العرب والعالم

لبنان وحصريّة السلاح.. من جنوب النهر الى "ما بين النهريْن"

 

على الستاتيكو القائم بين اللاحرب واللاسلم، على امتداد مساحة بلد، مزنّر يومياً بالغارات والإعتداءات والتوغّلات وتفجير المنازل عند خاصرته الجنوبيّة، شهدت الأيام الأخيرة إرتفاع منسوب التساؤل عمّا إذا كان غده بات مرتبطاً بضمّ الشمال الى الجنوب في خطّة حصريّة السلاح بيد الشرعيّة؟


والسؤال الآنف الذكر لم يأتِ من العدم، بل اقتضاه فعل كون قائد الجيش العماد رودولف هيكل، وخلال جلسة مجلس الوزراء الماراثونيّة التي انعقدت يوم الإثنين الفائت، فتح بوّابة المهل باتجاه شمال نهر الليطاني حتى نهر الأوّلي، في سياق تنفيذ المرحلة الثانية من ملفّ حصر السلاح بيد الشرعيّة، وحدّد زمنها بين 4 و8 أشهر قابلة للتمديد، أي في إطار زمني مفتوح.

وذلك، تبعاً لتقديرات الميدان والمؤسّسة العسكرية، ومقاربة تفاوضيّة من 4 أهداف أساسية، مرتّبة ضمن سلّم أولويّات واضح: وقف الأعمال العدائية وعمليات القتل، ثم إطلاق الأسرى، يليه انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما وراء الخطّ الأزرق، تمهيداً لاستكمال ترسيم الحدود البريّة. مع الإشارة هنا الى أن أقرب نقطة بين مجرى النهريْن، 'الليطاني' الذي يصبّ شمال مدينة صور و'الأوّلي' الذي يصبّ شمال مدينة صيدا، تُقدّر بحوالي 20 الى 30 كيلومتراً، فيما المسافة الساحليّة بينهما تتراوح تقريباً بين 30 و35 كيلومتراً.


أما في كواليس السّياسة، فتردّد أن العرض الذي قدّمه قائد الجيش في 'وعاء الإحتواء' على طاولة مجلس الوزراء، حول عمل الجيش في جنوب الليطاني وشماله، إنفاذاً للقرارين الحكوميّين الصادرين في 5 و7 أغسطس الفائت، لم يكن مجرّد جردة ميدانية، بل محاولة لإرساء معادلة المرحلة المقبلة شمال الليطاني، ضمن مقاربة تدريجيّة تتفادى الصدام وتراهن على توافر الظروف السياسية واللوجستية قبل الإنتقال إلى التنفيذ. وذلك، غداة عودته من واشنطن والرياض، وعشيّة الإجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش الذي سيُعقد في القاهرة في 24 من الجاري، والذي سيليه انعقاد المؤتمر في 5 مارس المقبل في باريس، بمساعٍ من 'المجموعة الخماسيّة' الدولية والعربية.


وبين قائل بأن مجلس الوزراء نجح في تأكيد قراره السابق بالسير بخطّة حصريّة السلاح، ومشيد بالمفاجأة التي تمثلت في الجدول الزمني الذي وضعه قائد الجيش لعملية 'سحب السلاح، لا احتوائه'، لم يجد الخبير العسكري والإستراتيجي، العميد الركن د. حسن جوني، توصيفاً لما جرى بشأن المرحلة الثانية من حصريّة السلاح إلا من زاوية 'اللاقرار' الحكومي، وإنْ بشكل غير واضح. ذلك أن الحكومة، وفق قوله لـ'عُمان'، لم تتخذ قراراً. وفي الوقت عينه، لم توضح عدم قدرتها على تنفيذ المرحلة الثانية من حصريّة السلاح، ولم تقلّ صراحةً أنّ هذه المرحلة صعبة في الظروف الحالية، فكانت النتيجة أن 'اتخذت الموقف الذي لا يعبّر عن موقف'.


وإذا كانت 'حصريّة السلاح-2' قد عبرت من دون مهل زمنية حاسمة في مجلس الوزراء، إلا أنها، وبحسب تأكيد أوساط وزاريّة، إستبطنت سجالاً مفتوحاً على عنوانها، بما يضع الحكومة أمام اختبار القدرة على ترجمة الشعارات إلى قرارات قابلة للتنفيذ. والأمر في خواتيمه، حسب تقدير المصادر نفسها، معقود على أمرين: تعزيز قدرات الجيش اللبناني، وحسْم 'حزب الله' بأن ليس لديه ما يقدّمه شمال الليطاني، ما يطرح تحدّياً كبيراً لم يكن موجوداً في مرحلة جنوب النهر، حيث أبدى الحزب تعاوناً كاملاً بالإستناد إلى اتفاق وقف إطلاق النار. أمّا في الشمال، فيرى الحزب أن الموضوع يجب أن يُعالج عبر حوار داخلي حول الإستراتيجية الدفاعية، وبعد أن تنسحب إسرائيل من النقاط المحتلة، وتوقف اعتداءاتها، وتطلق الأسرى، ويبدأ الإعمار.


