايا التي وصلت إلى المحكمة العليا رفعتها شركات صغيرة، وليس شركات عملاقة مثل أمازون وول مارت، على الرغم من التأثير الكبير لهذه السياسات على أكبر متاجر التجزئة. ولم تنضم حتى المجموعات التجارية التي تمثل الشركات الكبرى إلى المذكرات التي توضح بالتفصيل الضرر الاقتصادي الذي لا يمكن إصلاحه والذي تُلحقه الرسوم الجمركية بالشركات الأمريكية. قد يكون ذلك خشيةً من إغضاب الرئيس. ولكن قد يكون أيضًا، كما قال مايكل بوتر، أحد المديرين التنفيذيين في شركة كورسير، إن «المشكلة ليست في الرسوم الجمركية نفسها، بل في حالة التخبط بشأن نطاقها الفعلي» التي «تُسبب قلقًا إضافيًا للإدارة».

على المدى البعيد، يُعدّ قرار المحكمة العليا خطوة نحو الاستقرار. بتنا نعلم الآن أن لسلطة الرئيس في تحديد الرسوم الجمركية حدودًا. فقانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لا يُخوّل السلطة التنفيذية تغيير السياسة التجارية بشكل تعسفي استجابةً لعروض تجارية لا تُرضي الرؤساء أو سياسات تختارها دول أخرى لا نُفضّلها.

لكن الرئيس ترامب سيسعى إلى طرق أخرى عديدة لتحقيق تلك الغايات الأحادية نفسها. وعلى المدى القريب، لن يُسهم قرار يوم الجمعة إلا قليلًا في معالجة مشكلة عدم اليقين.

ناتاشا سارين، كاتبة رأي، أستاذة في كلية الحقوق بجامعة ييل ورئيسة مختبر الميزانية في الجامعة نفسها. عملت في وزارة الخزانة خلال إدارة بايدن.

الترجمة عن صحيفة ذَ نيويوركَر.