الجبل الأخضر
د. محمد بن هلال الكندي - رئيس مركز استشارات علوم الأرض
الجمعة / 2 / رمضان / 1447 هـ - 19:29 - الجمعة 20 فبراير 2026 19:29
يمثل الجبل الأخضر في ولاية نزوى معلما سياحيا وتاريخيا فريدا في سلطنة عمان وشبه الجزيرة العربية، إذ يقع ضمن سلسلة جبال الحجر التي تمتد من محافظة مسندم شمالا إلى رأس الحد شرقا، مشكلة واحدا من أبرز التكوينات الجيولوجية في المنطقة. ويتميز الجبل الأخضر بارتفاع قممه الشاهقة التي تتجاوز ألفي متر فوق مستوى سطح البحر، مما أكسبه مكانة طبيعية خاصة ومناخا مغايرا لما يحيط به من بيئات صحراوية حارة.
وعلى الرغم من وقوعه ضمن نطاق مناخي يتسم بالحرارة والجفاف في معظم أشهر السنة، إلا أن الجبل الأخضر يتمتع بأجواء باردة ومعتدلة نسبيا خلال فصل الصيف، ويعود ذلك إلى ارتفاعه الكبير وانخفاض نسبة الرطوبة في مناخه. وقد أسهم هذا المناخ اللطيف في نشوء مجموعة من القرى الجبلية التي احتفظت بطرازها المعماري التقليدي وموروثها الثقافي العريق. فقد شُيدت هذه القرى باستخدام الحصى والجص والصاروج،
وانتظمت بيوتها عند مخارج الينابيع وعلى سفوح الأودية في انسجام بديع مع المكونات الصخرية المحيطة بها. وبرغم صلابة الصخور ووعورة التضاريس، استطاع الإنسان العُماني بعزيمته وصبره أن يقيم مدرجات زراعية متقنة، حوّل بها السفوح الصخرية إلى بساتين خضراء تنتج الرمان والمشمش والورد وغيرها من المحاصيل. وكثير من هذه المدرجات أُنشئ فوق طبقات صخرية رملية حمراء، وتعد تربتها من أخصب ترب الجبل لما تحتويه من عناصر معدنية ومواد عضوية ملائمة للزراعة.
ومن الناحية الجيولوجية، يتميز الجبل الأخضر بوجود طبقات سميكة من الصخور الجيرية التي ترسبت قبل ملايين السنين خلال حقبتي الحياة القديمة والمتوسطة. فقد كانت هذه المنطقة مغمورة ببحار ضحلة ترسبت في قيعانها الكربونات البحرية، قبل أن تتعرض القشرة الأرضية لضغوط تكتونية أدت إلى ارتفاع طية الجبل الأخضر وتشكله بصورته الحالية. وتحتوي هذه الصخور الجيرية على ثروة من الأحافير البحرية التي تعود إلى مئات الملايين من السنين، وتشمل أحافير المرجان والقواقع والمحار والإسفنج البحري وعظام الأسماك. ويبعث الدهشة حقا أن يشاهد الزائر هذه البقايا البحرية على ارتفاع يزيد على ألفي متر فوق مستوى سطح البحر، شاهدة على التحولات العميقة التي مرت بها الأرض عبر العصور الجيولوجية.
ومن أشهر المواقع الأحفورية في الجبل الأخضر حديقة المرجان في سيح قطنة فوق قريتي العين والعقر، إضافة إلى مواقع أخرى تضم أحافير عظام الأسماك والأصداف والإسفنج البحري والقواقع. وتمتاز هذه الأحافير بتنوعها الكبير، إذ عُرف في الجبل الأخضر عدد من أنواع المرجان المنتمية إلى حقبة الحياة القديمة، وقد سُمي بعضُها علميا نسبة إلى عُمان، مما يعكس أهميتها العلمية على المستوى الدولي.
وتؤدي الصخور الجيرية المسامية في الجبل الأخضر دورا هيدرولوجيا مهما، إذ تعمل خزانات طبيعية ضخمة لتجميع مياه الأمطار والمياه الجوفية. وتتسرب المياه عبر الشقوق والصدوع في الصخور لتخرج على هيئة ينابيع وأفلاج تغذي القرى الواقعة على السفوح. وتظهر الأفلاج الغيلية من بين الصخور، مستفيدة من خاصية التجميع المائي في الفواصل والكسور الجيرية. كما أن كثرة التشققات والصدوع أسهمت في تحديد ملامح القمم والانحدارات؛ حيث تمتاز هذه الصخور بصلابتها ومقاومتها لعوامل التعرية، مما حافظ على شكل الجبل وهيئته المميزة عبر الزمن.
وينحدر من الجبل عدد من الأودية المهمة، من أبرزها وادي الهجري الذي تتلاقى فيه عدة روافد ليشكل مجرى يعرف محليا باسم الوادي الأبيض، ويمر بقرية تنوف متجها جنوبا نحو نزوى، إضافة إلى أودية المعيدن وكمه والمصلة والسويحرية. غير أن الصخور الجيرية، رغم صلابتها الظاهرية، تتعرض للإذابة الكيميائية عند تفاعلها مع مياه الأمطار والمياه الجوفية المشبعة بثاني أكسيد الكربون. وتتغلغل المياه في الشقوق العمودية مكونة مع مرور الزمن فراغات وغرفا كهفية تتسع تدريجيا.
وخلال الفترات المطيرة والباردة التي شهدتها عُمان خلال المليون عام الماضية أو أكثر، ازداد نشاط عمليات الإذابة، فتكونت ممرات وكهوف واسعة تحوي ترسبات كهفية جميلة، كما في كهف حيل الديار وكهف ساب العريض وكهف عامر. وفي بعض المواضع توجد مداخل علوية أو جانبية تسهل دخول الإنسان إلى هذه الكهوف، ويُعتقد بوجود كهوف أخرى لم تُكتشف بعد، نظرا لملاءمة الظروف الجيولوجية لتكونها في هذا الجبل.
ويقدم الجبل الأخضر كذلك نموذجا تعليميا فريدا ومختبرا طبيعيا مفتوحا لدراسة الصخور التي تمثل نظائر سطحية للطبقات المنتجة للنفط والغاز في شمال عُمان ووسطها. فهذه الصخور، التي تقع في باطن الأرض على أعماق تصل إلى آلاف الأمتار، يصعب الوصول إليها مباشرة، ولذلك يعتمد المختصون في المكامن النفطية والغازية على دراسة مكاشف الجبل الأخضر لفهم خصائصها الرسوبية والبنيوية والهيدرولوجية. ومن هنا تتجلى قيمة الجبل الأخضر ليس فقط كمعلم سياحي وتراثي، بل أيضا كمورد علمي واستراتيجي يعزز فهم التاريخ الجيولوجي والموارد الطبيعية في سلطنة عمان.