ذكريات في رمضان من طفولة الأيام
السبت / 3 / رمضان / 1447 هـ - 16:34 - السبت 21 فبراير 2026 16:34
يأتي شهر رمضان في موعده المحدد، منضبطًا على نظام فلكي دقيق، لا يزيد يومًا ولا ينقص، شهرٌ تهدأ فيه النفوس مما يُرْمِضُها ويُمِضُّها ويُضْنيها، وتتلطف في لياليه المكسوَّة بالنفحات والإشراقات، فالحياة أشبه بجمر لا يطاق المشي فيه حافيًا، إلا أن يحتمي الإنسان بظل بارد، كظل هذا الشهر الفضيل، الذي يأتينا كل عام، منذ أن يهلَّ نور هلاله، وحتى يغادرنا بعد شهر قمري، تسعة وعشرون يومًا، يأتينا وكأننا ندخل في عالم من ظلال باردة، كسحاب أبيض ناعم، يزين السَّماء ببخور ضبابه، ويظللنا من اتقاده الحارق.
ولنا في هذا الشهر ذكريات من طفولة الأيام، عشناها في سنوات السبعينيات الماضية، كانت رؤية الهلال بمثابة حدث سماوي، وهدية لمن يتمكن من عناق الهلال بعينه، أشبه بـ«شخرة خوص»، وكان بعض الأهالي يجتهد في رؤيته قبل غروب الشمس، عبر مرآة توضع في الماء، فحين تصفو السَّماء، ينعكس الهلال في صفحة الماء عبر المرآة، فيظهر متلألئا وكأنه انشقَّ لتوِّه من رحم السَّماء المعتم، وسنة بعد أخرى أصبحت رؤية الهلال عبر مرآة الماء من ذكريات الماضي، فكبرنا مع الهلال وكبر معنا، وكبرت أيامنا وأحلامنا، مع تقوسه الجميل كشَفَةٍ ناعمة، وكنثار من نور يكسو ليل الحياة.
في تلك الأيام لم تكن الكهرباء قد دخلت بيوتنا، كانت نهارات رمضان حارقة، تشوي نسائمها الوجوه، فنضطر نحن الصِّغار إلى البحث عن سواقي الأفلاج، وخزانات مياه الآبار، نقضي فيها فترة الظهيرة، نسبح كأسماك صغيرة في السواقي، ونعوم في «الجِل» أو «اللجل»، ونبرِّد أجسامنا بالماء، ونتسابق إلى منابع العيون، ونلبث في شريعة الفلج؛ حيث الماء لا ينقطع عن الجريان، ونبقى فيها حتى نسمع المؤذن لصلاة العصر.
كنا بعد عودتنا من العوم والغطس لا نشعر بتعب، ولا يبدو على ملامحنا إرهاق الصِّيام، وشفاهنا غضَّة رطبة، كمن أكل وشرب، فيداخل أهالينا الشك أننا سرقنا الصِّيام، بشرب جرعات من الماء، لكن من يفعلها خِفْيَة، فستظهر غُرَّةٌ على جبينه صباح يوم العيد، تتدلَّى كحبة نبق تفضح خيانته، ونبقى على وعدنا ألا نأكل أو نشرب، وفي صباح العيد نبحث عن تلك الغُرَّة في وجوه بعضنا فلا نجدها، ومن يظهر على وجهه حبَّة بثور فتلك غُرَّة فضحت فعلته، كنا نؤمن بهذه الغُرَّة التي تلوح في سيماء الجبين، فلا نأكل أو نشرب وإن استبدَّ بنا الجوع والعطش.
ولا أنسى الدوي الهائل الذي يحدثه «المدفع» المرفوع في الدور الثالث من «برج الجص» الأثري، في «حارة البلاد» الأثرية بولاية منح، كان دويُّه يُسْمَع من بعيد، ورائحة باروده تنتشر في أرجاء المكان، مدفع أثري طويل، نرى فوَّهته تطل من إحدى النوافذ العلوية للبرج، المطلة على السُّوق القديم، وكلما مررنا من أسفله، رأيناه يطل علينا أشبه بأسير يتوسَّل الفكاك من محبسه القديم، بقي هذا المدفع عقودًا من السنين لا تطاله الأيدي، إلا من يصعد إلى البرج، ومنذ سنوات لم نسمع له دويًا، فقد خرج المدفع من محبسه وفُكَّ أسره، يحتفظ به الأهالي في مكان آمن كجزء من ممتلكات القرية، ولم يعد اليوم يبشِّر الناس بشهر رمضان، ولا بهلال العيد، وأصبح مكانه خاليًا إلا من رائحة البارود العالقة في الجدران، ولا تزال النافذة تئن حزنًا على رفيقها القديم، الذي ظل مقيمًا معها سنوات طويلة، وعسى أن يعود في حلة جديدة، بهيئة تحافظ على تاريخه القديم، فهو أنموذج للأسلحة النادرة، فقد كان يسمع دويه من القرى المجاورة بين هلالي العيدين.
