أعمدة

زمن الفن المختزل: المسرح والسينما في عصر السرعة الرقمية

كيف يمكن إجراء مقاربة بين مقولة الناقد السينمائي ريتشارد برودي القائل: «يستغرق صنع الفيلم سنتين، ومشاهدته ساعتين، لكن تحطيمه لا يستغرق سوى دقيقتين، وعلى تويتر، ربما ثانيتين، لذا أشعر بضرورة التعامل مع الفيلم باحترام»، وفن المسرح المعاصر، في ظل ثقافة رقمية تتسارع فيها الإشارات، وتتنافس فيها الصور على لحظة انتباه عابرة يتقلّص الزمن المخصص للتأمل الجمالي إلى حدٍّ يهدد بنية التلقي ذاتها. هل تتعلق المقاربة بتوصيف ابستمولوجي يُعيد علاقة الفن بزمنه الثقافي أم أن الطرح يتحرك في فضاءات قوة العمل الفني وجودته؟ أم في اختزال الزمن الذي يسمح بظهور معناه؟

تفترض هذه المقالة أن التحوّل الرقمي لم يختزل الفن وحده، بل اختزل زمن التلقي ذاته، وأعادنا إلى إشكال معرفي مع الزمن. فالمسرح، بوصفه فن الحضور المتزامن بين الجسد والزمن، يظل المجال الأكثر قدرة على مقاومة هذا الاختزال وكشف حدوده الثقافية.

لم يعد تلق المسرح المعاصر يقتصر على ذهاب المتفرّج إلى صالات العرض وحدها، بما أتاحته التكنولوجيا من وسائل ومنصات حطمت مفهوم التلقي التقليدي وأعرافه. وبات الزمن الممنوح للفن زمنًا للحكم السريع عليه دون أي تأمل.

تاريخيا، بذل المسرح عبر عصوره الحضارية جهدا في بناء علاقة اجتماعية-مدنية مع المتلقي؛ مثلا «ما تكرّس مع الزمن كتقاليد اجتماعية كالذهاب إلى المسرح بثياب السهرة في بعض البلدان، والتصفيق في نهاية العرض-ص52، فصارت التقاليد أخلاقيات اجتماعية لا يُقلل من مواضعتها التراتبية. غير أن تحوّل زمن التلقي لا يظهر في الوسائط وحدها، بل في الذاكرة الاجتماعية التي شكّلت علاقتنا الأولى بفكرة الفرجة.

أذكر جيدا في صلالة حينما لم نكن قد عرفنا المسرح، بل السينما، كنا نتخيّر ملابس جديدة وأنيقة احتفالا بفكرة لم نعرفها في السياق الاجتماعي من قبل، لكننا افترضناها عبر وسيط شاشة التلفزيون التي كنا نشاهد من خلاله أفلام وحفلات غنائية للسيدة أم كلثوم بالأبيض والأسود. هكذا انتقل الوعي بالعرف المسرحي من السينما إلينا، ما سمح لنا بدخول اللعبة وبناء الإيهام أو كسره.

في كتابه (المسرح العربي الحديث 1976-1989) يناقش بول شاوول (العلاقة بين المسرح ووسائل الاتصال الجماهيرية في الوطن العربي من إذاعة وتلفزيون وفيديو) مطالبا المسرحيين والنقاد عموما الاقتراب من إشكاليات المسرح ووسائل الاتصال تلك كما هي مطروحة ومفروضة ومفترضة معا، فيطرح هذه الأسئلة: كيف نفهم المسرح؟ هل هو جزء من الذاكرة المُعممة؟ أو خروج عليها؟ هل هو جزء من الذاكرة التاريخية المجمدة والمقننة، أو جزء من ذاكرة تبحث عن مستقبلها باستمرار؟ هل هو ذاكرة مستقبلها في ماضيها وفي سائدها أو مستقبلها في تحولاتها غير المحدودة؟ هل هو ذاكرة مكتملة مغتبطة باكتمالها النهائي والمغلق والمكتفي، أو ذاكرة ناقصة تعيش أسئلتها الناقصة باستمرار؟ -ص122.

إن مجمل الأسئلة ترتكز في فكرة النضال التاريخي والثوري والسياسي بالمسرح، وقدرته على نقل المجتمعات من مرحلة الجهل والتعتيم والفوضى إلى فضاء الحريات والنهضة وإحداث التغيير السياسي والثقافي في الجماهير.

