الصمود والاستنزاف استراتيجية أوكرانيا الرابحة في الحرب مع روسيا
تحليل
الأربعاء / 29 / شعبان / 1447 هـ - 19:26 - الأربعاء 18 فبراير 2026 19:26
واشنطن 'د.ب.أ': أيام قليلة ويبدأ العام الخامس للحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت في 22 فبراير 2022، وهو ما يعني أن الحرب التي أطلقت عليها روسيا 'عملية عسكرية خاصة' استمرت نفس مدة اشتراك روسيا في الحرب العالمية، وأودت بحياة مئات الآلاف. وقد بدأت حرب 2022 كمحاولة روسية لإخضاع أوكرانيا بسرعة، لكنه تحول إلى أكبر صراع تقليدي في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وفي البداية سعت القوات الروسية إلى استغلال السرعة والمفاجأة، ثم تحولت إلى حرب دفاعات محكمة، وتقدم للقوات يقاس بالأمتار، والحصارات طويلة المدى. ومنذ عام 2023، اتخذت الحرب طابعا استراتيجيا واستنزافيا. والآن، باتت حربا أشد تعقيدا وإنهاكا، ويسعى كل طرف فيها إلى إظهار أقصى درجات الصمود لدفع الطرف الآخر إلى اليأس والبحث عن مخرج بعيدا عن ساحة المعركة.
وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية قال المحلل العسكري الأمريكي ميشيل كوفمان الخبير في القوات المسلحة الروسية إن أوكرانيا تهدف إلى جعل الحرب عديمة الجدوى بالنسبة لروسيا من خلال رفع عدد الضحايا الروس إلى ما يفوق قدرة موسكو على تعويضهم، وزيادة تكلفتها الاقتصادية، مقابل تقليل الخسائر الأوكرانية من الأراضي، بحيث تصبح الحرب غير قابلة للاستمرار. ومع التقدم الذي أحرزته كييف في قدراتها على توجيه ضربات بعيدة المدى، وتكثيف هجماتها على البنية التحتية لتصدير الطاقة الروسية، تسعى أوكرانيا إلى جعل العام الحالي، عام انهيار روسيا ماليا، مما سيجبرها على إعادة النظر في مطالبها على طاولة المفاوضات.
في المقابل تأمل موسكو أن يؤدي الضغط الهجومي المستمر على أوكرانيا إلى تحقيق اختراقات، أو إنهاك الاقتصاد الأوكراني من استراتيجيتها في قصف البنية التحتية الحيوية لأوكرانيا، مع إجبار السكان على الفرار من المدن الأوكرانية. ومع ذلك، فقد فشلت الهجمات الروسية باستمرار في تحقيق أهدافها، وعلى الرغم من أن موسكو كانت تأمل في استنزاف الإرادة السياسية الغربية، فقد أثبت الدعم الغربي لأوكرانيا استمراريته.
ويرى كوفمان مدير برنامج الدراسات الروسية في مؤسسة سي.إن.أيه كورب الأمريكية للأبحاث والتحليلات الدفاعية أن كييف بدأت العام الحالي في وضع صعب لكنه ليس كارثيا، حيث لا تستطيع روسيا تحقيق أهدافها السياسية بالوسائل العسكرية وحدها، إذ تحتاج وقتا طويلا حتى للسيطرة على أجزاء صغيرة من الأراضي الجديدة، وهذا يتطلب تكلفة باهظة. ويدور القتال من أجل تعزيز المواقف التفاوضية. ومع ذلك فإن إنهاء الصراع بشروط مقبولة لأوكرانيا لن يكون بالأمر الهين. سيتطلب الأمر دعما غربيا موجها لتوفير تفوق أوكراني في مجال الاستخبارات والتكنولوجيا، وتحييد المزايا الروسية، وزيادة الضغط الاقتصادي الغربي على موسكو.
