«ثقفنة الاقتصاد» العماني
الأربعاء / 29 / شعبان / 1447 هـ - 21:13 - الأربعاء 18 فبراير 2026 21:13
«ثقفنة الاقتصاد».. أقترح هذا المصطلح لأول مرة؛ لأنَّي لم أجده مستعملاً باللغة العربية، وقبل إعطائه المعنى وبيان مفهومه أذكر بأنَّ الناس قد دأبوا في أيامنا على الحديث عن الاقتصاد القائم على التسويق الثقافي، وأعطوه لوناً أسموه «الاقتصاد البنفسجي»، وهو الاقتصاد الذي يقوم على الاستثمار في العناصر الثقافية، مثل: تحويل مَعْلَم تأريخي كالحصون إلى مواقع سياحية، أو رمز حضاري باتخاذه ماركة للأدوات اليومية كالأقلام والقمصان الرياضية والدفاتر. إنَّ «ثقفنة الاقتصاد» لا تقصد هذا المعنى، بل بالأحرى تعني عكسه.
والمعنى الذي أقترحه لـ«ثقفنة الاقتصاد» هو عملية بناء ثقافي للمشاريع الاقتصادية؛ أي تحويل المشروع إلى نمط اجتماعي يُعبّر عن بُعد ثقافي للمجتمع، فمثلاً صناعة الفخار في بَهلا ابتدأت بكونها حاجة اجتماعية لتوفر للناس الأواني الفخارية، ولتضمن للصانع دخلاً يقيم به حياته، ولكن اليوم لم تعد تلك الحاجة التي قامت عليها ضرورية؛ لا للمجتمع ولا للصانع، إلا أنَّ الصناعة لا زالت قائمة في بَهلا، ويأتي الناس لزيارة المصانع مِن دول العالم.
وبكوني مِن بَهلا وأحد محترفي صناعة الفخار قبل أنْ أشتغل بالمعرفة، فلا أتصور بَهلا مِن دون صناعة الفخار، وليس مِن الوارد أنْ تنقرض منها على الأقل على المدى المنظور الذي نتصوره للتحولات القادمة التي تعتمد التراث الثقافي مورداً اقتصادياً، وفي ظل ما يقوم به صنّاع الفخار في بَهلا مِن نشر ثقافة صناعة الفخار.
إذاً؛ ثقفنة الاقتصاد هي تحويل أي مشروع اقتصادي إلى ثقافة متأصلة في المجتمع، وهذا أحد أهم عناصر الاستدامة الاقتصادية في البلاد؛ فالمشروع الذي يتحول إلى ثقافة اجتماعية يستمر بكونه يشكل لأهل البلد نمط حياة. وهناك الكثير مِن المشاريع الاقتصادية في مجتمعاتنا التي ترسخت بكونها أنماطاً ثقافية؛ مثل:
- الأسواق الشعبية.. تعد أحد مشاريع ثقفنة الاقتصاد القديمة، مَن يمكنه أنَّ يتصور مطرح خالية مِن سوقها الشعبي، أو يتصور نزوى مِن دون «سوق الصنيصرة»؟ فهذه المشاريع الدائمة لم تعد مشاريع اقتصادية بحتة، وإنَّما أخذت أبعاداً ثقافية، ولا تزورها الناس لتشتري التحف والملابس المحلية والهدايا التقليدية فحسب، وإنَّما لترى نمطاً اقتصادياً قديماً تحول إلى ثقافة يجذب عبقُها السائحَ مِن داخل عمان وخارجها.
- الأسواق الحرفية.. عادةً في الأسواق، ومِنها العمانية؛ توجد أسواق فرعية تهتم بحرفة مِن الحرف؛ مثل: سوق الصفافير وسوق الصاغة وسوق الحلوى وسوق السمك. وهذه الأسواق ليس قوتها في حاجة الناس الآنية بالمقام الأول، وإنَّما في تحولها إلى عناصر ثقافية يرتادها الناس، ولذلك؛ ينبغي تطويرها بحيث تكون جذابة سياحياً بضمان النظافة والرائحة الطيبة، والعرض الحديث للبضاعة، ووجود التاجر أو العامل العماني بها، وقد تحتاج إلى إدخال التقنية الحديثة. فثقفنة الاقتصاد لا تعني الجمود على القديم؛ لأنَّ الناس في تحول مستمر، وما يضمن الثقفنة هو جعل المشروع مواكباً لحياة الناس ولتفكيرهم المعاصر.
- تقاليد السوق.. وأقصد بها ما كان يوجد في بعض أسواقنا -لاسيما الكبيرة منها- مِن تقاليد نشأت بسبب الحاجة إليها، ولم تعد الآن هذه الحاجة قائمة؛ فمِن المهم بقاء التقليد بكونه عنصراً ثقافياً يحقق الثقفنة الاقتصادية المرجوة. مثل: ناظر السوق، وبوّاب السوق، وقاضي السوق، وكاتب السوق، ومبلّغ الوالي أو الحكومة بالإضافة إلى عرصات المناداة؛ فهذه الوظائف -التي أوجدتها الحاجة، وقد شكلت عمقاً مِن التقليد العماني- ينبغي أنْ تحيا بطريقة تتناسب مع العصر. وفي تصوري؛ أنَّ هذه التقاليد مِن أهم الأمور التي تحقق «الثقفنة الاقتصادية» وتجذب السائح إلى الأسواق العمانية.