ويرى شاوول أن جل ما يجري مناقشته من (مضامين وأفكار) في المسرح لا يكتمل إلا بتحديد ملامح السلطة وما تريد من الواقع؟ فأين تقف من الفعل التغييري السياسي والثقافي والإعلامي، ويصل إلى استنتاجات حول علاقة وسائل الاتصال بالمسرح إلى نتيجة نظرية تتلخص بما أن السلطة وقيمها وما تحمل من تخلف وتراجع استطاعت ضم وسائل الاتصال إلى سلطتها فتخلت تلك الوسائل عن دورها النضالي كإثارة أسئلة تنوير الواقع الاجتماعي، فطمست ما فيه من تناقضات، وصادرت إمكانات تغييره فصارت أدوات تضليل، ومن هذه المواقع كما يقول بول شاوول تحولت السينما والإذاعة والتلفزيون والفيديو إلى وسائل يُحارب بها كل جديد طليعي جديد، وثقافي مختلف، وما هو نقيض للسائد.

من زاوية أخرى لم يعد الاعتقاد السائد حول وجود ثقافة استهلاكية سريعة في المجتمعات العربية من المحيط إلى الخليج، قولا مختلف عليه، حيث تأخر إنتاجها لتكون في مصاف الدول المنتجة للعلم والمعرفة، ما أحدث فجوة عميقة بين مختلف البنى الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية فيها، وهذا بدوره كما يرى شاوول حوّل النتاجات الفنية لوسائل الاتصال إلى مواد وسلع استهلاكية، تختلط فيها الإعلانات بالدراما بالإعلام، عليه، يمكن مشاهدة كيف سقط المسرح مثل وسائل الاتصال في النمطية السلعية الاستهلاكية، فتخلى عن موقعه في مواجهة الواقع وفي تجاوزه.

يقول شاوول: لقد تحول المسرح إلى سلعة إعلامية مرتبطة بمختلف التعابير المختلفة والمتراجعة، والارتدادات الفكرية والطائفية والأيديولوجية... والفارق بين مسرح استهلاكي وشعبي أن الاستهلاكي يستغل مآسي الناس وقضاياهم وهمومهم وتناقضاتهم لأهداف تجارية بحتة، أما المسرح الشعبي فهو يعبر عن هذه المآسي ويكشف مواقعها ويحرّض على أسبابها، ليكون، شهادة لها وتجاوزا لظواهرها.

تطرح النظرة السابقة إلى جوهر إشكالية العلاقة بين المسرح ووسائل الاتصال في زمن تأليف الكتاب وصدور طبعته الأولى عام 1989م إشكالية واضحة في عجزها عن مناقشة المسرح كما ينبغي أن يُناقش اليوم، في عناصر تطوّر الممثل والمخرج والسينوغرافيا ووسائل الفرجة الممكنة للتواصل مع الجماهير، فالنظرة إلى المسرح كأيديولوجية يتصل بمرحلة سياسية أرجأت مناقشة الجماليات الممكنة فيه، وبالتالي نشأ القصور الحاد في استيعاب ما تطرحه مهرجانات المسرح العربي (القاهرة التجريبي، قرطاج، الهيئة العربية، الدّن الدولي وغيرها) من اشتغالات فنية يراها كثيرون صادمة ومتجاوزة لواقع تناقضات المجتمعات العربية!

إن الواقع المراد مشاهدته فوق خشبة المسرح يتمظهر لدى كثير من الأطروحات في قضايا الفساد والعفن والفقر والجهل أو في قصور وسائل الاتصال عن مواكبة تأثير المتغيرات الاقتصادية على الإنسان العربي، أو تحفّظ بعض هياكل الوزارات عن فتح ملفات تثير جدلا لدى الرأي العام.

