روضة الصائم

النتاج العُماني في المجال الفكري

 

د. سالم بن سعيد البوسعيدي / باحث في الثقافة والآدب

نكمل هنا حديثنا السابق عن النتاج الفكري في عُمان، ونخصص الحديث عن المجال العلمي، وهنا نشير إلى دراسة رائدة بعنوان «العُمانيون والعلوم التجريبية: الطب والهندسة والفلك والملاحة البحرية» للباحث صالح بن محمد بن سليمان السيابي، وهو بحث متميز في مجاله.

نعم لم يكن للعُمانيين كبير اهتمام بالنظم والتأليف في الجانب العلميّ لأسبابٍ أهمها: اشتغالُهم بالجوانبِ التي تظهرُ هويتَهم وتاريخَهم وثقافتهم الخاصّة، لأنّهم المعنيون بتلك الجوانب، وثانياً: لقلةِ المدارس المتخصصّة في هذه الجوانب، وثالثاً: لأنّ المجالسَ العامّةَ تستثقل قراءة المنظومِ في هذا الجانب. كما أنّ هذه العلومَ تجريبيةٌ تطبيقيةٌ أكثر منها نظريةً بحتة؛ فكانت الممارسةُ العمليّة أكثر من التأليف والتدوين.

ويمكن أن نذكر هنا ملاحظات عابرة:

أولا: قلة المصنّفات المدونة في هذه العلوم: فالعلومُ التطبيقيةُ تنتقل بالممارسةِ والتوارثِ أكثر من التعليم النظري، فمثلا في مجال الهندسة «تكاد تنعدم المصنفات العمانية؛ غيرَ أن دورَ العمانيين الحضاري بارزٌ من الناحية العملية التطبيقية، ونراه متجليا في المعالمِ الحضاريةِ المتوزّعة في البلد طولا وعرضا كالأفلاج والقلاع والحصون. ورغم وجود مؤلفات طبية متناثرة عبر الزمن العُماني، إلا أنها قليلة جدا مقارنة بالممارسة العملية المتوارثة عبر الأجيال خاصة فيما يسمى بالطب الشعبي الذي اعتمد عليه العمانيون أزمنة ممتدة في العلاج وصناعة الدواء. وكذا الحال في علمِ الفلك فالمصنفات قليلة مقارنة بحجم حضوره العملي، فالبحَّارة العمانيون يعتمدون عليه في تحديد أوقاتِ السفر المناسبة قبل الرحلة –حسب الرياح الموسمية-، وأثناء الرحلة في معرفة موقعهم في عرض البحر والمسافة المتبقية للوصول إلى غايتهم، وفي تجنُّب الأعاصير والأنواء المناخية، وأهل البرِّ يستخدمونه في تحديد المواسم المناسبة للزراعة والحصاد، واعتمدوا عليه كليّا في تقسيم مياه الأفلاج بين أصحاب المزارع، كما استخدمه العمانيون في تسهيل أداء الشعائر والعبادات، كتحديد اتجاه القبلة، ووضع تقويم لمعرفة أوقات الصلوات.

ثانيا: الشعر التعليميّ يحضر بقوة في هذا المجال: فرغم قلة المصنّفات في مجال العلوم التجريبية إلا أنّ للشعر التعليميّ حضورُه الواسعُ في هذا المجال، فألَّفوا القصائد والأراجيز في الطب والفلك وعلوم البحار، فما ألفه الملاح الطبيب ابن عميرة نظما في الطب يفوق ما ألفه نثرا وكذلك الحال مع أسد البحار أحمد بن ماجد في الفلك وعلم البحار.

ثالثا: الاستفادة من تجارب الآخرين: فقد كان لانفتاح العُمانيين واتصالِهم بغيرهم أثرُه في هذا المجال؛ فأخذوا العلوم والتجارب، ولم يمنعهم في ذلك اختلاف الدين والقومية؛ وكذلك علومهم لم تقتصر عليهم؛ بل انتشرت في أصقاع المعمورة، واستفاد منها الآخرون، خاصة في مجالي الطب وعلوم البحار.