وعندما أتحدث عن ثقفنة الاقتصاد فلا أقتصر على المحافظة على الحرف والأسواق القديمة فحسب، وإنَّما ذكرتها لأنَّها آيلة إلى الانقراض، فوجب أنْ أسلط الضوء عليها قبل غيرها، وإلا فالثقفنة ينبغي أنْ تشمل المشاريع الاقتصادية الحديثة، بل هذه أولى، ومردودها أكثر دخلاً للبلاد والعباد.
ويحضرني هنا أحد المنتجات الغذائية التي انتشرت في كثير مِن أسواق العالم، حتى غدا «علامة ثقافية»؛ فعندما تتفقد أرفف المحلات لتشتري حاجتك تجده شاخصاً بين يديك، ولا يحتاج كثير تركيز، فهو يلفت نظرك مِن أول وهلة، وهو بهذا المعنى قد حقق ثقفنة اقتصادية.
زرت منطقة الدقم الصناعية بمحافظة الوسطى عدة مرات، وكتبت عنها وعن ضرورة العناية بها، ومما كتبته مقال بعنوان «الدقم.. والحياة العمانية المنشودة»، وقد نشرته جريدة «عمان» مشكورةً بتاريخ: 24/ 9/ 2024م، ومما قلته عنها: (اليوم.. في تشييد المدن؛ أول ما تتجه إليه أنظار المهندسين هو التصميم الذكي الذي يجذب النفوس قبل أنْ تضع عن كاهلها حقائب السفر. ولأنَّ الدقم منطقة اقتصادية وصناعية؛ فينبغي التركيز على إضفاء الذائقة الجمالية عليها أكثر مِن غيرها بكسو المنطقة رداءً قشيباً؛ حتى يخفف عن الناس ثقل العمل المضني ورتابة منظر الهياكل الصناعية. لقد أصبح التوجه عالمياً لبناء مدن مؤنسنة [...] إنَّ الأمل الذي عقده العماني على مستقبل بلاده هو أنْ يرى الدقم منطقة تبنى مِن أول يوم على أحدث تصاميم الأنسنة، وأفضل الخدمات المقدمة، وأنْ تكون نموذجاً لحياتنا المستقبلية).
إنَّ هذا الأمل الذي نرجو تحققه هو أنْ تكون منطقة الدقم الصناعية أيقونة ثقفنة الاقتصاد العماني، فلا يأتي إليها المستثمرون وحدهم، وإنَّما تجذب إليها كل شرائح الناس، ليس بوصفها منطقة للاستثمار الاقتصادي فحسب، وإنَّما كذلك لكونها مدينة ذات فرادة ثقافية مِن حيث تصميم مباني المشاريع، فلا تبقى -كما هو الحال الآن- صناديق إسمنتية وأعمدة خراسانية، بل تتحول إلى أيقونات جاذبة للعين مبهرة للنفس.
إنَّ منطقة الدقم ينبغي أنْ تتحول إلى لوحة كبرى مِن الجمال الآسر مِن حيث مبانيها وطرقها وكافة خدماتها بحيث ينسى نازلها أنَّه في منطقة صناعية، خاصةً أنَّ درجات الحرارة مناسبة في الصيف مقارنة بأجواء الجزيرة العربية؛ فالتيار الهوائي اللطيف القادم مِن المحيط الهندي يصل إلى السواحل الشرقية لعمان. وأرى أنَّه قد حان الوقت لوضع استراتيجية لتشييد مباني الشركات والمؤسسات في الدقم ببُعد ثقافي وتصميم فني، وهذا يحقق أنسنة المدن، وفي ذات الوقت يحقق الثقفنة المرجوة، وهو كله مؤدٍ إلى جذب استثماري وسياحي على طول العام.
مصطلح ثقفنة الاقتصاد وإنْ كان جديداً، إلا أنَّ ممارسته قديمة؛ فقد شكلت الأسواق ثقافة عرفت بها بعض البلدان؛ فهذه الجارة إيران منذ القديم عرفت بسوقها «البازار»، ومَن يزورها ولا يتجول في أسواقها فزيارته لم تتم، بل إنَّ البازار تحول إلى نمط حياة للإيراني، وكان حاضراً في تشكيل الخارطة السياسية لإيران ماضياً وحاضراً.
وبما أنَّ سلطنة عمان قد بدأت خطتها الخمسية الحادية عشرة منذ أيام ـ وهي تركز على الاقتصاد النظيف ـ؛ فهناك فرصة كبيرة لتنفيذ المشاريع الاقتصادية على أساس مِن ثقفنة الاقتصاد، وهذا بالنسبة لمَن يملك رؤية ثقافية استثمارية ليس أمراً معقداً، ولا مكلفاً في مقابل العائد المتحقق مِن هذه المشاريع، لاسيما أنَّها تحقق استدامة تنموية. والأمل معقود على الجهاز الإداري الحالي خاصةً أنْ صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية كان على رأس وزارة الثقافة والرياضة والشباب، وعلى يده أعيد بناء المؤسسة الثقافية في عمان، وفي ظل إدارته صدرت أول استراتيجية ثقافية في سلطنة عمان.
ختاماً.. إنَّ عمان في ظل نهضتها المتجددة بقيادة مولانا جلالة السلطان هيثم بن طارق -أعزّه الله وأدام مجده- لجديرة أنْ تظهر للعالم بتميزها الحضاري والمتمدن عبر إبراز مشاريعها الاقتصادية بأيقونات جاذبة على المستوى العالمي، وهي تستطيع أنْ تنتج نماذجها الثقافية بنكهة عمانية متميزة بعيدة عن الاستنساخ المكرر الشاحب.