رمضان في تاريخ الحضارة الإسلامية
الأربعاء / 29 / شعبان / 1447 هـ - 13:28 - الأربعاء 18 فبراير 2026 13:28
إن المؤمن الحصيف يعي قدسية شهر الصيام، ويدرك خصائصه الفريدة؛ فيستثمر نعمه وأسراره، ويستلهم من أحداثه وانتصاراته تجليات الرحمة وذكريات المجد؛ فلا يتلو القرآن الكريم إلا وهو يعيش آفاق نهضته متصلًا به اتصالًا يفوق عهده به سائر الشهور، ويُضاعَف هذا الاتصال في شهر الإنجاز والإتقان مستشعرًا عظمة الأجر، مخلصًا النية لله عز وجل؛ فالثورة الروحية التي يحدثها رمضان في نفس الصائم تعيد له توازنه النفسي والجسدي وفق الفطرة التي أرادها الله تعالى. وأعظم فتح يحققه الصائم الانتصار على أهوائه وشهواته، فهو يقبل على ربه في أعلى مراتب الصفاء الروحي الإيماني؛ لينهل من بركات الشهر بالتوكل على الله، والأخذ بالأسباب مستحضرًا قوله تعالى: 'إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ' [محمد:7].
ومن أهم الأعمال الإيمانية التي وجب على المؤمن الالتزام بها في هذا الشر الفضيل العناية بالقرآن الكريم فهمًا وتدبرًا وتلاوةً وحفظًا؛ فالقرآن ينهض بالأمة ناقلًا إياها من هامش الحياة إلى قمة الحضارة، ومن ذيل القافلة البشرية إلى ناصيتها، ومن خلفية الجهالة والانحطاط إلى مقدمة الإنسانية والكرامة؛ لذا على المؤمن أن يتلقى القرآن بصفاء روحي يبلغ أوجه في رمضان؛ حتى تستقر الآيات في قلبه، وتترجم إلى واقع ملموس اقتداءً بالنبي ﷺ؛ فقد كان حاله مع القرآن أكمل الأحوال، فكان ﷺ كثير المدارسة للقرآن: «وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن» (أخرجه البخاري)، وهكذا سار الصحابة على نهجه، مقتفين أثره، فقد بلغ ابن مسعود مبلغًا عظيمًا في العلم بمعاني القرآن، وتفسيره، وما يتعلق به من علم حتى قال عن نفسه: 'والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله، تبلغه الإبل لركبت إليه' (أخرجه البخاري). والقرآن كذلك كتاب مفتوح للأجيال، لا تتبدل دلالته، ولا تتغير طبيعته. والجدير بالمسلمين اليوم في مشارق الأرض ومغاربها أن يستلهموا منه العظة والعبرة، ويدرسوه دراسة وافية، ويتدبروا معانيه، ويترجموا أوامره التي تعينهم على العمل في شهر العبادة والجهاد مع النفس؛ فرمضان ليس شهرًا للنوم، وتعداد أصناف المأكولات والمشروبات، بل هو مضمارٌ للعطاء، والعمل الدؤوب.
ومن مظاهر الحضارة أيضًا في تاريخ رمضان تلك الانتصارات، والفتوحات، والوقائع التي يتجلى فيها صدق الإيمان، والصبر عند مواجهة الأعداء على رغم القلة، وضعف العدد، ومع ما عليه الأعداء من الدروع السابغات، والخيل المسومة، ومن أبرزها:
معركة بدر الكبرى (17 رمضان، 2هـ) التي لم يخرج النبي ﷺ والمسلمون فيها إلى القتال في الوهلة الأولى، لكنهم أُلجئوا إليها، والنهاية نصرٌ مؤزرٌ للمجتمع المسلم وكتائب جهاده في ظل التفاوت الكبير بين حجم القوة المادية للعدو والمجاهدين من أبطال الإسلام -كما أسلفت سابقا-، وهذا النصر دوّى صداه في أرجاء الجزيرة العربية شرقها وغربها، شمالها وجنوبها، حتى رُجت له القلوب، وكاد يخلعها من بين أضلعها رهبة ورعبًا، وطوّف صدى هذا النصر حتى دخل كل خباء في مضارب القبائل العربية وبطونها ومنازلها.
