وحدة أوروبا العسكرية.. ضرورة لا خيار
ماكس بيرجمان - ترجمة: نهى مصطفى
الخميس / 1 / رمضان / 1447 هـ - 21:25 - الخميس 19 فبراير 2026 21:25
يواجه التحالف عبر الأطلسي خطر التفكك. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، دعمت القوات الأمريكية توحيد أوروبا وتكاملها، وهو ما يعتبر أعظم إنجازات واشنطن في السياسة الخارجية. لكن مؤخرًا أوضحت إدارة ترامب أن الولايات المتحدة لم تعد مهتمة بدور الضامن لأمن أوروبا، وهددت بالاستيلاء على أراضي دولة عضو في الناتو، وخفضت تمويلها لأوكرانيا، وفرضت تعريفات جمركية باهظة على حلفائها الأوروبيين، ودعت، في استراتيجيتها للأمن القومي لعام 2025، إلى «تنمية مقاومة للمسار الحالي لأوروبا».
الرسالة واضحة: لم يعد بإمكان القارة الاعتماد على الولايات المتحدة للدفاع عنها.
لأول مرة منذ ثمانية عقود، تقف أوروبا وحيدة. تجد الدول الأوروبية نفسها الآن عرضة للعدوان الروسي. فإذا ما حولت موسكو اهتمامها إلى ما هو أبعد من أوكرانيا وأعادت بناء آلتها الحربية، ستهدد أوروبا الشرقية. ينبغي لهذا الخطر أن يحفز القادة الأوروبيين على الشروع في مسار عمل جديد وجريء لتعزيز دفاعاتهم.
لكن لم تشهد الشؤون العسكرية الأوروبية ثورة مماثلة. فرغم اتفاق دول الناتو على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، إلا أنها لا تستطيع تحقيق الأمن بالإنفاق وحده، فالمشكلة هيكلية وليست مالية؛ إذ إن الجيوش الأوروبية غير مهيأة للدفاع عن القارة دون الولايات المتحدة. وتكمن العقبة الأكبر في الاعتقاد بأن الدفاع مسؤولية وطنية وليست أوروبية. فالحكومات في مختلف أنحاء أوروبا ترغب في الحفاظ على سيادتها على جيوشها، وتردد في توحيد جهودها الدفاعية على المستوى الأوروبي. لكن هذا التركيز على السيادة الوطنية يتجاهل حقيقة أعمق: الدول الأوروبية ليست ذات سيادة في مجال الدفاع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فقد اعتمدت على الولايات المتحدة، وهي قوة أجنبية، لحمايتها. واليوم، مع تخلي هذه القوة الأجنبية عنها، فإن أنجح وسيلة للدول الأوروبية للدفاع عن نفسها، دون دعم واشنطن، هي دمج جهودها الدفاعية. وعليها أن تفعل ما تفعله في أي أزمة أخرى: تفعيل الاتحاد الأوروبي.
ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها أوروبا العاجزة الولايات المتحدة الراغبة في الانسحاب إلى أراضيها. ففي أواخر أربعينيات القرن العشرين، وجدت واشنطن نفسها في مأزق: إذ كانت أولويتها القصوى إعادة القوات الأمريكية من الحرب العالمية الثانية، لكن دول أوروبا الغربية كانت لا تزال أضعف من أن تدافع عن نفسها، وكان التهديد السوفيتي شديدًا للغاية بحيث لا يمكن للأمريكيين الانسحاب دون المخاطرة بسقوط القارة تحت الحكم الشيوعي.
لم يكن الحل المفضل لواشنطن هو حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي اعتبره المسؤولون الأمريكيون، وفقًا للمؤرخ ستين رينينج، «إجراءً مؤقتًا ريثما تتحسن أوضاع أوروبا». كان الهدف الأسمى هو بناء أوروبا موحدة لتصبح «قوة ثالثة» قادرة على مواجهة الاتحاد السوفييتي دون الحاجة إلى الاعتماد على الولايات المتحدة. وبدأت «الخطوة الأولى نحو اتحاد أوروبا»، كما اقترح وزير الخارجية الفرنسي روبرت شومان في خطاب ألقاه في مايو 1950، هي إنشاء الجماعة الأوروبية للفحم والصلب، التي من شأنها أن تصالح فرنسا وألمانيا وتدمج الصناعات اللازمة لخوض الحرب. كانت المصالحة نقطة البداية، لكن الهدف النهائي كان إعادة تنشيط القوة الأوروبية. أصبح هذا المشروع فيما بعد المجموعة الأوروبية، النواة الأولى للاتحاد الأوروبي.
