الإتقان في زمن السرعة... ماذا يعلّمنا رمضان؟
الأربعاء / 29 / شعبان / 1447 هـ - 13:42 - الأربعاء 18 فبراير 2026 13:42
الزمن فرصتك للإبداع والتميز والإتقان سواء كان طويلا أم قصيرا، وينظر أناس إلى الزمن بأنه قد قصر بعد أن كان طويلا، وأن مرور الأيام والأسابيع والشهور والأعوام أصبح أسرع من ذي قبل، وفي نظري أن كثرة أعمال الناس اليوم وازدحامها على كل فرد -بسبب تنوع وسائل التواصل، وتكاثر المطالب على كل شخص- كان من نتيجته أن شاع لديهم هذا الاعتقاد، وأن الزمان غدا أسرع من ذي قبل، ولكن الحقيقة أن الزمان هو الزمان، وإنما الذي تغير هو طريقة معيشة الناس، واستكثارهم من الرغبات، وسعيهم لتحقيق كل مطلب، مع سهولة الوصول إلى كثير من المطالب، بسبب تسهيل وسائل التكنولوجيا الحديثة طرق معيشة الناس، وهذا الذي جعل الكثيرين يرون أنهم ما لم ينجزوا في اليوم الواحد أكثر ما يخططون له فمعناه أن اليوم صار أقصر في مكثه مما سبق، والحال أن مطالبهم هي التي كثرت، بالنسبة إلى مطالب من قبلهم، وقد صور نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ اتساع رغبات الإنسان تصويرا عجيبا في قوله: « لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يَكونَ له وادِيانِ، ولَنْ يَمْلَأَ فاهُ إلَّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ علَى مَن تابَ».
وإذا كانت مطالب كثير من الناس محصورة في جمع حطام الحياة الدنيا، وفي المسارعة إلى تحقيق المآرب الدنيوية بكل همة وإخلاص، فإنّ المسلم أحرى بأن تكون مسارعته إلى اكتساب كل ما يرضي الله -تعالى- من قول أو عمل، موقنا في نفسه بأن مطالبه ما دامت مشروعة وأنها لوجه الله فمهما كثرت فإن الله -تبارك وتعالى- سيبارك له في الأوقات، حتى يلاحق الزمن في اكتساب أكثر ما يستطيع اكتسابه من الأعمال الصالحات، وقد وعده الله -تعالى- الوعود الحسنة، فإن الله -تعالى- يقول: ' مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ' الشورى: ٢٠، ويقول: ' مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ' النحل: ٩٧
هذا، وقد قال الله -تعالى- ضمن آيات إيجاب الصيام: ' أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ' البقرة: ١٨٤ ، أي: أن رمضان المكتوب علينا صيامه يمر علينا مرا سريعا في أيام قلائل، وصفها ربنا -سبحانه- بأنها: (أيام) وبأنها: (معدودات) وكلا الجمعين من جموع القلة، في بيان لقلتها وأنها ليست بتلك الكثرة، وقد ورد في بعض الروايات أن أيام الصوم عن بعض الأمم قبلنا كانت تطول حتى تصل خمسين يوما، أما هذه الأمة فإن ما شرعه الله -تعالى- لها متسم بالسهولة وعدم الحرج والمشقة، كما يقول سبحانه: ' شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ' البقرة: ١٨٥، وعندما ندرك المنزلة والمكانة العالية التي جعلها الإسلام للوقت ندرك أن ما شرعه الله -تعالى- لهذه الأمة في الزمان السريع القصير قد بلغ من الإتقان الغاية التي لا مزيد عليها، وهذا ما يريده الإسلام من أتباعه، يريد منهم أن ينهضوا بالمندوبات فضلا عن الواجبات مع قصر الزمان وسرعته، ومن حرص على الإتقان في جميع ما يقدمه لله -تعالى- أفسح الله -تعالى- له في الزمان، وبارك له في العمر، حتى يأتي في الأيام القلائل بما يأتيه غيره في السنين المتطاولة.