ومن الانتصارات الرمضانية العظيمة أيضًا فتح مكة (20 رمضان، 8هـ) الذي أَذِن بانطلاق الهداية، ونشر رسالة الإسلام في أوسع مدى من البلاد، والأمم، والشعوب، فقد تحرر البلد الأمين من رقّ التعبد للأصنام والأوثان، وطُهر من الشرك، فكان متعبدًا توحيديًّا لله الواحد الأحد، وهذا الفتح وجّه الأمة الإسلامية بقوتها الروحية والمادية إلى إعلاء كلمة الله؛ فالذين أسلموا من أهل مكة، وأولادهم، وأحفادهم حملوا راية الجهاد، وساحوا في البلاد فاتحين القلوب بالإيمان، والعدل، والإخاء، والمرحمة، والحب الإيماني، وكان منهم قادة للأمة في أفكارها، وسياستها، وعلومها، ومعالمها الحضارية.
ومن الوقائع الرمضانية الحامية في تاريخ الإسلام واقعة عين جالوت (25 رمضان، 658هـ) التي تعد حدثًا تاريخيًّا إسلاميًّا عظيمًا، فهي أول انتصار يحققه المسلمون على المغول؛ محطمين بذلك أسطورتهم المرعبة -ولم ينتصر على المغول أحد قبلهم- التي كانت إيذانًا بخلاص الشام من أيدي المغول، وهذه المعركة أنقذت العالم الإسلامي من خطر داهم لم يواجه مثله من قبل، وأنقذت حضارته من الضياع والانهيار، وحمت العالم الأوروبي أيضًا من شر لم يكن لأحد من ملوك أوروبا حينها أن يدفعه، وهذا ما يشير إليه المؤرخون، والمستشرقون من مثل (ألفرد جيوم A Guillaume) مقرًّا بمدى الاستفادة الكبيرة التي جنتها أوروبا من جراء انتصار الجيوش المصرية على المغول، فبدون ذلك النصر؛ ستتأخر أوروبا عن عصر الإحياء أكثر من قرن.
وبذلك يمكن القول إن عناصر القوة من حسن تدبير وتخطيط، وطاقة روحية عالية انطلق بها المسلمون في شهر رمضان في تلك الانتصارات وهم أقل عدة وعددًا؛ جعلتهم يتغلبون على الفارق في ميزان القوة العددية والتسليح؛ فتزداد هذه الطاقة في رمضان شهر الإنجاز والعطاء والإتقان عند الصائم.
وعند التحدث عن الفتوحات الإسلامية يُطرح سؤال مهم: ماذا بعد الفتح؟ وما الجوانب الحضارية التي يعقبها فتح المسلمون لهذه البلدان؟ فنقول: إن الذي يعقب حركة الفتح المبين -بعد الدعوة إلى الله- حراك علمي وفكري واقتصادي، وحصول التبادل للعلوم والمعارف؛ فانتشرت المدارس والجامعات الإسلامية في العواصم الإسلامية كافة، وفتحت أبوابها لطلاب العلم من المسلمين وغير المسلمين، ونشطت حركة التراجم للعلوم، وفي رحلات التجار نجد أنها لم تكن للتجارة فحسب، بل كانت الدعوة إلى الله من أولوياتها، وهذا ما تحقق جليًّا لدى الشيخ أحمد بن إبراهيم العامري (ق:14هـ) عندما كان في ضيافة ملك أوغندا (الكباكا) فأُحضر فتيان شباب لذبحهم حسب الطقوس الدينية الوثنية السائدة لديهم آنذاك، وقد شاهد الشيخ العامري هذا المشهد أمامه؛ فلم يتمالك نفسه من إنكار هذا الفعل الشنيع المنافي للإنسانية، فدعا الشيخ ملك أوغندا لتوحيد الله، وتفريده بالعبادة، وهنا أخذ الملك يسأل عن الإله؛ فشرع الشيخ بإخباره داعيًا إياه للإسلام، فما كان منه إلا أن رق قلبه، وخضعت نفسه، وخشعت جوارحه، فاعتنق الإسلام. وهذا ما يحدث عقب الفتوحات الإسلامية خاصة تلك المتزامنة مع الشهر الكريم الذي يحرك العقول والعلوم، فيبدأ أولئك بالسؤال –على سبيل المثال- عن الإله الذي يُعبد، واستحقاقه إلى أن نجوع لأجله، وغيرها من الأسئلة التي عقبها فتح آخر لهذه القلوب من أصحاب الأديان السماوية المنحرفة والوضيعة في البلدان التي فُتحت.