عندما غزت كوريا الشمالية كوريا الجنوبية في يونيو 1950، بعد شهر واحد فقط من خطاب شومان، وجدت الولايات المتحدة نفسها فجأةً منخرطةً في حربٍ في منطقة المحيطين الهندي والهادي. ومع تشتت القوات الأمريكية، أصبح احتمال غزو سوفييتي لأوروبا واقعًا ملموسًا. واستجابةً لذلك، ولتسريع توحيد أوروبا، اقترح رئيس الوزراء الفرنسي رينيه بليفان إنشاء جيش أوروبي موحد. وكانت الحجة أنه إذا كانت أوروبا الغربية قويةً بما يكفي لردع الاتحاد السوفييتي، فسيتيح ذلك للولايات المتحدة سحب وجودها العسكري من القارة. وبدعمٍ قوي من إدارة ترومان والجنرال الأمريكي دوايت أيزنهاور، القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي آنذاك، وقّعت ست دول من أوروبا الغربية - بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ولوكسمبورج وهولندا - معاهدةً في مايو 1952 لإنشاء جيشٍ مشترك بميزانيةٍ ومجلس إدارةٍ وجمعيةٍ استشاريةٍ ومحكمةٍ مشتركة. إلا أن الخطة لم تُنفذ. على الرغم من أن الفكرة فرنسية الأصل، إلا أن البرلمان الفرنسي عرقل التصديق على المعاهدة عام 1954 بعد أن استنكر الجنرال شارل ديجول احتمال التنازل عن السيادة الفرنسية، مما أثار استياءً بالغًا لدى كل من الديجوليين وإدارة أيزنهاور. وبقيت القوات الأمريكية في أوروبا إلى أجل غير مسمى.
اليوم، عادت أوروبا إلى وضعها في أوائل الخمسينيات، حيث تواجه روسيا المتوحشة بينما تسعى الولايات المتحدة جاهدةً للانسحاب. بات لزامًا على أوروبا أن تفترض أنها مضطرة للدفاع عن نفسها دون دعم أمريكي. هذا التحدي يتطلب أكثر من مجرد زيادة ميزانيات الدفاع. تضم القارة نحو 30 جيشًا مختلفًا، تعمل بمستويات متفاوتة من الجاهزية والقدرة، وتستخدم معداتها الخاصة. إذا حشدت روسيا قواتها على حدود إحدى دول البلطيق، فسيتعين على جميع القوات الأوروبية المتفرقة الانتشار بسرعة والقتال معًا بسلاسة. نظريًا، يتولى حلف الناتو تنسيق هذه العمليات، لكن حلف الناتو بدون الولايات المتحدة سيصبح مجرد هيكل فارغ، فعندما حشد الحلف قواته الأوروبية في أفغانستان والبلقان وليبيا، على سبيل المثال، غطت البراعة العسكرية الأمريكية على أوجه القصور في تلك المهام الأوروبية. تفتقر جيوش أوروبا إلى المعدات الكافية، مثل طائرات التزود بالوقود جوًا، وطائرات النقل الجوي، وتقنيات المراقبة والاستهداف المتقدمة. فجوة القدرات متأصلة: حيث صممت الجيوش الأوروبية لتكون قوات مساعدة في الجهد الحربي لحلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة.
تراجع الولايات المتحدة يثير قلق الدول الأوروبية المتاخمة لروسيا بشكل خاص، وهذا أمر مفهوم. فقد ناشدت دول المواجهة، مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، الدول الأوروبية الأخرى زيادة إنفاقها الدفاعي، إلا أن الزيادات الطفيفة في الإنفاق الدفاعي الوطني لن تحول جيوشها إلى قوة قتالية متماسكة. ومن غير المرجح أيضًا أن تفي معظم الدول الأوروبية بتعهدها لحلف الناتو برفع الإنفاق الدفاعي إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي؛ لأن مثل هذه السياسات غالبًا ما تكون غير شعبية محليًا. ويرى العديد من مواطني الدول غير المواجهة أن جيوشهم الوطنية ليست ذات أهمية كبيرة لردع روسيا، ولا يعتقدون أنها قادرة على القيام بهذه المهمة.
أظهر استطلاع رأي أوروبي شامل أجرته مؤسسة «لو جران كونتينون» في أوائل عام 2025 أنه على الرغم من أن الأغلبية تخشى اندلاع صراع، إلا أن 19% فقط من المستطلعة آراؤهم كانوا واثقين من قدرة جيوشهم الوطنية على الدفاع عنهم، مقارنةً بـ 60% ممن شعروا بالثقة في جيش أوروبي مشترك افتراضي. لا يريد الأوروبيون إنفاق أموال طائلة على جيوش غير كفؤة. كما لا تستطيع أي من القوى الأوروبية التقليدية التصدي للعدوان الروسي بفعالية بمفردها. تعاني فرنسا والمملكة المتحدة من عجز كبير في الميزانية، مما يحد من مواردهما المالية اللازمة لتعزيز جيوشهما المنهكة أصلاً. علاوة على ذلك، أدت سنوات التقشف إلى إضعاف الجيش البريطاني، حيث يصعب على المملكة المتحدة اليوم نشر حتى 25 ألف جندي في شرق أوروبا.