وبينما تميزت الفترة الأولى من الحرب الروسية الأوكرانية بالسرعة والمناورة، فإن الحرب التقليدية المطولة الحالية تتسم أكثر بدورات التكيف والاستنزاف وإعادة البناء. قد لا يبدو من بعيد أن الكثير قد تغير في العامين الماضيين، ولكن بسبب الابتكار التكنولوجي والتكتيكات الجديدة، تتغير ساحة المعركة وتتطور كل ثلاثة إلى أربعة أشهر. استغلت أوكرانيا المعلومات الاستخباراتية والمعدات ورأس المال والتكنولوجيا الغربية للمساعدة في موازنة نقاط التفوق الروسي. وحشدت موسكو مواردها، بما في ذلك احتياطي كبير من المعدات ورثته من الاتحاد السوفيتي. كما أن الدعم الذي قدمته الصين وكوريا الشمالية وبدرجة أقل إيران ساهم في مواصلة روسيا للحرب.
خطوط دفاعية غير محكمة
وتتسم ديناميكية ساحة المعركة الحالية بخطوط دفاعية غير محكمة. فالمواقع الأمامية للقوات الأوكرانية عبارة عن حواجز تفصل بينها فجوات واسعة، بينما تحاول القوات الروسية التسلل من خلالها. هذا يجعل من الصعب تحديد من يسيطر على ماذا، وأصبحت خطوط التماس أشبه بمناطق رمادية من ساحات الاشتباك المتداخلة، على بعد حوالي 16 إلى 19 كيلومترا من خط المواجهة، والتي يطلق عليها كلا الجانبين اسم 'منطقة القتل'. وهذا الاسم دقيق؛ فبالنظر إلى الكثافة العالية لطائرات الاستطلاع والهجوم بدون طيار، يسهل صد الهجمات الآلية، كما أن العدد القليل من المشاة الذين يحاولون التسلل عبر المنطقة يتعرضون لمطاردة شرسة من قبل الطائرات المسيرة. ووسط هذا الجمود النسبي، شهد عام 2025 صراعا عنيفا للسيطرة على منطقة القتل.
بدأ العام بتمركز القوات الأوكرانية في هذه المنطقة بصورة أفضل من القوات الروسية مما منحها ميزة كبيرة. لكن بمرور الوقت، نجحت تشكيلات النخبة من الطائرات المسيرة الروسية، مثل روبيكون، ووحدات الطائرات بدون طيار الموسعة، وأعدادها الهائلة، من تغيير حقائق المنطقة بشكل أكثر توازنا عبر ساحة المعركة، مما قلص تفوق أوكرانيا فيها. ومن المتوقع أن يشهد هذا العام تكرارا لتلك المواجهة، بعد أن بات التفوق في قدرات الطائرات المسيرة هو المحرك الأساسي للمبادرة على الأرض.
في الوقت نفسه فإن أسلوب القتال الروسي، باستخدام مجموعات صغيرة من المشاة أو القوات الآلية الخفيفة لتجاوز المواقع الأوكرانية، لا يوفر زخما كافيا لتحويل أي اختراق إلى نصر حاسم. ونتيجة لذلك، لم يتمكن الجيش الروسي من استغلال الحالات التي تمتع فيها بتفوق محلي في وحدات الطائرات المسيرة. لقد أصبح الهجوم الروسي أشبه بصراع متواصل على مدار العام تقريبا، لا يؤدي إلى استنزاف قدرات روسيا لكنه غير مناسب لتحقيق تقدم سريع.
