أفكار وآراء

هل من تشريع يحمي الأطفال من منصات التواصل الاجتماعي؟

قانون حماية الطفل في سلطنة عمان كفل له حماية كاملة وأعطاه حقوقا كثيرة ليس من أجل المحافظة على سلامته وصحته البدنية فقط، وإنما أيضا من أجل حماية عقله ونمط تفكيره والجوانب التي تؤثر على صحته النفسية.

الطفل في أغلب الدول له تعريف بأنه الذي لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره.

هذا الطفل في وقتنا الحالي يتمتع بشتى أنواع الترفيه والتسلية؛ حيث أصبح مستقبلا للألعاب الإلكترونية مع التسابق التجاري في أغلب الولايات بفتح محالّ التسلية التي تنتشر بها تلك الألعاب الإلكترونية. وإن كان الترفيه من الحاجات الأساسية لنمو الأطفال وخاصة في المراحل الأولى من عمرهم، ولكن من المآخذ على تلك المحالّ هو تجاوزها الحدود المعتادة في فتحها حتى ساعات متأخرة من الليل، الأمر الذين يدعو للقلق من تأثير بقاء الأطفال حتى أوقات متأخرة على سلوكياتهم اليومية.

والأمر لا يتوقف عند تلك المحالّ، فقد أصبح الترفيه والتسلية والألعاب الإلكترونية متاحة -ليلا ونهارا- باستخدام تطبيقات ووسائل التواصل الاجتماعي؛ ومنها على سبيل المثال: التيك توك والإنستغرام والفيس بوك ومنصة أكس والسناب تشات، التي تأتي بالمعلومات والصور والفيديوهات من شتى المستخدمين والمؤثرين من بقاع دول العالم المختلفة.

كما تبدل الهدف من التواصل الاجتماعي عن طريق تلك الوسائل، إلى التباعد الاجتماعي والاختباء وراء تلك الأجهزة الذكية والشاشات التي انتشرت وأصبح الحصول عليها متاحا ليس للبالغين وحسب، وإنما لجميع الأعمار؛ إذ بمجرد تحريك الطفل أزرار تلك الأجهزة بأصابعه تقوم بدورها بنقله إلى عالم آخر من التواصل الإلكتروني وبلا تقييد من حيث الفئة العمرية المناسبة للمشاهدة أو التصفح.

تشير بعض الدراسات العلمية بأن هناك مخاطر عالية على الأطفال جراء استخدام منصات التواصل الاجتماعي وخاصة في الجوانب المتعلقة بالتطور المعرفي والتفكير والإبداع وفي الحياة اليومية. ولكن بعض الدراسات لم تصل إلى حد الإجماع على تلك التأثيرات، وإن كانت أغلبها تتوافق على تأثير ذلك على الذين يقضون فترات أطول من غيرهم. أيضا هناك آثار سلبية جراء الاستخدام المفرط لمنصات التواصل الاجتماعي، تتمثل في زيادة حالات الاكتئاب، وانخفاض تقدير الذات والقلق وتغيير أوقات النوم بين الأطفال والمراهقين.

أيضا هناك بحوث تشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي تمثل خطرا يلحق الأذى بالأطفال نتيجة الاستخدام المستمر لأكثر من ثلاث ساعات يوميا؛ حيث يؤثر في إحداث بعض التغييرات النفسية السيئة في مناطق الدماغ المتعلقة بالمشاعر والتحكم في الانفعالات، كما تؤثر وسائل التواصل والتطبيقات في زيادة معدلات التنمر الإلكتروني وسهولة تعرضهم للمحتويات الضارة، وغالبًا تكون الفتيات أكثر عرضة لتلك المخاطر.

وفي الجانب الآخر أيضا الإفراط في التصفح الإلكتروني من شأنه التأثير على الانتباه وعلى عمليات الذاكرة؛ حيث لا يكون لدى الأطفال تركيز مستمر، وينخفض أداؤهم في امتحانات القراءة وتعلم مفردات اللغة.

كما أشارت دراسة إلى التأثير السلبي على أنشطة الدماغ، على سبيل المثال، تغيير حجم المخيخ في حال الاستخدام العالي لمنصات التواصل، وإن كانت ذلك التأثير يحتاج إلى بحوث تأخذ وقتا أطول لإثبات النتائج بدقة أكثر.

من المخاطر الصحية لوسائل التواصل الاجتماعي للذين يقضون أوقاتا أكثر هو انخفاض تعرضهم للضوء الطبيعي نتيجة الأوقات الزائدة على الشاشات، ولذلك تأثير على النظر وعلى زيادة السمنة نتيجة قلة الحركة، فينخفض لديهم النشاط البدني وأيضا العاطفي فتجدهم أقرب للعزلة وعدم التفاعل مع محيطهم الاجتماعي، ويجدون صعوبة في إنهاء المهام المدرسية، وقلة تكوين الصداقات مع أقرانهم، بسبب سيطرة وسائل التواصل الاجتماعي والأجهزة على معظم وقتهم اليومي.