أطلق المستشار الألماني فريدريش ميرز استثمارات دفاعية كبيرة، ما يمنح برلين القدرة على أن تصبح العمود الفقري العسكري لأوروبا، إلا أن إرثها ما بعد الحرب من النزعة السلمية والتحفظ تجاه القوة العسكرية يجعل التعويل على نهضة عسكرية ألمانية محفوفًا بالمخاطر. لذلك يتجه الأوروبيون إلى تكتلات إقليمية مؤقتة، فظهرت أطر عسكرية مصغّرة، مثل قوة التدخل السريع بقيادة بريطانيا ومقرها لندن، و»تحالف الراغبين» بقيادة فرنسا في أوكرانيا ومقره باريس، إضافة إلى تكامل متزايد بين دول الشمال الأوروبي. ورغم فائدتها، فإن هذه الترتيبات قد تضعف الدفع نحو جهد أوروبي جماعي أوسع.
يضم الاتحاد الأوروبي 450 مليون نسمة واقتصادًا يقارب حجم اقتصاد الصين، ما يمنحه القدرة والموارد للدفاع عن نفسه، لكنه لا يستثمر هذه المزايا بالكامل. ويتطلب تحقيق الأمن الجماعي تخلي الدول عن أولوية السيادة الوطنية وتوحيد جهودها عبر تمكين الاتحاد الأوروبي في مجال الدفاع. ورغم انتقاد «بيروقراطيي بروكسل»، فإن الاتحاد يمثل إطار أوروبا لتوحيد السيادة، ويمتلك خبرة طويلة في دمج القطاعات وتنسيق السياسات، ويركز على المصالح المشتركة. وقد أثبت فاعليته في الأزمات: نسق سياسة الطاقة بعد تخريب «نورد ستريم» عام 2022، واشترى لقاحات كوفيد-19 عام 2020، وأنشأ جهازًا حدوديًا بعد أزمة الهجرة عام 2015.
الأهم من ذلك، أن المواطنين الأوروبيين يريدون من الاتحاد الأوروبي تولي مسؤولية الدفاع. فالاتحاد الأوروبي هو المؤسسة الحاكمة الأكثر ثقة في القارة، أكثر من أي دولة عضو أخرى. ووفقًا لاستطلاع يوروباروميتر لعام 2025، يشعر نحو 80% من الأوروبيين بالقلق حيال أمن الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الخمس المقبلة، ويؤيدون سياسة دفاعية وأمنية مشتركة. أيد حزب الشعب الأوروبي، المنتمي ليمين الوسط، وهو أكبر الأحزاب في البرلمان الأوروبي، إنشاء جيش أوروبي موحد خلال حملته الانتخابية الناجحة عام 2024.
صرح روب جيتن، رئيس الوزراء الهولندي المنتخب، خلال حملته في أكتوبر 2025، بأنه يريد منح الاتحاد الأوروبي «السلطة والموارد اللازمة للدفاع عن أراضي أوروبا ضد عدوان بوتين». غير أن العقبة الأساسية بيروقراطية لا سياسية، إذ ترفض وزارات الدفاع الوطنية التخلي عن السيطرة، فإدارة بروكسل للمشتريات العسكرية تعني تقليص مكاتب الشراء الوطنية وفقدان شركات الدفاع لعقودها المميزة.
الحقيقة أن تمكين الاتحاد الأوروبي في مجال الدفاع لا يعني إنهاء حلف الناتو أو الجيوش الوطنية، وانما سيتركز دوره على تمويل وتنظيم القوات الأوروبية والعمل كمركز قيادة، عبر دمج وظائف المشتريات الوطنية وإدارة عمليات الاستحواذ الكبرى وتنسيق قطاعات الصناعات الدفاعية في الدول الأعضاء. سيبقى الناتو القيادة القتالية، مع تعزيز طابعه الأوروبي في ظل تراجع اهتمام الولايات المتحدة، بما يشمل تولي الأوروبيين مناصب عليا مثل القائد الأعلى للحلفاء. وستظل الجيوش الوطنية ركيزة الدفاع، لكنها ستخضع لتعزيز أوروبي. كما يمكن لبروكسل إنشاء قوة استجابة سريعة بقيادة دول غير مواجهة مثل إيطاليا وإسبانيا، تنتشر في شرق جبال البرانس وشمال جبال الألب، وتدار وتموَل أوروبيًا، مع إتاحتها للناتو عند الحرب، بما يعزز التضامن ويحقق الاندماج قبل أي صراع. تنسجم هذه الإصلاحات مع المعاهدة الأساسية للاتحاد، ويمكن تجاوز الاعتراضات عبر ترتيبات لا تشمل جميع الأعضاء، كما في اليورو والشنجن.