نتنياهو يخدع ترامب واليهود الأمريكيين مرة أخرى
ترجمة: أحمد شافعي
الأربعاء / 29 / شعبان / 1447 هـ - 21:12 - الأربعاء 18 فبراير 2026 21:12
كفانا مراوغة ولنقلها صريحة: حكومة إسرائيل اليمينية المتطرفة بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تبصق في وجه أمريكا وتقول لنا: إن السماء تمطر. وما هذا بمطر، لكن بيبي يخدع كلًا من الرئيس الأمريكي واليهود الأمريكيين، وإن تركته الولايات المتحدة ينجو بفعلته فنحن نستحق الخداع.
ففي الوقت الذي يترك فيه ترامب يصب تركيزه على التهديد الصاروخي والنووي الإيراني ـ وهو برغم تقليصه لا يزال حقيقيًا للغاية ويجب التعامل معه دبلوماسيًا أو عسكريًا ـ يعمد بيبي إلى تهديد أساسي لمصالح أعم للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ناهيكم بأمن اليهود في شتى أرجاء العالم.
على أي نحو؟ لا يمكنني أن أبسط الأمر بإيجاز يفوق إيجاز رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت؛ إذ قال: «إن جهدًا عنيفًا وإجراميًا يجري للتطهير العرقي لمناطق في الضفة الغربية» حسبما كتب في مقالة بصحيفة هاآرتس هذا الشهر. «وإن عصابات من المستوطنين المسلحين تضطهد وتؤذي وتصيب، بل تقتل الفلسطينيين المقيمين هناك. ويتضمن العنف إحراق بساتين الزيتون والبيوت والسيارات واقتحام المنازل والهجوم الجسدي على الناس»، وواصل قائلا: إن «مثيري الشغب، أي الإرهابيين اليهود، يعصفون بالفلسطينيين، محملين بالكراهية والعنف، وليس لهم من هدف إلا واحد هو إرغامهم على الفرار من بيوتهم.
وكل هذا يجري على أمل أن تكون الأرض مهيأة بذلك للاستيطان اليهودي في سبيل تحقيق الحلم بضم جميع الأراضي».
ومحاولات إسرائيل المتسارعة لضم الضفة الغربية والبقاء أبدا في غزة ـ وإنكار حقوق الفلسطينيين السياسية في كلتا المنطقتين ـ حمقاء أخلاقيا وجنونية ديموغرافيا بقدر ما قد يكون عليه ضم الولايات المتحدة للمكسيك.
ولو اقتصر الأمر على أن يتعرض الإسرائيليون وحدهم للأذى من الوهم الجنوني بأن بوسع سبعة ملايين يهودي إسرائيلي أن يسيطروا على قرابة سبعة ملايين من العرب الفلسطينيين سيطرة مستمرة لكان يمكن أن يغريني هذا فأقول: إن قادة إسرائيل يريدون ارتكاب انتحار وطني، وليس بوسعي إيقافهم، لكن الآثار لن تكون مقصورة على إسرائيل؛ فأعتقد أن هذا السعي الناجم عن دافع (مشيحاني) سوف يجعل من المستحيل أبدا التمييز بين إسرائيل وبين دولة «الأبارتيد» في جنوب أفريقيا، وسوف تكون له تداعيات جسيمة وحتمية على كل من المصالح الأمريكية ومصالح اليهود في شتى أرجاء العالم وأمنهم.
وفي حال بقاء حكومة نتنياهو على هذا المسار فإنها سوف تمزق المؤسسات اليهودية إربا في كل مكان؛ إذ سيتعين على يهود الشتات أن يقرروا الوقوف مع إسرائيل الأبارتيدية أم ضدها.
وسوف يعجّل هذا أيضا بنزعة بدأت مع تجويع إسرائيل لغزة حيث تتحول أعداد متزايدة من الديمقراطيين والجمهوريين الشباب في الولايات المتحدة على إسرائيل، بل يتحولون في بعض الهوامش على اليهود بعامة.
وسرعان ما سيجد الآباء اليهود في العالم أنفسهم في وضع لم يحلموا قط بالوجود فيه، وهو أن يروا أبناءهم وأحفادهم بأعينهم، وهم يتعلمون كيف يكونون يهودا في عالم أصبحت فيها الدولة اليهودية دولة منبوذة.