إذا كان شاوول قد رأى في وسائل الاتصال امتدادًا لسلطة أيديولوجية تُفرغ المسرح من طاقته التغييرية، فإن التحول الرقمي الراهن يكشف طبقة أعمق من الإفراغ، لا تتصل بالسلطة وحدها، بل بزمن الإدراك نفسه. لقد اختلفت وسائل استقطاب المتفرج العربي المعاصر، في حال رضينا بعجز المجتمعات العربية عن تصدير المعرفة والتقنية، أو استهلاكها لها، أو بقاءها تحت رعاية الكولونياليات المتنفذة عالميا، فاليوم نشهد ثورة اتصالات هائلة نقف عاجزين أمامها في تطور منصات التواصل الافتراضي جميعها، من فيسبوك إلى انستغرام وإكس، إلى تفجر هائل لرقميات الهواتف وبرمجيات الذكاء الاصطناعي. المشكلة ليست في المنصات الرقمية بوصفها أدوات، بل في نمط الإدراك الذي تنتجه؛ إدراك لا يحتمل الامتداد الزمني، ولا يعترف إلا باللحظة المقتطعة من سياقها.

أمام هذا كله، نعود إلى تأكيد الاعتراف بأن «المسرح فن مركب له طابع اجتماعي وفني وفيه بُعد إيديولوجي وفكري-ص52»، ومحاولة مقاربة فن المسرح مع السينما، تحتكم إلى معايير مختلفة؛ فالفترة الزمنية التي غطاها كتاب المسرح العربي الحديث ثلاث عشرة سنة من تاريخ المسرح العربي، والمسافة الزمنية بين عام صدوره عن دار نشر رياض نجيب الريس حوالي سبع وثلاثين سنة، وهو فارق زمني كبير يسمح بقراءة نقدية جديدة تربط الماضي بتحولات المسرح العربي المعاصر، خاصة في ظل الرقمنة والوسائط الجديدة، وتحوّل أنماط الإدراك.

إن نقل مقولة السينمائي ريتشارد برودي إلى المسرح وإشكالياته، تضع تلقي المسرح العربي المعاصر في إشكالية معرفية، فنية وتقنية، وليست ثورية نضالية إيديولوجية كما نستنتج من طرح شاوول. وفي ظل ذلك ينبغي علينا البحث عن صيغة جديدة متطورة، فالمسرح خطاب يقول بوسائل متعددة ما لا تقوله خطابات سردية ومقالات نقدية. فتحضير عرض مسرحي يستغرق شهورا، ومشاهدته ساعة أو ساعة ونصف، لا مجال لتحطيم العرض، حيث يمكن عرضه في مهرجانات مختلفة، أو توثيقه بواسطة الفوتوغرافيا، بينما مشاهدته في التلفزيون أو اليوتيوب مثلا قد يستغرق ساعة. لذا هل نشعر بضرورة التعامل مع المسرح باحترام مبالغ فيه؟ أم العودة إلى الماضي، أم التحرّك نحو ثقافة المنصات الرقمية التي تقوم على تفتيت الزمن، وأولوية الانفعال اللحظي على مساحة التأمل التي يتيحها فضاء المسرح ولغاته جميعها؟

لم يعد الزمن الذي يمنح للفن زمنًا للفهم، بل زمنًا للحكم السريع عليه. تكشف تجارب المسرح العربي المعاصر، ولا سيما العروض التجريبية التي اشتغلت على الجسد والزمن الحي، عن محاولة واعية لإبطاء إيقاع التلقي، لا بوصفه حنينًا جماليًا، بل بوصفه موقفًا ثقافيًا مضادًا لمنطق الاستهلاك الرقمي.

للمسرح خصوصيته الفنية والجمالية، لذلك يحتفظ بمسافة زمنية مختلفة عن وسائل اتصال التقنية المعاصرة؛ فالعرض لا يوجد إلا في لحظة حضوره، ولا يمكن اختزاله دون فقدان جوهره. ويتجلى ذلك في وحدة زمن الأداء والتلقي، وحضور الجسد الإنساني، وصعوبة الاستهلاك المجتزئ. المسرح ليس فنًا بطيئًا، بل فنّ يرفض السرعة حين تتحول السرعة إلى شكل من أشكال محو المعنى.

ومع ذلك فإن التوثيق الرقمي يعيد إدخال المسرح جزئيًا في منطق الاختزال، ما يكشف أن الصراع الحقيقي بين نظامين زمنيين للثقافة لا بين فنّين فقط.

أرى أن المسرح سيظل المساحة الأخيرة التي يمكن للزمن الإنساني أن يُعاش فيها كاملًا قبل أن يتحوّل إلى مجرّد أثرٍ عابر على شاشة.