أول صيام.. محطة تربوية تمتزج بين فرحة الطفولة وروحانية رمضان
الخميس / 1 / رمضان / 1447 هـ - 14:45 - الخميس 19 فبراير 2026 14:45
يُشكّل الصيام لأول مرة في حياة الأطفال محطة فارقة وتجربة استثنائية تختلط فيها مشاعر الحماس بالتحدي وتحتاج إلى مراعاة حالتهم الجسدية وأحيانًا النفسية مع اعتماد أسلوب التدرّج والتشجيع المستمر.
فنجاح هذه التجربة لا يرتبط فقط بالقدرة على الامتناع عن الطعام والشراب بل بالدعم الأسري القائم على التحفيز وتعزيز المكافآت المادية والمعنوية التي تُنمّي في نفوسهم قيم الصبر وتحمل المسؤولية وتغرس فيهم الإحساس بالإنجاز.
ورصدت «عُمان» أجواء شهر رمضان مع عدد من الأطفال الذين استعادوا ذكريات أول يوم صيام في حياتهم بكل ما حمله من تفاصيل بسيطة ومشاعر عميقة.
تقول مريم الجساسية طالبة بالصف الرابع: «في أول يوم صيام لي شعرتُ بالفخر والسعادة لأنني أصبحتُ أكبر وأقوى. استيقظتُ مبكرًا مع عائلتي للسحور، وكان الجو هادئًا وجميلًا». وتضيف أنها في بداية اليوم شعرت بشيء من التعب، «لكنني كنتُ أُذكّر نفسي بأنني أستطيع التحمل».
وتتابع مريم حديثها: «قضيتُ وقتي في قراءة القرآن ومساعدة أمي، وحاولتُ أن أشغل نفسي حتى لا أفكر في الجوع. وعندما اقترب وقت المغرب، شعرتُ بحماس كبير وأنا أنتظر الأذان». وتوضح أن لحظة الإفطار كانت الأجمل، حيث أخبرها والداها أمام الأسرة بأنهما فخوران بها لنجاحها في إتمام الصيام.
وتقول: «شعرتُ بسعادة كبيرة وامتلأ قلبي بالفرح. كانت لحظة الإفطار مميزة جدًا، ودعوتُ الله أن يتقبل صيامي». مؤكدة أن أول يوم صيام سيبقى ذكرى جميلة في حياتها، «لأنه علّمني الصبر والشكر والشعور بنعمة الطعام».
وتبقى تجربة الصيام الأولى في ذاكرة الطفل درسًا عمليًا في الإرادة والانضباط حين تقترن برعاية أسرية واعية تُحوّل التحدي إلى إنجاز، والجهد إلى فرحة لا تُنسى.
من جهتها، خاضت الطفلة تالية بنت عامر محمد السنيدي تجربة ستبقى محفورة في ذاكرتها طويلًا. فمع إشراقة فجر اليوم الأول، استيقظت قبل إخوتها لتناول وجبة السحور وقلبها يفيض بفرحة مختلفة فرحة الصائم الذي يخطو أولى خطواته في هذا الشهر الفضيل بثقة وحماس.
تقول تالية: 'إن يومها الأول كان «جميلًا وصعبًا في الوقت نفسه»، موضحة أنه مع حلول وقت الظهر في المدرسة بدأ الجوع يتسلل إليها، لكنها آثرت الصمت، وقررت أن تكون قوية وألا تشتكي، محاولة أن تثبت لنفسها قدرتها على الصبر والتحمل. وتضيف أن شعور المسؤولية لديها كان أكبر من شعور الجوع، وهو ما منحها دافعًا للاستمرار حتى نهاية اليوم.
وعقب عودتها إلى المنزل بادرت إلى مساعدة والدتها في إعداد مائدة الإفطار في مشهد يعكس روح التعاون الأسري التي تتجلى ملامحها بوضوح خلال شهر رمضان. وقبل أذان المغرب جلست تدعو الله وتتأمل لحظة الإفطار المنتظرة، وقد امتزج في داخلها التعب بالأمل.
ومع صدح أذان المغرب، غمرها شعور عميق بالفخر بعدما أتمّت أول يوم صيام لها بنجاح لحظة وصفتها بأنها لا تُنسى، مؤكدة عزمها على صيام رمضان كل عام بإذن الله.
من جانبه، يرى حمد الحراصي أن الصيام عبادة خالصة لله وطاعة لأوامره، مشيرًا إلى أن والده أخبره بأن الصوم يعلّم الإنسان الإحساس بالفقراء ومشاركتهم معاناتهم، فضلًا عما يحمله من فوائد صحية للجسد. ويؤكد أن شهر رمضان تتجلى فيه الكثير من العادات الحسنة التي تنمّي روح الألفة والتعاون بين أفراد المجتمع.