لقد تبين لاستطلاع رأي أجراه يوجوف YouGov لمعهد فهم سياسات الشرق الأوسط في نوقمبر أن 51% من الناخبين الجمهوريين تحت خمسة وأربعين عاما يفضلون دعم مرشح في انتخابات عام 2028 الرئاسية يناصر تقليل صفقات الأسلحة الممولة من دافعي الضرائب لإسرائيل. و27% فقط يفضلون مرشحا يزيد من إمدادات الأسلحة أو يبقيها على حالها.
والمرشحون الديمقراطيون اليوم ممن لا يصفون حرب إسرائيل في غزة بالإبادة الجماعية يواجهون رياحًا عاتية من الناخبين التقدميين الشباب.
في مؤتمر ميونيخ للأمن الذي عقد الأسبوع الماضي سئلت النائبة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز إن كان رأيها «أن المرشح الرئاسي الديمقراطي في انتخابات 2028 يجب أن يعيد تقييم المساعدات العسكرية لإسرائيل»، فقالت: «هذا رأيي الشخصي؛ ففكرة المساعدة غير المشروطة مهما تفعله الدولة لا تبدو لي منطقية، وأعتقد أنها سمحت بإبادة جماعية في غزة».
ومثلما قلت في البداية نتنياهو خدع ترامب، وكذلك جماعات الضغط الموالية لإسرائيل بقيادة لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) والعديد ممن يعرفون بالقادة اليهود الأمريكيين. فقد جعلهم يركزون على إيران ويتجاهلون حقيقة أن كل ما يفعله في غزة، وفي الضفة الغربية، وداخل إسرائيل سوف يتسبب في توتر علاقات الولايات المتحدة مع أهم حلفائها في الشرق الأوسط ومنهم مصر والأردن والسعودية والإمارات وتركيا وقطر.
نعم؛ لا تزال إيران تمثل تهديدًا نوويًا متقلصًا لكنه حقيقي للغاية بعد الضربات الإسرائيلية والأمريكية لمنشآت التخصيب النووي ومنشآت الصواريخ البالستية لديها في يونيو.
فقد أعادت إلى حد كبير بناء مخزون الصواريخ البالستية القادر على إلحاق ضرر مادي حقيقي بإسرائيل في حال استئناف الحرب؛ وهذا أمر أنظر إليه بغاية الجدية.
وفي التركيز على تهديد إيران الخارجي دون غيره تجاهل للتهديد الداخلي الذي تمثله حكومة نتنياهو على إسرائيل.
فنتنياهو منخرط في جهد مستمر منذ ثلاث سنوات، ولم يتوقف حتى خلال حرب غزة، للقيام بانقلاب قضائي من شأنه أن يقضي على الفصل بين السلطات في إسرائيل الذي يمكّن المحكمة العليا من مراقبة تجاوزات الحزب السياسي الحاكم؛ فهل إيران مسؤولة عن هذا؟ لا.
هل إيران منخرطة في جهد مستمر لعزل وتعجيز النائبة العامة الإسرائيلية المستقلة الشجاعة جالي بهاراف ميارا؟ لا، وإنما نتنياهو. تلك النائبة العامة المدعومة من المحكمة العليا هي الشيء الوحيد الذي يعترض طريق المزيد من الهجمات على الحكم القائم على القواعد؛ فهي التي تعارض إسقاط محاكمة نتنياهو بتهمة الفساد، وكذلك جهود بيبي لتسييس التعيينات في الحكومة والإعفاء الشامل من الخدمة العسكرية لليهود المتشددين الذين يبقونه في السلطة.
وهل حظرت إيران تشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في الإخفاق المخابراتي والقيادي المشهود الذي سبق غزو حماس في السابع من أكتوبر؟ لا، وإنما نتنياهو. وذلك الغزو لم يحدث فقط تحت أنظار نتنياهو، ولكنه نجم جزئيا وبشكل واضح عن جهود يبذلها؛ لكي يثبت للعالم أن إسرائيل يمكن أن تقيم سلامًا مع العالم العربي دون أن تقيم سلاما مع الفلسطينيين.
لقد ازدادت قوة حماس بفضل جهود نتنياهو القديمة لدعم حماس حتى تبقى القيادة الفلسطينية منقسمة دائمًا بين حماس في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. وبذلك يقول بيبي لكل رئيس أمريكي إنه آسف للغاية، لكنه لا يجد شريك سلام فلسطينيا موحدًا ليتفاوض معه.
هل إيران هي التي رشحت المقربين من نتنياهو معدومي الخبرة لإدارة أهم مؤسسات إسرائيل الأمنية، أي جهازي شين بيت والموساد؟ لا، لكن نتنياهو هو الذي فعل ذلك.
