الولايات تتوشح بزينة رمضان.. ومبادرات مجتمعية تعكس روح التكاتف
تصاميم وتشكيلات ضوئية تنشر البهجة
الجمعة / 2 / رمضان / 1447 هـ - 14:52 - الجمعة 20 فبراير 2026 14:52
اكتسى عدد من الأحياء السكنية بولايات سلطنة عُمان حلة رمضانية مميزة مع حلول شهر رمضان المبارك، في مشاهد نابضة بالحياة تعكس عمق الروابط الاجتماعية وروح المبادرة المجتمعية، وتجسد حرص الأهالي على استقبال الشهر الفضيل بأجواء إيمانية واجتماعية تتسم بالفرح والتعاون وتعظيم شعائر الله.
ففي ولاية بهلا، توشحت حارة الغافات الأثرية بإضاءات رمضانية لافتة، من خلال تنفيذ عمل فني تشكيلي باستخدام أكثر من 300 وحدة إنارة، جسّدت شكل الهلال وعبارة 'رمضان كريم'، في مبادرة نفذتها قافلة الكور الخيرية بفريق الكور بالولاية. وتعود فكرة التصميم إلى عامر بن مظفر الهنائي، فيما تولّى أعضاء القافلة تنفيذ العمل ميدانيًّا، وأشرف على هندسة الكهرباء هشام بن جمعة الهنائي، حيث جرى توزيع المهام بين المشاركين لضمان إخراج العمل بصورة جمالية تتناغم مع الطابع الأثري للحارة. وتأتي هذه المبادرة في إطار تعزيز الأجواء الإيمانية وإبراز الموروث الثقافي للمنطقة بروح شبابية مبتكرة، أسهمت في إضفاء مشهد بصري يعكس خصوصية المكان وارتباطه بالقيم الدينية والاجتماعية.
وفي السياق ذاته، يشهد حي المساكن الاجتماعية الشمالية بولاية بهلا، للعام الثاني على التوالي، استعدادات جماعية واسعة النطاق لاستقبال شهر رمضان المبارك، حيث يشارك الأهالي من الصغار والشباب وكبار السن بروح واحدة في تزيين الحي وتحويله إلى لوحة فنية مضيئة. ويتوسط الحي هلال رمضان يربط بين أكثر من 50 منزلًا مضاءً بنحو 4000 مصباح إنارة، لتغمر الأضواء المكان طوال الليل.
وامتدت هذه الجهود لتشمل تنظيف الطرق والمساحات أمام المنازل، التي عبّرت عن روح المسؤولية المشتركة وحسن الاستقبال وكرم الضيافة، لا سيما مع توافد الزوار من داخل الولاية وخارجها لتوثيق الأجواء الرمضانية بعدساتهم، حيث يجدون أجواءً مختلفة تتسم بالحيوية والبهجة. وفي الليالي الرمضانية، تمتلئ الطرقات بحركة الأطفال وهم يمارسون ألعابهم الشعبية.
كما تتعزز هذه الأجواء بإقامة فعالية 'التهلولة' يوم العقبة في شهر رمضان، وهي فعالية ينتظرها الأهالي سنويًّا، لما تحمله من فقرات متنوعة تشمل حضور الفرسان، وعرض السيارات الكلاسيكية، وأكشاك الأسر المنتجة التي تعكس روح التعاون والدعم المجتمعي، إلى جانب فقرات مسرحية هادفة وتوزيع الهدايا على جميع الأطفال، لترتسم الابتسامة على وجوههم وتتجدد معاني العطاء والتراحم بين أفراد المجتمع.
وأوضح سعود بن ساعد الربعاني أن فكرة التزيين انطلقت قبل سنوات بمبادرة من عبدالرحمن العبري، وكانت في بدايتها مقتصرة على نطاق محدود حول منزله، قبل أن تتوسع بشكل فعلي خلال رمضان الماضي لتشمل المساكن الاجتماعية كاملة، مشيرًا إلى أن المبادرة أصبحت اليوم معلمًا اجتماعيًّا وسياحيًّا يُضاف إلى معالم الولاية، ويسعد الأهالي برؤية الزوار من خارجها وهم يوثقون الصورة الحية للأجواء الروحانية التي يعيشها أبناء المنطقة، مؤكدًا أن ما يميز المبادرة هو الحماس العالي لشباب الحي وكبار السن على حد سواء.
وفي ولاية السويق، أطلق أهالي حلة الحصن مبادرة مجتمعية لتزيين الحارة احتفاءً بقدوم شهر رمضان المبارك، في أجواء يغمرها التعاون وروح المحبة بين السكان. وقال شهاب بن إسحاق البلوشي: إن المبادرة جاءت بشكل عفوي من مجموعة من شباب الحارة، الذين بادروا بالتنسيق مع كبار السن والأهالي بقيادة حميد بن سعيد المجيني لوضع خطة بسيطة لتزيين الشوارع بالإنارات والزينة الرمضانية. وتم توزيع الأدوار بين المشاركين، حيث تكفّل بعضهم بتجميع المساهمات المالية، فيما تولّى آخرون شراء المستلزمات، وتكفل فريق آخر بأعمال التركيب والتنظيم.