وهذا ما حدث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع صحابته الكرام؛ فإن نبينا -عليه الصلاة والسلام- أتى من جلائل الأعمال مع سنوات عمره المعدودة التي قضاها في مكة والمدينة ما لا يمكن الإتيان به إلا في أجيال، فقد أخرج للعالم أمة ذات حضارة عظيمة، في ظرف ثلاثة وعشرين عاما، من أقوام كانوا بداة حفاة عراة، يسجدون للحجارة، ويعبدون غير الله، ويسفكون دماءهم لأتفه الأسباب، لا تقيم لهم الشعوب والأمم أدنى شأن؛ لما هم عليه من الفرقة والضياع وشظف العيش، يلتحفون السماء ويفترشون الغبراء، وأنفس مال لدى الواحد منهم الفرس أو الناقة، ويعتاشون على الضب في جحره، واليربوع في نافقائه، حتى إذا تلا عليهم آيات الله، ودعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ورأوا نبله عليه الصلاة والسلام وكرمه، وأدركوا العزة التي يمكن أن يصل إليها من أسلم وجهه لله، ونبذ الآلهة والأصنام من دون الله، أجابوا داعي الله، فالتف حول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سنوات معدودات رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وحينئذ وقع أغرب انقلاب عرفته البشرية في تاريخها، وكان سريعا، حدث في مدة قياسية من الدهر، وهذا نتاج الإتقان مع إسراع الزمان، وعلى هدي نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ في استغلال الزمن وحسن الانتفاع به قبل الفوات مشى أصحابه الكرام، ولذلك أمثلة كثيرة، فمن ذلك أنهم كانوا يعدّون التأخر في الفتوح من التقصير الذي يلومون عليه أنفسهم، فقد ذكروا أنّ وفدا بشّر سيدنا عمر بن الخطاب ـ صلى الله عليه وسلم ـ بفتح، فقال: متى لقيتم عدوكم؟ قالوا: أول النهار. قال: فمتى انهزموا؟ قالوا: آخر النهار. فقال: إناّ لله! أقام الشرك للإيمان من أول النهار إلى آخره!!، والله إن كان هذا إلاّ عن ذنب بعدي، أو أحدثته بعدكم، وإن في توالي الفتوحات الإسلامية وتوسع المد الإسلامي هنا وهناك في عهد الفاروق ومن بعده بسرعة رهيبة دلالة واضحة على مسابقة المسلمين جميعا للزمان في خدمة الإسلام ونشر دعوته للعالمين، مصداق قول الله تعالى: ' وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ' الأنبياء: ١٠٧ .
وما أجمل ما سطره يراع الكاتبة الألمانية زيغريد هونكة في كتابها 'شمس العرب تسطع على الغرب' عندما قالت معبرة عن سرعة المسلمين في نشر المعارف وخدمة البشرية: 'إن هذه القفزة السريعة المدهشة في سلّم الحضارة التي قفزها أبناء الصحراء، والتي بدأت من اللاشيء لهي ظاهرة جديرة بالاعتبار في تاريخ الفكر الإنساني، وإن انتصاراتهم العلمية المتلاحقة التي جعلت منهم سادة للشعوب المتحضرة في هذا العصر- تقصد سنة1000 للميلاد- لفريدة في نوعها، لدرجة تجعلها أعظم من أن تقارن بغيرها'.
أيها الكرام..
-يعلّمنا رمضان أن السرعة مع الإتقان ممكنة في تحقيق كل أمر نتوجه إليه متكلين على الله، وقد اشتملنا على العزيمة والإيقان.
فكلما اقتربنا من نهاية الشهر كان إحساسنا بسرعة مرور الشهر أكثر، مما يجعل كل واحد منا يسرع -قبل أن يدهمه انتهاء رمضان- إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من أعمال الخير، وكذلك كانت عادة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما تصفه بذلك السيدة عائشة أم المؤمنين ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأنه إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان ' شد مئزره، وأحيى ليله، وأيقظ أهله'، فيسرع في أعمال الخير والبر والمعروف مع إتقان لا مزيد عليه، صلوات الله وسلامه عليه، ومن المعلوم أنه تندب العجلة في الخير، فإنّ 'خير البر عاجله' كما يقولون.
-ويعلمنا رمضان أن الظفر بالمراد نتيجة الصبر والجدّ والاجتهاد؛ فبطريقة لا نكاد نشعر بها تتأقلم أجسامنا شيئا فشيئا -مع مرور الساعات- على الصوم، ونعتاد الكف عن تناول ما تشتهيه النفس من طعام وشراب، منذ أن يطلع الفجر إلى أن تغرب الشمس، ونستكمل على ذلك الحال أيام الشهر الفضيل؛ إما تسعة وعشرين يوما وإما ثلاثين يوما، فيصبح الصوم أمرا عاديا هينا على النفس، ونقوم بذلك بما أمر المولى سبحانه وتعالى، وما هو إلا نتاج الصبر: ' وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ' البقرة: ١٥٥.
-ويعلّمنا رمضان أن تغيير العادة المتحكمة في النفس لهو من السهولة بمكان.
متى ما عقد الإنسان العزم، وجمع الهمة لما أراد من كسر العادات غير المرغوب فيها، فلا ريب أن عادة الحفاظ على ثلاث وجبات في اليوم –مثلا- عند بعض الناس يرونه دستورا يتقيدون به، وعادة لا يمكنهم الفكاك منها، وهي في الحقيقة طريق إثقال النفس بما هو زائد عن حاجتها، وكفايتها من الطعام والشراب في اليوم الواحد، وفي الحديث النبوي الشريف:' ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِه، حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه، فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه، وثلثٌ لشرابِه، وثلثٌ لنفسِه'.
-ويعلّمنا رمضان أن الخلق العالي له منزلته العالية عند الله؛ فإن الصيام يذكر بالمحرومين فتفيض النفس شفقة على حالهم، ويعلّم كظم الغيظ والعفو عمّن أساء إلينا، وأن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن الاجتماع على الطاعة خير من الانفراد بها، وأن المشقة إذا عمّت طابت، وأن التزكية لا بد لها من تضحية، فيضحي الإنسان بشيء من وقته ومن جهده ومن رغباته الشخصية ومن ماله حتى يصبح عبدا ربانيا ' وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ' فاطر: ١٨ ، والحمد لله رب العالمين.