صلاة التراويح "بين الأداء الكمي والخشوع النوعي ..أين يكمن الإتقان؟"
الأربعاء / 29 / شعبان / 1447 هـ - 13:29 - الأربعاء 18 فبراير 2026 13:29
إن من فضل الله -تعالى- علينا وعلى الناس أن جعل شهر رمضان المبارك محضنا لصنوف الطاعات والقربات، وموسما تنشرح فيه الصدور لعمل الخيرات، فشهر رمضان الكريم من الشهور التي أودع الله -تعالى- في قلوب عباده شوقا دفينا إليها، فما إن يستدر العام دورته حتى تخفق القلوب لمقدمه وتتشوق النفوس لاستقباله.
ومن العبادات التي سنها لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشهر المبارك سنة قيام رمضان، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَن قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» البخاري: 37، وخرج -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه ذات ليلة من رمضان فَصَلَّى في المَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجالٌ بصَلاتِهِ، فأصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا، فاجْتَمع أكْثَرُ منهمْ، فَصَلَّوْا معهُ، فأصْبَحَ النَّاسُ، فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، فَصَلَّوْا بصَلاتِهِ، فَلَمَّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عن أهْلِهِ حتَّى خَرَجَ لِصَلاةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أقْبَلَ علَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قالَ: «أمَّا بَعْدُ، فإنَّه لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكانُكُمْ، لَكِنِّي خَشِيتُ أنْ تُفْرَضَ علَيْكُم، فَتَعْجِزُوا عَنْها» البخاري: 924.
ثم بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- أمر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في عهده المسلمين أن يجتمعوا على الصلاة حين رآهم أوزاعا في المسجد، يصلي الرجل بنفسه، ويصلي الآخر برجل مثله أو رجلين، أو رهط من الناس، فأمر أبي بن كعب وتميم الداري أن يصليا بالناس إحدى عشرة ركعة، وهكذا استمر المسلمون على إحياء هذه السنة والمحافظة عليها.
والصلاة عموما وقيام رمضان خصوصا -أيها الكرام- عبادة عظيمة تطهر القلب، وتسمو بالنفس وتعينها على التغلب على منغصات الحياة إن أخلص العبد فيها لله عز وجل، وكان قلبه حاضرا مستحضرا قربه من الله -تعالى-. فالخشوع هو روح الصلاة وعمودها، والصلاة الخالية منه لا تتحقق فيها المعاني السابقة، بل تصبح ثقيلة شاقة كما وصفها الكتاب العزيز: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ البقرة: 45.
وصلاة التراويح فرصة للتزود الروحي، وميزان النجاح فيها ليس بعدد الركعات أو المقدار الذي يقرأ فيها أو الوقت الذي يستغرق في أدائها، بل بما يتركه القيام من أثر في النفس والسلوك؛ فختم القرآن في قيام الليل والإكثار من الركعات مثلا أمر محمود إن كان مقرونا بالخشوع والتدبر، أما إن كان على حساب الطمأنينة وفهم الآيات وحضور القلب، فإن ذلك يتنافى مع المقصد من القيام وصلاة التراويح، وهو من قبيل التركيز على الكم دون الاهتمام بالكيف.
ومن صور الاهتمام بالكم دون الكيف أيضا الإسراع في الصلاة إسراعا يخل بكثير من السنن، بل ربما يخل بالأركان في بعض الأحيان، وقد يجد من يفعل ذلك تشجيعا من المصلين يدفعه إلى الاستمرار على ذلك، وربما يكثر رواد ذلك المسجد الذي يصلي فيه هذا الإمام؛ لأنه ينهي صلاة التراويح في أقصر وقت ممكن. وهذا كله من الخطأ البين، والمطلوب الاعتدال والتوسط إذا صلى بالناس إماما، فلا يخفف تخفيفا يخل بواجب أو مسنون، ولا يطيل إطالة تشق على المصلين، بدليل قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا صلَّى أحَدُكم لِلناسِ فليُخفِّفْ؛ فإنَّ فيهمُ الضَّعيفَ والسَّقيمَ والكَبيرَ، وإذا صلَّى لِنَفْسِه فليُطوِّلْ ما شاءَ» البخاري: 703، أما إن كان يصلي لنفسه أو كان معه من يوافقه، كأن يتفق أهل بلدة على ختم القرآن مثلا في مسجد معين، أو بأي صورة من صور الاتفاق على إطالة القراءة في الصلاة، فلا إشكال في ذلك وليطول الإمام ما شاء.
وفي حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَن قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» البخاري: 37، دليل على أن من صلى صلاة التراويح بخشوع وإتقان كما ينبغي فقد قام رمضان؛ لأن المغفرة في الحديث مشروطة بقوله: إيمانا واحتسابا، والمراد بقوله إيمانا: أي 'أنه حال قيامه مؤمنا بالله -تعالى-، ومصدقا بوعده وبفضل القيام وعظيم أجره عند الله تعالى، واحتسابا: أي محتسبا الثواب عند الله -تعالى- لا بقصد آخر من رياء ونحوه'، فمن حرص على صلاة التراويح وعلى إتمامها من غير تفريط في شيء منها أو استعجال في أدائها، نال الفضل والثواب والمغفرة.
والمتأمل في حال السلف -رضوان الله عليهم- يجد أنهم أولوا الصلاة عموما والتراويح خصوصا عناية فائقة؛ لأنهم علموا أنها نور في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البدن، وفيها البركة والمغفرة والشفاء والسكينة. فكان تركيزهم منصبا على إتقانها وإقامتها حق الإقامة، فقد جاء عن الحسن البصري أنه قال: 'كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح'، ويروى أن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- كان يتلون وجهه إذا حضرت الصلاة، فيقال له: مالك يا أمير المؤمنين؟ فيقول: جاء وقت أمانة عَرَضها الله على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملتُها.
وصعد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- المنبر يوما فقال: 'إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام، وما أكمل لله -تعالى- صلاة'، قيل: وكيف ذلك؟ قال: 'لا يتم خشوعها وتواضعها وإقباله على الله فيها'.
وسئل أحد الصالحين عن صلاته فقال: إذا حانت الصلاة أسبغت الوضوء، وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه، فأقعد حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوم إلى صلاتي، وأجعل الكعبة بين حاجبي، والجنة عن يميني والنار عن شمالي، وملك الموت من ورائي، وأظنها آخر صلاتي، ثم أقوم بين الخوف والرجاء، أكبر تكبيرا بتحقيق، وأقرأ قراءة بترتيل، وأركع ركوعا بتواضع، وأسجد سجودا بخشوع، وأتبع ذلك كله الإخلاص، ثم لا أدري أقبلت مني أم لا؟!
فلنحرص جميعا -أيها الإخوة الكرام- أن نكون من الخاشعين في صلاتهم؛ حتى نجد بردها وأنسها ونقبل إليها بشوق، فتصلح أحوالنا وتستقيم أمورنا، جعلنا الله جميعا من عباده المؤمنين ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ المؤمنون: 2.