رأي عُمان

عن الفلسفة الحقيقية للصوم

 

تتجاوز حقيقة الصيام في الإسلام فكرة الامتناع عن الطعام والشراب إلى أبعاد عميقة ربما أهمها أنه تدريب صارم على الحرية. والحرية التي يدربنا الصيام عليها ليست تلك التي نتحدث عنها في سياق الشعارات السياسية. الحرية هنا تعني قدرة الإنسان على أن يضع مسافة واعية بين الرغبة والفعل، أن تتأخر الاستجابة بدل أن تنفجر تلقائيا. يعلمنا الصوم أن «المباح» قد يصبح اختبارا فيمتلك الصائم مفاتيح ضبط ما هو أكبر وأخطر مثل: اللسان والاندفاع وشهوة التبرير وكسل الضمير.

كثيرا ما نبقى عند المعنى القريب لفلسفة الصوم. لكن قلب المفارقة يمكن أن توصلنا إلى فهم أعمق. يترك المسلم بعض احتياجات جسده اليومية حتى يستطيع هذا الجسد أن يفهم حدوده. وتكاد هذه الحدود أن تكون منفلتة في إطار اقتصاد الإغراء الذي يقيسنا بما نستهلكه وبالاستجابة الفورية لكل رغبة. تربينا فلسفة رمضان الحقيقية بشكل مضاد. فليس كل ما نريده الآن يجب أن نحصل عليه فورا. وهذا الدرس رغم صغره إلا أنه أصل للفضائل الكثيرة. هو أصل لفضيلة الصبر والحلم والإنصاف والقدرة على رؤية الآخر دون أن تبتلعه ذاتك.

جوهر التقوى يكمن في الجانب الأخلاقي وليس في الجانب الطقسي. جوهرها في انتقال مركز الثقل من الرقابة الخارجية إلى الضمير الداخلي. أن يراقب المرء نفسه حين يغيب الرقيب، وأن يتعامل مع الصوم كمسؤولية لا كعرض اجتماعي. في هذا المعنى، فإن الصائم يختبر في نفسه حقيقة كبيرة وهي أن الأخلاق ليست انفعالا طيبا إنما هي قرار يتكرر بشكل مستمر يستطيع عبره الإنسان/ الصائم أن يضبط انفعالاته وما يحيط به من استفزاز بمنطق «إني صائم».

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي، عندما يترسخ في السلوك الفردي ثم في السلوك الجمعي من شأنه أن يعيد بناء اللغة اليومية التي نستخدمها في معاملاتنا، لغة الاحترام والوقار التي نحاسب فيها على كل كلمة أنْ تزل بنا فيكون اللسان في دائرة الامتحان كما هي المعدة وربما أكثر حيث إن الطعام يُرى ويحصى، أما الكلمات فتخرج ثم تمضي، وتترك أثرها في الناس.

على المستوى الاجتماعي، ينقل الصوم التجربة من الفرد إلى المجال العام. ليس هدف الصوم بناء حالة جوع مؤقتة. الهدف بناء وعي وشعور بمن يعيشون الجوع كقدر يومي في حياتهم. وهذا بدوره يحول الصدقات من معناها البسيط المتمثل في «العطاء» إلى معنى أكثر عمقا وهو «تصحيح العلاقة مع العالم» والاعتراف بفكرة العدالة في سياقها السياسي وفي سياقها الأخلاقي.

المفارقة أن رمضان يختزل أحيانا في حالة الامتناع عن الأكل دون النظر إلى ما نحتاجه منه ليعيد ترتيب حياتنا؛ كيف ننظر إلى علاقتنا بأنفسنا في الظاهر منها والخافي، وفي قدرتنا على كبح جماحها عما حُلل لها فضلا عمّا حرّم عليها من قبل، وفي اللحظات التي يشتد فيها الإغراء، وفي علاقتنا بالآخر على مستوى التعامل وعلى مستوى التشارك في تفاصيل الحياة.

وإذا كان للعالم اليوم أن يتعافى من توحّش الرغبات والاستهلاك -الفردي والجماعي- فربما يبدأ الأمر من درس الصوم، أن نتعلم قول «لا» لما نشتهيه؛ كي نستطيع أن نقول «نعم» لما يستحق.