في المقابل أثبتت الضربات الأوكرانية على البنية التحتية للطاقة الروسية فعاليتها في تعطيل إمدادات الوقود المكرر والحد من قدرة روسيا على تحقيق إيرادات من صادرات الطاقة. وقد كثفت أوكرانيا إنتاجها من الطائرات المسيرة، ورغم اعتراض معظمها، تتسلل أعداد متزايدة منها عبر المنظومة، ما يعرض دفاعات روسيا الجوية قصيرة ومتوسطة المدى، المكلفة باعتراض الطائرات المسيرة، لضغط متزايد مع نفاد ذخيرتها. وبنقل التكنولوجيا المناسبة من الدول الغربية، مثل أنظمة التوجيه ومحركات الصواريخ، يمكن لأوكرانيا زيادة إنتاجها من صواريخ كروز بشكل ملحوظ.
وتركز الضربات الأوكرانية على تقويض قدرة روسيا على تمويل الحرب على المدى المتوسط، حيث تواجه روسيا ركودا اقتصاديا، وعجزا متزايدا، وأزمات في الميزانيات الإقليمية، وانخفاضا في أسعار النفط، وتراجعا في عائدات تصديره. ورغم أن روسيا ليست على وشك الإفلاس، تبدو الأسس الاقتصادية لجهودها الحربية هشة على نحو متزايد.
تواجه كل من روسيا وأوكرانيا تحديات في عام 2026 . ورغم التعديلات التكتيكية التي أجرتها روسيا، فإن كفاءتها القتالية لم تتحسن. فالجيش الروسي، في جوهره، يحافظ على معداته ولكنه يتكبد خسائر بشرية أكبر بكثير. ففي الفترة من 2022 إلى 2024، تمكن من تحمل خسائر متزايدة مع استمراره في توسيع قواته.
وكان التجنيد قويا بما يكفي لاستخدام 30% من الأفراد الجدد في بناء تشكيلات جديدة. لكن معظم عمليات التجنيد الروسية في عام 2025 - ما بين 30 ألفا و35 ألف مجند شهريا - كانت لتعويض الخسائر القتالية. وبحلول ديسمبر، بدأت الخسائر التي لا يمكن تعويضها (القتلى والجرحى) تتجاوز التجنيد الشهري، الذي انخفض بدوره. والنتيجة هي أن الجيش الروسي لا يستطيع التوسع بالوتيرة الحالية للعمليات الهجومية.
ورغم أنه ثبت خطأ التوقعات السابقة التي أشارت إلى استنفاد روسيا لمخزونها من القوى العاملة والذخيرة والمعدات، فإنه إذا استمرت معدلات الخسائر الحالية، فقد تضطر موسكو إلى خفض حدة الهجوم أو عدد المحاور التي تحاول التقدم عليها في عام 2026. وبدون تغييرات جوهرية في أساليب القتال الروسية أو سوء إدارة الدفاع الأوكراني، ستتضاءل آمال موسكو في تحقيق اختراقات عسكرية.
تدخل أوكرانيا عامها الخامس من الحرب ببعض النجاحات الهجومية المتواضعة، بعد أن طورت بعض الوحدات نهجا فعالا ومنهجيا يستخدم الطائرات المسيرة لعزل منطقة ما وإضعاف القوات الروسية فيها تدريجيا، مما يسمح للمشاة باستعادة المنطقة تدريجيا. ومن الأمثلة الجيدة على هذا النهج الهجوم المضاد البطيء في كوبيانسك، بمنطقة خاركيف، في الخريف الماضي، والذي استعادت فيه القوات الأوكرانية في نهاية المطاف الأراضي وطهرت معظم المدينة.
ويكمن التحدي الذي يواجه أوكرانيا في الحفاظ على حجم قواتها القتالية على الجبهة، خاصة وأن زيادة وحدات الطائرات المسيرة يتم عن طريق التجنيد من داخل الجيش وليس من خارجه، مما يمثل ضغطا على القوة البشرية للجيش، في الوقت الذي تحتاج فيه أوكرانيا إلى تعزيز قدرتها على الصمود لكي تدرك روسيا عجزها عن تحقيق أي من أهدافها الاستراتيجية بالقوة المسلحة فتضطر إلى القبول بالتسوية السلمية.