وتعكس هذه التجارب البريئة كيف يتحول الصيام الأول في حياة الأطفال إلى درس عملي في الصبر والانضباط، وإلى ذكرى دافئة ترتبط بروح الأسرة ومعاني التكافل التي يرسخها الشهر الكريم.
وحول أجواء استقبال الشهر، يقول حمد: إنه استهل رمضان بمساعدة والديه وإخوته في تزيين المنزل بالفوانيس الرمضانية والإضاءات المبهجة، التي أضفت على المكان أجواءً من المتعة والحماس، ورسخت في نفوسهم روح البدايات الجميلة للشهر الكريم.
ويسرد حمد تفاصيل يومه بعد عودته من المدرسة قائلًا: «أصلي صلاة الظهر ثم آخذ قيلولة قصيرة حتى صلاة العصر وبعدها أقضي وقتي في قراءة القرآن الكريم مع والدي، كما أراجع حفظ جزء عم مع أخي الكبير». ويشير إلى أنه يبتعد خلال هذه الفترة عن اللعب والحركة الزائدة حتى لا يشعر بالعطش، في محاولة لتنظيم يومه بما يساعده على إتمام صيامه بنشاط.
وقبيل أذان المغرب، يحرص حمد على مساعدة والدته في تجهيز مائدة الإفطار وتحضير اللبن، مبينًا أن أسرته تفضل أن تبدأ إفطارها بالتمر واللبن، يليهما شوربة الدجاج والسمبوسة واللقيمات بالعسل، ثم يتناولون لاحقًا وجبة رئيسية مثل الأرز مع اللحم أو الدجاج.
ويضيف: «بعد الإفطار أذهب برفقة أبي لأداء صلاة المغرب في المسجد القريب من المنزل، وبعد صلاة التراويح، وفي تمام الساعة التاسعة مساءً تقريبًا نجتمع مع الأصدقاء والجيران للعب كرة القدم في الملعب المخصص بالمنتزه القريب»، في مشهد يجمع بين العبادة والأنشطة الاجتماعية التي تميز ليالي رمضان.
ويختتم حمد حديثه بجملة من النصائح الموجهة للأطفال في شهر رمضان، مؤكدًا أهمية تنظيم الوقت وتجنب السهر دون فائدة، خاصة أن الشهر يأتي هذا العام متزامنًا مع فترة الدراسة. كما شدد على ضرورة أخذ قسط كافٍ من الراحة بعد المدرسة، وعدم إهمال وجبة السحور لما لها من دور في إمداد الجسم بالطاقة خلال اليوم الدراسي، إضافة إلى الإكثار من شرب الماء بين الإفطار والسحور، والالتزام بالصلاة وصلاة التراويح، ومساعدة الوالدين واحترام أجواء الأسرة.
وخلال حديثه، قاطعه شقيقه الأصغر فيصل مؤكدًا أهمية تنظيم النوم، مشيرًا إلى أن السهر في أيام الدراسة يؤدي إلى التعب وقلة التركيز داخل الصفوف. وأضاف ببراءة لافتة: «أنا صائم أيضًا، ووعدتني عمتي أنه إذا استطعت حفظ جزء عم كاملًا خلال شهر رمضان فستحضر لي هدية كبيرة ومبلغًا ماليًا». ويقول ضاحكًا: «لقد بدأت في الحفظ، وأنا مصمم على إتمامه قبل نهاية رمضان».
وتعكس كلمات الطفلين صورة نابضة لرمضان في عيون الصغار؛ عبادة ممزوجة بالفرح، ومسؤولية تتزين بالحماس، وطموحات صغيرة تكبر مع كل يوم صيام.
كما دُعيت الطالبة سارة النهائي للحديث عن أول يوم صيام لها، فعبرت بثقة عن رغبتها الذاتية في خوض التجربة، مؤكدة أن قرارها جاء بدافع شخصي مدعوم بتشجيع والديها. وقالت: «بدأت الصيام برغبة مني بعد تشجيع أمي وأبي، ولأنني التزمت بالصلوات الخمس وارتداء الحجاب أيضًا».
وأضافت سارة أنها، ولله الحمد، لم تشعر بالتعب حتى الآن، مشيرة إلى حماسها لمشاركة أسرتها أجواء الإفطار من خلال إعداد قالب كيك فور عودتها من المدرسة. وتقول بابتسامة واضحة: «أنا متحمسة جدًا لإعداده، فقد شاهدت مقاطع كثيرة حول طريقة تحضيره بالشكل الصحيح».
وأكدت أنها وعدت والديها بصيام شهر رمضان كاملًا هذا العام، داعية الله أن ييسر لها الأمر ويعينها على إتمامه، في مشهد يعكس روح العزيمة والإصرار التي يتحلى بها الأطفال وهم يخوضون أولى تجاربهم مع الصيام، مدفوعين بالدعم الأسري والرغبة الصادقة في الالتزام والطاعة.