العرب والعالم

طوابير انتظار ورفوف فارغة..نقص الأدوية ينذر بتدهور صحي في غزة

 

غزة- «عُمان»- بهاء طباسي:
لم تكن صابرين عبد الله، البالغة من العمر 53 عامًا، تتوقع أن تتحول رحلتها الشهرية إلى صيدلية وزارة الصحة في حي الدرج، وسط مدينة غزة، إلى طقس قاسٍ من الانتظار والخيبة. تقف المرأة الأرملة في الطابور الطويل، تراقب الوجوه المتعبة من حولها، وكلّها أمل أن تجد دواء الضغط الذي تعيش عليه منذ أكثر من عشر سنوات. غير أن الأمل، في كثير من الأحيان، يتبدد أمام نافذة الصرف، حين يأتيها الرد ذاته: «الدواء غير متوفر».
جرعة علاج مؤجلة
تقول صابرين بصوت تختلط فيه المرارة بالإرهاق: «في أغلب الأحيان لا أجد الدواء. أنا مريضة ضغط وأعاني منه بشدة، ولا بد لي من تناول علاجي بانتظام، لكنني في كثير من الأحيان أضطر لشرائه من مالي الخاص، وحتى في هذه الحالة لا يكون متوفرًا دائمًا». كلماتها تختصر معاناة آلاف المرضى المزمنين في قطاع غزة، الذين بات الدواء بالنسبة لهم معركة يومية لا تقل قسوة عن المرض ذاته.
تعيش صابرين بلا مصدر دخل، بعد أن فقدت زوجها، وتُعيل ابنتها المطلقة. تضيف: «أعاني من مرض الضغط المزمن منذ عشر سنوات، وأبحث عن العلاج دون جدوى، فأضطر لشرائه حيث يصل سعر الشريط الواحد إلى ٤٠ دولار. أنا لا أملك المال، وهذا الأمر مكلف وباهظ الثمن». ومع كل زيارة فاشلة للصيدلية الحكومية، تتراكم الديون والقلق، ويصبح المرض عبئًا مضاعفًا.
تتابع صابرين شهادتها قائلة لـ«عُمان»: «حتى في الصيدليات الخاصة لا أجد الدواء في كثير من الأحيان. هذا يشكل عبئًا كبيرًا جدًا عليّ، فكيف يمكنني توفير ثمن العلاج وأنا بلا دخل؟ وحتى في الدوائر الحكومية، آتي إلى هنا ولا أجده متوفرًا في معظم الأوقات». وبين زيارة وأخرى، تعود صابرين أدراجها «بخفي حنين»، كما تقول، في مشهد يتكرر يوميًا مع مئات المرضى.
معبر رفح.. عنق الزجاجة
لا تنفصل معاناة صابرين عن الصورة العامة للأزمة الدوائية في قطاع غزة، حيث يشكل معبر رفح شريان الحياة الوحيد تقريبًا لإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية. غير أن القيود التي يفرضها الاحتلال، وعدم الالتزام بالاتفاقات المعلنة، جعلا هذا الشريان شبه مشلول، تاركًا المنظومة الصحية في مواجهة عجز متفاقم.
في بيان، أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن «الاحتلال لم يلتزم بإدخال المعدات والمستلزمات الصحية والطبية والأدوية، ولم يلتزم بفتح معبر رفح كما هو متفق عليه في اتفاق ترامب». وأضاف البيان أن «عدد شاحنات الدواء التي تدخل إلى قطاع غزة لا يغطي نصف الاحتياجات الفعلية للسكان».
ويشير علاء حلس، مدير الرعاية الصيدلانية في وزارة الصحة بغزة، في تصريح لـ«عُمان»، إلى أن نسبة العجز في الدواء تصل إلى 56%. موضحًا أن التقصيرلا ينعكس فقط على المخزون الدوائي، بل يهدد حياة المرضى، خاصة أصحاب الأمراض المزمنة، ومرضى الفشل الكلوي، والسرطان، وأمراض القلب والسكري. ومع استمرار الإغلاق والتقييد، تتراكم الفجوة بين الحاجة المتزايدة والإمدادات الشحيحة.
ويؤكد حلس أن المنظومة الصحية تعمل «في ظروف استثنائية وضاغطة»، وأن الطواقم الطبية تبذل أقصى ما لديها للتعامل مع النقص، إلا أن غياب الالتزام الإسرائيلي بإدخال الأدوية يجعل كل الجهود محدودة الأثر، ويضع المرضى أمام خيارات قاسية، قد يكون الموت أحدها.
عيادة الدرج .. ضغط الأرقام
في قلب هذه الأزمة، تقف عيادة الدرج التابعة لوزارة الصحة، واحدة من أكثر المرافق الصحية ازدحامًا في مدينة غزة. توضح الدكتورة سهى ياغي، رئيس قسم صيدلية العيادة، حجم التحدي اليومي الذي تواجهه الطواقم الطبية.
تقول ياغي: «فيما يتعلق بالوضع الدوائي لدينا، فعلى الرغم من وجود مؤسسات مانحة، إلا أن العجز في الأدوية لا يزال حادًا جدًا بالنظر إلى حجم إقبال المرضى ونوعية الخدمة المقدمة». وتشير خلال حديثها لـ«عُمان» إلى أن العيادة تقدم خدماتها لنحو 35 ألف مريض شهريًا في حي الدرج، بمعدل يصل إلى 1200 مريض أو أكثر يوميًا.