كما أن التعرض للضوء الأزرق الناتج من الأجهزة والتمرير المستمر للمشاهدات في أوقات متأخرة من الليل من الممكن أن يعيق إفراز مادة الميلاتونين «هرمون في الجسم» مما يؤثر على أوقات النوم؛ وبالتالي، يشكل خطرًا على النمو الجسدي السليم. أيضا الإدمان في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي له مخاطر صحية على العين وزيادة معدلات قصر النظر والإجهاد على الرقبة والعمود الفقري العنقي بين الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم السبع سنوات. مع تزايد القلق حيال مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، وإثبات ذلك بالدراسات والبحوث العلمية، وفشل شركات التقنية‏ في وضع تدابير احترازية صارمة تحمي الأطفال فقد أصدرت أستراليا أول حظر وطني على تلك المنصات للأطفال لمن هم دون سن السادسة عشرة؛ حيث دخل حيز التنفيذ في شهر ديسمبر من العام الماضي. والسبب هو التأثير الناتج من وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة وأيضا محتوياتها الضارة على الفئة العمرية للأطفال.

كما اتخذت أستراليا خطوات بفرض غرامات مالية في حال عدم الامتثال من قبل شركات التقنية‏ لتلك التشريعات.

كما تعمل فرنسا على تقديم تشريع يحظر دخول الأطفال لمن هم دون سن الخامسة عشرة على حسابات وسائل التواصل الاجتماعي بسبب زيادة حالة التنمر والصحة النفسية واضطرابات النوم.

أيضا الدنمارك لديها خطة لوضع قيود لمن هم أقل من الخامسة عشرة، وعلى نفس النهج تدرس النرويج واليونان وماليزيا وإسبانيا فرض قيود على وسائل التواصل الاجتماعي لفئة الأطفال أو اشتراط موافقة الوالدين على استخدام الأطفال لتلك المنصات.

أيضا الاتحاد الأوروبي يعمل على سن قانون يحول دون وصول الأطفال من هم دون السادسة عشرة على تلك المنصات عبر إصدار قانون ينظم ذلك.

هذه التشريعات المتخذة أو التي هي قيد النظر أو الدراسة جميعها تدق جرس‏ الخطر على مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، وتعمل تلك الدول على أخذ تدابير احترازية للوقاية من الاستخدام المفرط لتلك المنصات.

كما اتجهت المملكة المتحدة لوضع قانون للسلامة على الإنترنت بفرض غرامات على شركات التقنية‏ بنسبة تصل إلى (10 %) من إيراداتها السنوية في حال فشلها في وضع تدابير صارمة تحمي الأطفال من المحتويات الضارة -على سبيل المثال- التنمر أو إضرابات الأكل أو إيذاء النفس. الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لسن قانون حماية الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي يحدد الحد الأدنى للذين يسمح لهم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم في سن الثالثة عشرة فأعلى مع موافقة الوالدين لأي طفل أقل عن الثامنة عشرة.

المشهد في سلطنة عُمان لا يختلف كثيرا؛ حيث كشفت دراسة أكاديمية على المدارس للفترة من (2024-2025) بأن معظم الشباب يقضون في المتوسط ست ساعات يوميا على منصات التواصل الاجتماعي. كما سلطت إحدى الجرائد العمانية الضوء على زيادة معدل الإدمان لدى الأطفال في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الناتج من تملكهم الهواتف الذكية دون سن الرابعة عشرة. كما لاحظ أطباء العيون في سلطنة عُمان وجود علاقة مباشرة بين تملك الهاتف في وقت مبكر قبل سن العاشرة وبين التدهور السريع في الرؤية لطلاب المرحلة الابتدائية.

أيضا يواجه الأطفال تحديات الهوية المتضاربة بين المحافظة على العادات والتقاليد العمانية وبين زيادة توجههم نحو التعود على أنماط الحياة والعادات التي يشاهدونها عبر منصات التواصل الاجتماعي مما له تأثير سلبي على القيم الدينية والمواطنة؛ حيث أصبح الأطفال يقلدون أغلب ما يشاهدونه؛ نظرا للانفتاح الإلكتروني وعدم وجود ضوابط صارمة تمنع استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي.

ولعل مجلس الوزراء في بداية هذا العام أشار إلى ضرورة معالجة آثار منصات التواصل الاجتماعي على سلوكيات المجتمع وبالتالي، حماية الأطفال ينبغي أن تكون أولوية في هذا الجانب.

هناك أهمية بالغة لإيجاد تشريع وطني - تأسيسا على ما تم اتخاذه أو يجري تنفيذه في بعض دول العالم ـ يمنع الأطفال ممن هم دون سن معين من فتح حسابات أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وأيضا فرض غرامات مالية على شركات التقنية‏ غير الممتثلة للضوابط التي تصدرها الجهات الرقابية في سلطنة عُمان.

يبقى التشريع مهما، ولكن يجب العمل على خطة وطنية يكون هدفها تعزيز الوعي المجتمعي بمخاطر المنصات والتطبيقات والألعاب الإلكترونية على نمو الأطفال والمحافظة على صحتهم الجسمانية والنفسية ونموهم التعليمي والإبداعي، فهي الأساس في بناء جدار الحماية الآمن للأطفال من مخاطر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في حياتهم اليومية.