رابعا: الطب والفلك وعلوم البحار في الطليعة: «اهتم العُمانيون بالطب والهندسة والفلك وعلوم البحار أكثر من اهتمامهم بالعلوم الأخرى، كالرياضيات والفيزياء والكيمياء؛ وذلك لكون هذه العلوم التي اهتموا بها تلامسُ واقعهم، وتؤثر في حياتهم أكثر من العلوم الأخرى؛ فالطب لا غنى لكل أحد عنه، كما ارتبطوا بالفلك ارتباطا وثيقا؛ للخدمات الجليلة التي يقدمها لهم. كما يمكن القول أن الطب وأعشابه والفلك مرتبط بخصائص البلد وأهله أكثر من تلك العلوم التجريدية كالرياضيات والفيزياء.

ورغم قلة المكتوب والمنظوم في هذا الجانب، إلا أنّ للعُمانيين مساهمات فعّالة في هذا الجانب؛ فألّفوا مصنفات مدعومة بالتجربة، ككتاب (الماء) لابن الذهبي الصحاري، وكتاب (الفوائد) لأحمد بن ماجد، ومنظومة (زاد الفقير وجبر الكسير) وشرحها لراشد بن خلف، وكتب ابن عميرة.

(2)

اهتم العمانيون بعلم الطب، وقامت مدارس علمية، توارث فيها أبناءُ عمان مهنة الطب، وإن كانت هذه المدارس عمليةً أكثرَ منها نظرية، ولذا فكتب الطبِ قليلة مقارنة بعدد الذين مارسوه. ويُعَدُّ كتاب الماء لأبي محمد عبدالله بن محمد الأزدي الصحاري العماني (ت 456 هـ) من أكبر المعاجم الطبية، ويقول محققه هادي حسن حمودي، إنه أول معجم لغوي طبي في التاريخ، ويظهر من الكتاب أن الأزدي تتلمذ على يد الطبيب ابن سينا (ت 427 هـ/1037 م)، وشافَهَ أبا الريحان البيروني (ت 440 هـ/1048 م)، ويُحسب للأزدي إنجاز آخر–كما يراه محقق الكتاب- وهو أنه «وَضَعَ الأُسُس الأولى لفهم الدورتين الدمويتين الصغرى والكبرى، من قبل أن يتحدث ابن النفيس عن الدورة الصغرى بحوالي مائتي عام». ومن أهمِ المخطوطاتِ في مجال الطب مؤلفاتُ الطبيبِ راشدُ بن عميرة، التي امتازت بعلم تشريح الجسد، وخاصة العين، وتميزت أيضا بالرسومات والتوضيحات، فتوضّح العملياتِ الجراحيةَ والتجاربَ الطبية في علاج بعض الأمراض، ومن أبرزِ مؤلفات ابن عميرة كتاب (فاكهة ابن السبيل) وصف الكثير من الأمراض وأنواعها وطرق علاجها، و(القصيدة الدالية) التي شرَّح فيها بدن الإنسان من رأسه إلى قدميه، وذكر وظائف الأعضاء وصِفَة خلقها. والحق أن مدرسة آل هاشم توارثت الطب فقد برز أيضا أحد أجداد ابن عميرة في ذلك وهو أبو سند راشد بن خلف بن محمد القري صاحب منظومة «زاد الفقير وجبر الكسير» وهي منظومة بلغت أبياتها ثلاثمائة وتسعة أبيات.

(3)

حضر علمُ الفلك بعمقٍ في حياة العمانيين اليوميّة، فقد ارتبطَ ببعض العباداتِ مثل تعيين اتجاه القبلة، ومواقيتِ الصلاة، ومواعيد بداية ونهاية الأشهر القمرية، كما ارتبط بحياتهم الاقتصادية كمعرفة المواسم المناسبة للزراعة وما يتعلّق بها من أعمال كتنظيم مياه الأفلاج والحصاد وغيره، وللدلالة على مواسم الصيد البحري، وتحديدِ مسارات الطرق البرية والبحرية وموقع السفينة في عرض البحر، ومعرفة الموسم المناسب للرحلات البحرية... وكل ذلك يتمُ عن طريق النظر في الشمس نهارا، وفي النجوم والقمر ليلا.