ضبابيّة 'الوضع العام'
وفيما أحيطت مداولات خطّة تنفيذ المرحلة الثانية من حصريّة السلاح بالسريّة التامّة، تردّدت معلومات مفادها أن المساعي السياسية سمحت بإنتاج المخرج الذي تمّ تقديمه في الجلسة الوزاريّة، ومفاده أن لا الدولة تراجعت عن خطّة السلاح ولا 'حزب الله' تراجع عن شروطه، فجرى السيْر في الخطّة، ولكنْ من دون التقيّد بمهل. وهذا المخرج لقي توافقاً وأراح الأجواء الداخلية، فيما بقيت إشارة قائد الجيش الى أن التقدّم بتنفيذ الخطّة 'مرتبط بالوضع العام' معلّقة على حِبال التكهّنات.


و'الوضع العام'، بحسب تقدير جوني، هو أمر غير واضح ويحمل بين طيّاته معانٍ عدّة. ذلك أن 'قائد الجيش ترك مسألة التوقيت مفتوحة وقابلة للتمديد، وهي تتعلّق باعتبارات أخرى، تبدأ بالمعوّقات نتيجة استمرار الإعتداءات الإسرائيليّة، ومحدوديّة الإمكانات اللوجستيّة والتمويليّة، ولا تنتهي بربط مسألة تنفيذ المرحلة بالوضع العام'. فهل أن الوضع السياسي في لبنان، الذي يستوجب التوافق على تنفيذ المرحلة 2 من خطّة حصريّة السلاح، هو المقصود بعبارة 'الوضع العام'؟


وفي معرض إجابته عن هذا السؤال، ينطلق جوني من قناعته بأن المرحلة الثانية من خطّة حصريّة السلاح هي 'الأساسيّة والأهمّ' لأنها تتعلّق بمنطقة بالغة الأهمية بالنسبة لـ'حزب الله'، أي منطقة إقليم التفاح تحديداً، الممتدّة بين نهر الليطاني شمالاً ونهر الأوّلي غرباً، ليطلّ على الوضع العام الإقليمي الذي يشهد مفاوضات دقيقة بين واشنطن وطهران. ذلك أن 'هذه المفاوضات، بنتائجها أياً تكن، لا بدّ أن تنعكس بشكل أو بآخر على موضوع سلاح حزب الله في لبنان'. وبالتالي، فإن عدم تحديد توقيت حاسم لتطبيق المرحلة الثانية من قرار الحكومة، وربطه بظروف مفتوحة على 'الوضع العام'، أمر مرتبط بما هو أبعد من لبنان، وفق رأيه، وخصوصاً أن 'القدرات اللوجستيّة ممكن أن تتوافر، ومعوقات الوجود الإسرائيلي ممكن أن تخضع لترتيب معيّن أو تفاهمات معيّنة'.


'حصريّة أو أحتواء'؟
واستكمالاً لقراءته، توقّع جوني أن تشهد المرحلة الحالية متابعة تنفيذ ما هو متصل بالمرحلة الأولى من خطّة الجيش لحصريّة السلاح، وما يتعلّق باحتواء السلاح، معرباً عن اعتقاده بأن الجيش سيواظب على تطبيق هذا البند، أي احتواء السلاح شمال الليطاني، أينما وُجد، ضمن الأطر القانونية، لكنْ من دون الذهاب الى صدام مباشر مع أيّ طرف، ولا سيّما مع 'حزب الله'. وذلك، في سياق 'نصف خطوة' في اتجاه تسلّم أو احتكار هذا السلاح، بما يطمئن المجتمع الدولي نسبياً، وبما يتلاقى مع القرار الحكومي المتخذ في هذا الشأن. ويُنظر إلى الإحتواء هنا كمصطلح، يتيح للجيش هامشاً واسعاً من الترجمة الميدانية وفق مقتضيات الواقع، بما يحفظ السلم الأهلي ويؤمّن في الوقت نفسه استمرار تنفيذ مهمّة حصر السلاح.


وفي خضمّ أجواء المرحلة الثانية من خطّة نزع السلاح، أو حصره، أو احتوائه، شدّد المحلّل والكاتب السياسي طوني فرنسيس على أن حصر السلاح بيد الدولة ليس مطلباً خارجياً، بل هو في الأساس 'أحد شروط قيام الدولة في أيّ بلد'. وفي لبنان، لم يعد ذلك اجتهاداً سياسياً، بل نهج عام يقوده رئيس الجمهورية والحكومة، بموافقة مجلس النواب وغالبية القوى السياسية، و'لا بديل عن هذا النهج سوى إستمرار الإهتراء الداخلي وتحلّل الدولة في النهاية'.


وإذْ أكد فرنسيس لـ'عُمان' أنه 'بقدر ما تتمكّن السلطة من إنجاز إمساكها بالأرض، من جنوب الليطاني الى ما بين النهرين، بقدر ما سيكون موقفها أقوى في مواجهة الإشتراطات والأطماع الإسرائيلية'، فإن ثمّة قراءات تشير الى أنّ ما تحقق في جنوب الليطاني شكّل تجربة قابلة للبناء عليها، لكنّ نجاحها إرتبط بعوامل سياسية وأمنية دقيقة، ما يجعل نقلها إلى الشمال أكثر تعقيداً، وخصوصاً أن المرحلة الثانية تندرج في إطار سياسي- أمني لإدارة مرحلة حسّاسة، تحت عنوان 'الإحتواء من دون صدام'.