ومن ذكرياتي في أيام هذا الشهر، أني كنت أذهب إلى السوق بإيعاز من أهلي، على درَّاجة هوائية، لشراء ثلج يباع في سيارة ملحق بها برَّاد كبير، كانت تأتي إلى السوق بعد الزوال، والناس يتزاحمون عليها، كل واحد منهم يحاول أن يظفر بشيء من الثلج، وكنت مثلهم أحاول أن أصل إلى البائع، لشراء كيس صغير منه بمائتي بيسة، وأعود به سريعًا إلى البيت، من أجل أن نتلذذ بشرب جرعات باردة منه في ساعة الإفطار، كانت قطع الثلج معدومة، ولا نشرب الماء إلا من جرار فخارية معلقة في الأوتاد، وبعضهم يبرده في قِرَب مصنوعة من الجلد، وحين يهب عليها النسيم يبرد الماء، كما يقول السريُّ الرَّفاء: (يَشُقُّ جُيُوبَ الوَرْدِ فِي شَجَراتِهِ .. نَسِيمٌ مَتَى يَنْظُرْ إلى المَاءِ يَبْرَدُ).
ولليلة القَدْرِ حكاية أخرى في الوجدان، كنا نتخيل هذه الليلة البديعة بحسِّنا الطفولي كما رُويَتْ لنا، أنَّ الملائكة تتنزل إلى الأرض، فتسجد الأشجار، وتتهاوى النجوم بين الأغصان، لكن لا يراها إلا الأطفال الصغار، هكذا أوعز لنا أهالينا، وأنَّ من يراها يتمنَّى على الله ما يشاء.
وفي واحدة من القصص الشعبية، يُحكى أنَّ امرأة رأت ليلة القدر، ومن فرحتها بها حاولت أن توقظ زوجها النائم، وكان اسمه «وَهَبْ»، فنادته وهي في حالة ارتباك: «ذَهَبْ»، فتحوَّل إلى تمثال من ذهب، فعرفت زوجته وحفظت تاريخ الليلة، وأخفته عن الناس، وصار كل من يسأل عنه تقول لهم: إنه مسافر، وسيعود بعد عام، حتى احتاجت ذات مرَّة إلى مال، فتذكرت زوجها الذي تحتفظ به تمثالًا من ذهب في مخبئ داخل البيت، فقطعت منه قلامة صغيرة، لتسد بقيمتها حاجاتها، وفي العام القادم، أدركت المرأة ليلة القدر مرة ثانية، وأسرعت لزوجها توقظه فنادته: «وَهَبْ»، فانتفض حَيًا، وعاد كما كان، ولكن بأصبع مقطوعة، فأخبرته ما حدث له، وهذه حكاية شعبية سمعناها من أفواه الأمهات.
ولكن ماذا عن ذكريات هذا الجيل؟، لربما سيصبح الحديث عن وسائل التواصل الاجتماعي، وعن الطوفان الجارف من الأدبيات التي تظهر في أيقونات الهواتف المحمولة، فكل هذه الوسائل، التي سكنت هواتفنا، سوف تصبح من ذكريات الماضي الجميل، كما كانت أيامنا في سنوات الطفولة، من الجيل الذي يطلق عليه: جيل الطيبين.
إنه «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ» (البقرة: 185)، وما أعظم هذا النزول المبارك، في «لَيْلَةِ الْقَدْرِ»، التي هي «خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ»، وخير من شهور وأعوام لا تنتهي.
وأختم مقالتي بهذه التغريدة الشعرية للشاعر الأندلسي ابن حَمْدِيس الأزدي (ت: 527هـ)، يصف فيها هلال رمضان، أشبه بعاشِق نحيل الجسم، يقول: (قلتُ والنّاسُ يَرْقُبُونَ هِلالًا .. يُشْبِهُ الصَبَّ مِنْ نَحافةِ جِسْمِه)، (مَنْ يَكُنْ صَائِمًا فذا رَمَضَانٌ .. خَطّ بالنّورِ للوَرَى أوّلَ اسمِه).