مؤلفاتُ العمانيين في الفلك توزّعت بين النظم والنثر، ويأتي في طليعتهم أحمد بن ماجد فقد ترك أكثر من 46 عملا، خمسة أعمال منها نثرية، و41 عملا منها نظمت شعرا. ووصلنا من أعماله النثرية كتاب (الفوائد في أصول علم البحر والقواعد)، وورقتان سُميتا الفصول. ووصلنا من أعماله الشعرية 24 قصيدة وأرجوزة في 4603 أبيات. وقد ساعدت آثاره على اختصار الطرق الملاحية وقياساتها، ومواعيد السفر منها وإليها، وباستخدام هذه المعلومات أبعدت السفن عن المواقع الخطرة؛ مما ساعد على ازدهار التجارة بين البلدان، وسهَّل حركة التجارة بين القارات، وعمَّق علاقات التواصل بين الشعوب.

هناك ملاح آخر معاصر لابن ماجد، هو سليمان بن أحمد المهري توفي بعد ابن ماجد بنحو نصف قرن، وترك خمسة مؤلفات. ومن أبرز كتب العمانيين في هذا المجال (كشف الأسرار المخفية في علوم الأجرام السماوية والرقوم الحرفية) لعمر بن مسعود بن ساعد المنذري (ت 1160 هـ)، وهو كتاب متعدد الجوانب فهو يتحدث عن النجوم والبروج والكواكب، وعلم الهيئة وأسرار الحروف، ومعرفة ساعات الأيام والليالي، كما أنه يحوي جانبا آخر متعلقا بالسعادة والنحوسة المرتبطة بالكواكب.

(4)

«بيد أن الأسف يعتصر القلوب، ويذيب المهج، بسبب أن الكثير من تلك المؤلفات عصفت بها يد الدهور، وأذهبتها ريح التلاشي. فصارت تذكر ولا تبصر، وتؤثر ولا تظهر، لأسباب منها وأغلبها يعود على الإنسان العماني نفسه، ومنها خارج عن الإرادة، ولله الأمر من قبل ومن بعد، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه.

أما ما يعود على الإنسان العماني من أسباب، فذلك للإهمال وعدم الاكتراث بالتراث، فكم من كتب تلفت وتفتتت نتيجة عدم الوعي وسوء الإدراك، كما أن غياب المؤسسات العلمية في الدولة العمانية وفي المجتمع العماني ساهم في ذلك التلف وذلك التلاشي إلى حد كبير لأن المسؤولية العائلية أو الفردية في الحفاظ على التراث يعتريها في كثير من الأحيان الوهن والضعف، إما نتيجة جهل أولئك الأفراد بضرورة الحفاظ على التراث وقيمته العلمية والحضارية، وإما نتيجة المشاكل العائلية وبالتالي تكون تلك المكتبات (الضحية) فكم من مكتبات معروفة، وكانت عامرة وزاخرة بشتى الكتب ضاعت لسوء الأوضاع العائلية والفردية. أما ما هو خارج عن إرادة الإنسان من أسباب، فذلك كالحروب الأهلية، سواء كانت تلك الحروب بين الدولة ومواطنيها، أم كانت بين القبائل بعضها مع البعض الآخر، أو كانت نتيجة الغزو الخارجي فعلى سبيل المثال ما ذكرته المصادر التاريخية العمانية من قيام الجيش العباسي بقيادة محمد بن بور أثناء حملته على عمان أواخر القرن الثالث الهجري من حرق للكتب» كذا كتب الأمين العام لمكتب الإفتاء الشيخ أحمد بن سعود السيابي في مقدمة كتاب «الإنتاج الفكري العماني»، وبه نختم هذه الإضاءة.