وما الذي دفع ترامب إلى أن يطلب علنًا من رئيس إسرائيل إسحق هرتزج العفو عن نتنياهو ـ حتى قبل صدور الحكم ـ في اتهامات الفساد الموجهة إليه؟ وتلك ستكون ضربة رهيبة لسيادة القانون في إسرائيل. مؤكد أنها ليست إيران.
وإليك الأمر الجنوني بحق: لم تكن إسرائيل قط مثلما هي اليوم موضع خوف عسكري وإعجاب تكنولوجي من جيرانها العرب؛ بسبب الضربات التي وجهتها لإيران وحزب الله وحماس. فلو أن نتنياهو شارك في مفاوضات لحل الدولتين مع السلطة الفلسطينية ـ
وفقا لأي شروط منطقية ـ سيمهد هذا الطريق لسلام بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية ولبنان وسوريا والعراق.
وستنفتح المنطقة كلها، بل العالم الإسلامي من بعدها لإسرائيل، وستكون إيران في عزلة تامة، وسوف تخلق التكنولوجيا الإسرائيلية والطاقة العربية تعاونا مذهلا لعصر الذكاء الاصطناعي.
وسيكون من ذلك طفرة هائلة لمصالح الولايات المتحدة. وفي حين أن بعض التعقيدات سوف تبقى مستمرة فإن الشرق الأوسط جوهريًا سوف يقيم سلامًا تحت مظلة أمريكية.
وسوف يتيح تقلص التوتر بين إسرائيل والعالم العربي لإدارة ترامب أن تفعل ما تاقت إدارات أمريكية سابقة عديدة إلى القيام به، وهو تقليص حضورها العسكري في المنطقة والانتقال إلى التركيز على مواجهة الصين في آسيا.
لكن لنتنياهو من سوء الحظ أولويات أخرى.
تصطدم مطامح ضم الأرض التي تراود مجلس نتنياهو الوزاري مباشرة مع خطة ترامب المؤلفة من عشرين نقطة التي تتخيل حل الدولتين في يوم ما. ومجلس السلام الذي أنشأه ترامب للإشراف على الخطة سوف يعقد اجتماعه الافتتاحي في واشنطن يوم الخميس، لكن نتنياهو يتغيب عنه.
وقال بتسلئيل سموتريتش وزير المالية في حكومة بيبي: إنه في هذا الخريف بعد الانتخابات، وخلال ولايته الثانية «سوف يشجع هجرة» الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة.
في الوقت نفسه اجتمع جميع حلفاء أمريكا العرب الأساسيين وتركيا ـ المركزية في اتفاقية ترامب لوقف إطلاق النار في غزة ـ يوم الثلاثاء في بيان يدين بشدة قرار إسرائيل بتصنيف أراض محتلة في الضفة الغربية باعتبارها أراضي في إسرائيل.
وحينما تنخرط إسرائيل في الضم الفعلي للأرض في ما تصفه جماعات لحقوق الإنسان بتطهير عرقي لغزة والضفة الغربية، فإنها تحول نفسها إلى مشارك أساسي في صراع دائم في المنطقة. ولا شيء من هذا يصب في مصلحة أمريكا، لكنه جميعا مما يزداد التقدير له في إيران.
وحكام إيران يمثلون لإسرائيل تهديدا حقيقيًا للغاية. ويقودون نظامًا سيكون سقوطه نعمة على شعبه وعلى المنطقة. لكن أرجوكم، أرجوكم، اعفوني من هراء أن إيران هي التهديد الوحيد لإسرائيل اليوم.
إيران ليست التهديد الأكبر لإسرائيل، وليست التهديد الأكبر للعلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وليست التهديد الأكبر لوحدة وأمن اليهود في العالم، وليست السبب في أن كثيرًا من مواهب التكنولوجيا الإسرائيلية والمهندسين والأطباء يرحلون، وليست السبب الأكبر في أن إسرائيل تتحول إلى دولة أبارتيد ليس فقط لرفضها محاولة إقامة دولة فلسطينية منفصلة، وإنما بعملها أيضا على فرض الاستحالة على هذا الأمر.
هذا اللقب مستحق لحكومة المتعصبين المشيحانيين، وللقوميين العرب الكارهين، وللإسرائيليين المتعصبين المتطرفين المعادين للحداثة الذين جمعهم بنيامين نتنياهو للبقاء في السلطة.