وشهدت المبادرة تفاعلًا واسعًا من مختلف الفئات العمرية، إذ شارك الأطفال والشباب بحماس في تركيب الإنارات وترتيب المكان وتنظيفه، بينما قدّم كبار السن الدعم المعنوي والمادي، ما أوجد أجواءً من الفرح والتكاتف انعكست بوضوح على ملامح الحارة وسكانها. وأكد القائمون على المبادرة أن الهدف لا يقتصر على التزيين فحسب، وإنما يتمثل في ترسيخ قيم التعاون والعمل الجماعي، وتعزيز الروابط الاجتماعية بين الجيران، وإدخال البهجة إلى قلوب الأهالي، خصوصًا الأطفال، بما يعكس أصالة المجتمع العُماني وتمسكه بعاداته الرمضانية الجميلة.
وفي جانب الاستعدادات الأسرية، أوضحت رقية بنت سعيد الخاطري من ولاية الحمراء أن أسرتها تستقبل شهر رمضان بروح من الفرح والترقب، حيث تبدأ التحضيرات بتنظيم المنزل وترتيبه وشراء احتياجات الشهر من المواد الغذائية، إلى جانب تهيئة النفس نفسيًّا وروحيًّا عبر الدعاء والتخطيط للعبادات التي تحرص الأسرة على المحافظة عليها خلال الشهر الفضيل. وأضافت أن الأسرة تعمد إلى تزيين المنزل بلمسات بسيطة تعكس أجواء رمضان، مثل تعليق الفوانيس وسلاسل الأضواء ذات الألوان الدافئة، وتجهيز ركن مخصص للعبادة وقراءة القرآن الكريم، ما يضفي على البيت أجواءً روحانية جميلة تعزز مشاعر السكينة والألفة بين أفراد الأسرة. وأشارت إلى أن مشاركة جميع أفراد الأسرة في هذه الاستعدادات، سواء في التزيين أو الترتيب أو التسوق، تسهم في تعزيز روح التعاون والمحبة داخل المنزل، وتمنح الشهر الفضيل خصوصية مميزة منذ أيامه الأولى.
من جانبه، أوضح ناصر بن سعيد بن مبارك الجديدي أن مشاهد الزينة الرمضانية التي تتجدد في الأحياء والحارات تعبّر عن فرح المجتمع بقدوم الشهر الفضيل، إلا أن الاستعداد الحقيقي -بحسب تعبيره- لا يقتصر على المظاهر الاجتماعية أو الترتيبات الظاهرية، بل يتمحور حول ما وصفه بـ'إعادة الضبط الروحي' واستعادة التوازن النفسي. وأشار إلى استحضاره للمأثور عن السلف: 'رجب شهر الزرع، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر الحصاد'، مبينًا أن الأضواء والهلال المعلّق بين البيوت يرمزان إلى قدوم موسم الحصاد الإيماني، الذي يمثل ثمرة للاستعداد المسبق والعزم والمجاهدة. وأضاف أن تزيين الشوارع ينبغي أن يتزامن مع تهيئة القلوب بالتوبة الصادقة، والتدرّب المسبق على العبادات، ووضع خطة زمنية واضحة لاستثمار أيام الشهر ولياليه في تدبر القرآن الكريم وتنظيم أوقات الطاعة، سعيًا لأن يكون رمضان محطة تحول حقيقي تُهذّب السلوك وتعزز قيم التراحم الإنساني وتعمّق الصلة بالخالق سبحانه وتعالى.
كما عبّر محمود بن هويشل بن مرزوق اليعقوبي عن مشاعر الفرح والامتنان ببلوغ شهر رمضان المبارك، موضحًا أن الزينة التي تكتسي بها الأحياء تعكس بهجة ظاهرة، لكنها تكتمل -في نظره- ببهجة باطنة تتمثل في تجديد النية الصادقة والعزم على اغتنام أيام الشهر ولياليه في الطاعات. وأشار إلى أن مظاهر الاحتفاء بالشهر الفضيل، من إنارات وهلال وزخارف، ينبغي أن تقترن بتعزيز القيم الإيمانية التي تسمو بالإنسان خُلُقًا وسلوكًا، ليكون رمضان محطة للتزكية والتجدد الروحي. وسأل الله تعالى أن يعيد الشهر المبارك على الوطن وقيادته والأمة الإسلامية بالأمن والاستقرار والازدهار، وأن يديم على الجميع نعمة الطمأنينة والخير.
وفي قرية العين بإمطي بمحافظة الداخلية، أوضح محمد بن سيف الشامسي أن استقبال شهر رمضان المبارك يأتي امتدادًا لتقاليد راسخة تعكس تماسك المجتمع وحرصه على إحياء القيم الدينية والاجتماعية، مبينًا أن الشهر الفضيل يمثل فرصة سنوية تتجدد فيها معاني القرب والتواصل بين الأهالي. وأشار إلى أن مظاهر الاستعداد لا تقتصر على تزيين المنازل والطرقات أو تجهيز موائد الإفطار، بل تشمل تهيئة النفوس وتعزيز روح العبادة والعمل الصالح، بما يرسّخ أجواء الطمأنينة والسكينة في القرية.
وأضاف: أن تبادل الأطباق الرمضانية وتنظيم الإفطار الجماعي يشكلان مظهرين بارزين من مظاهر التلاحم الاجتماعي، ويعكسان روح الأسرة الواحدة التي تجمع أبناء القرية، فضلًا عن دورهما في غرس قيم العطاء والتكافل في نفوس النشء. وأعرب عن أمله في أن يكون الشهر الفضيل مناسبة لتعزيز الروابط الاجتماعية وترسيخ معاني الخير
والتراحم بين الجميع.