وتضيف: «النقص يتركز بشكل أساسي في أدوية المناعة الذاتية (Autoimmune)، مثل: «إيموران» (Imuran)، و«بيريدوستيجمين» (Pyridostigmine)، و«رافاسال» (Rafasal)؛ فهذه الأدوية منقطعة تمامًا رغم أنها تمثل مسألة حياة أو موت بالنسبة للمرضى». هذا الانقطاع، بحسب ياغي، يضع المرضى أمام مخاطر صحية جسيمة لا يمكن تعويضها.
ولا يتوقف العجز عند هذا الحد، إذ تتابع ياغي: «هناك نقص في أدوية مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (NSAID) للأمراض المزمنة، وأدوية «كودايفان» (Codaivan)، و«لوسارتان» (Losartan)، و«فالسارتان» (Valsartan)». وتؤكد أن هذه الأصناف تُصرف يوميًا لعشرات المرضى، لكن الكميات المتوفرة لا تكفي.
كما تشير إلى نقص حاد في أدوية الأعصاب، مثل: «ديبيكار» (Depicar)، و«لومينال» (Luminal)، و«ديباكين» (Depakine)، و«آرتين» (Artane)، موضحة أن «لا توجد للأسف مؤسسات مانحة تغطي هذه الأصناف». وتختم بالقول: «نأمل إمداد العيادة بهذه الأصناف، لا سيما أدوية الأعصاب، والمناعة الذاتية، ودواء الغدة الدرقية «إلتروكسين» (Eltroxin) الذي يكاد يكون مفقودًا في كافة أنحاء قطاع غزة».
بحثٌ لا ينتهي
الحاج أبو عيد، مسن فلسطيني يعاني من مرض مزمن، يختصر معاناة شريحة واسعة من كبار السن. يقول: «أنا مريض بمرض مزمن، وأحضر إلى العيادة شهريًا لتلقي العلاج وصرف الدواء من الصيدلية الحكومية. وفي العادة أجد بعض الأدوية متوفرة بينما يغيب بعضها الآخر».
يوضح أبو عيد لـ«عُمان» أن الأدوية المتوفرة غالبًا هي «كونكور» و«أسبيرين»، بينما تغيب أدوية الدهون وحبوب الكوليسترول، وهي أدوية أساسية للحفاظ على استقرار حالته الصحية. ويضيف: «أذهب إلى عدة عيادات تابعة لوزارة الصحة بحثًا عن الدواء الناقص، وكثيرًا ما أجدها تفتقر لهذه الأدوية».
أما الصيدليات الخاصة، فيصفها بأنها «خيار مكلف لا يقدر عليه الجميع»، قائلًا: «أسعار الأدوية مرتفعة جدًا؛ القادر ماديًا يشتريها، أما غير القادر فيموت في صمت». عبارة تختصر فجوة طبقية قاسية فرضتها أزمة الدواء، حيث يصبح المال شرطًا للبقاء.
المنظومة تحت الضغط
من داخل صيدلية حي الدرج، تشرح الدكتورة مريم أبو رمضان، طبيبة في الصيدلية، تفاصيل الضغط اليومي الذي تواجهه الطواقم الطبية. تقول: «نستقبل أعدادًا كبيرة من الحالات يوميًا، ومن بينها حالات مزمنة تحتاج إلى علاج بشكل دوري. هؤلاء المرضى يراجعوننا شهريًا، ولكن بسبب نقص الأدوية، يضطرون لزيارتنا أكثر من مرة خلال الشهر الواحد».
وتضيف لـ«عُمان»: «كذلك هناك الأمراض الموسمية المنتشرة والأمراض الحادة، وفي كثير من الأوقات نكتفي بتقديم الإرشادات الوقائية والصحية للمرضى فقط، لعدم توفر الأدوية اللازمة لهذه الحالات بسبب إغلاق المعابر». هذا الواقع، بحسب أبو رمضان، يضع الأطباء في موقف أخلاقي صعب، حين يضطرون للاكتفاء بالنصيحة بدل العلاج.
وتؤكد أن النقص الحاد يتركز في أدوية الأمراض المزمنة، ومرضى الفشل الكلوي، ومشاكل الكلى، وقصور عضلة القلب، إضافة إلى أمراض السكري والضغط. وتوضح: «تكمن المشكلة في أن الأصناف العلاجية تتغير أو تنقطع لفترات طويلة، مما يجعل من الصعب على المرضى الحصول عليها، سواء من مرافقنا أو من المؤسسات المختلفة».
دواء محاصر
في ظل استمرار القيود على معبر رفح، وتراجع أعداد شاحنات الأدوية، يبدو الوضع الصحي في قطاع غزة قابلًا لمزيد من التدهور. فالأزمة لم تعد مجرد نقص في أصناف محددة، بل تحولت إلى حالة عامة من الهشاشة الصحية، تهدد حياة آلاف المرضى يوميًا.
بين طوابير الصيدليات الحكومية، ورفوف الصيدليات الخاصة المرتفعة الثمن، يقف الغزيون أمام اختبار قاسٍ للصبر والبقاء. ومع كل يوم يمر دون حل جذري، تتجدد الأسئلة ذاتها: إلى متى يبقى الدواء رهينة للمعابر؟ ومتى تتحول الاتفاقات المعلنة إلى التزام فعلي ينقذ ما تبقى من أرواح؟
في غزة، لم يعد المرض وحده هو العدو، بل أصبح غياب الدواء شريكًا صامتًا في الألم.