ولسنا ببعيد عن فتوحات المسلمين الأندلسية -إسبانيا حاليًّا-، فبعد أن فتحها المسلمون انتقلت الحياة فيها من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان، واتجهوا بعد ذلك إلى إحيائها بالزراعة، وتعمير مدنها الخربة، وتنشيط تجارتها الراكدة، وإنعاش صناعتها المتأخرة حتى غدت الأغنى في ظل الخلافة الإسلامية آنذاك، ويقول سيديو: 'نجح العرب نجاحًا باهرًا في القيام بدور الوسيط بين مختلف الشعوب من الفرات حتى جبل طارق، وساعدهم في ذلك ما امتازوا به من نشاط ليس له مثيل وتسامح عظيم'.
وبالحديث عن الإنجازات العظيمة التي حققها العمانيون في هذا الشهر الفضيل التي اكتست بها عمان مجدًا وحضارة، استقلال عمان عن البرتغاليين في ليلة من ليالي رمضان المباركة، وكان ذلك في (23 رمضان)، فتهيأ العمانيون لأحد أعظم فصول نضالهم ضد الاستعمار البرتغالي، وتحولت شوارع مسقط إلى ساحة للبطولة تحت قيادة الإمام سلطان بن سيف اليعربي، حيث تسللت قوات المقاومة عبر الأسوار، واندلعت معركة شرسة انتهت برفع راية النصر، واستعادة السيادة الوطنية. ويُذكر أيضًا في السياق الرمضاني نفسه اتفاقية إنهاء الحرب الأهلية في ظفار؛ لتحقيق الوحدة والاستقرار في البلاد، فكتبت عمان فصلًا جديدًا من تاريخها السياسي آنذاك، حين وُقعت اتفاقية أنهت التمرد المسلح في محافظة ظفار، ولم يكن هذا الاتفاق مجرد نهاية لصراع، بل كان بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية، فاجتمعت القبائل، ووضعت الأسلحة جانبًا، وبدأت مسيرة إعادة الإعمار؛ ليكون رمضان مرة أخرى شاهدًا على لحظة تحول حاسمة، تجتمع فيها الروحانيات من الأعمال إلى جانب الإنجاز، والفتوحات، والانتصارات العظيمة تعقبها بداية مسيرة الازدهار الحضاري التي تتمثل في الحراك الدعوي والفكري والاقتصادي وغيره؛ فيكون شهر رمضان انطلاقة لسلسلة من الأعمال الحضارية، والازدهار العلمي والدعوي على المستويين الفردي والجماعي؛ لوجود فسحة من الوقت تتاح للعلماء والدعاة فينصرفون بها إلى التأليف والوعظ كلّ حسب وجهته.
وتذكر كتب الوثائق والمخطوطات حدث نسخ موسوعة المصنف، وبيان الشرع، ومنهج الطالبين، وغيرها من موسوعات التراث الإباضي العماني عند بعض النّساخ في شهر رمضان، ويذكر الناسخ محمد الرمضاني عن الشيخ سالم بن حمود السيابي أنه كان يكثر من الكتابة في شهر رمضان.
وعند ذكر القرآن في رمضان؛ فهذا المقال لا يتسع لذكر الشواهد الدالة على الاهتمام البالغ بكتاب الله، فرمضان شهر القرآن، وقد حرص المسلمون في هذا الشهر على الاهتمام بالقرآن الكريم تلاوة وحفظا وتدبرا، وكانوا حريصين على التعبد به في قيام رمضان؛ لأنهم أدركوا أن رمضان هو شهر القرآن، واقتدوا برسولهم ﷺ الذي كان جبريل يدارسه القرآن في شهر رمضان.
وفي الختام ندرك أن رمضان لم يكن مجرد شهر للروحانيات المنعزلة، بل هو شهر الإنجاز والعمل، ولم تكن غايتي من ذكر هذه الفتوحات تعدادًا للمعارك، بل تأكيدًا على أن رمضان هو 'نقطة انطلاق' لمسيرة ازدهار حضاري تبدأ بانتصار النفس، وتمر بانتصار الميدان، وتتوج بحراك دعوي وفكري واقتصادي يبني الأمم.